فنون

أسد الصحراء

lion-of-the-desert

 
يركز مصطفى العقاد في إخراجه لفلم أسد الصحراء على شخصية عمر المختار التي تركت بصمة قوية في ذاكرة جميع الشعوب التي قاومت ولازالت تقاوم في سبيل نيل حريتها و كرامتها ، يقدم الفلم في بدايته لمحة تاريخية عن الفترة التي غزت فيها إيطاليا المدن الليبية لتحقيق مطامعها حيث تم إنزال الجيوش عام 1911 في طرابلس وبنغازي وسرت والكثير من المدن الأخرى ، مما أدى إلى مقاومة باسلة من قبل الليبين الذين جمدوا الكثير من عمليات الجيش الإيطالي خلال أعوام عديدة ، لكن الأمور التي حدثت بعد وصول الدكتاتور موسوليني إلى الحكم عام 1922 أدت إلى تصاعد وتيرة العنف بين الجيش الإيطالي .والمقاومة الليبية

يُبرز العقاد في الظهور الأول لشخصية عمر المختار أثناء تدريسه لمجموعة من الأطفال مدى بساطة البيئة الاجتماعية المحيطة به وذلك في مشهد لا يخلو من الطرافة ، اذ ترى عمر المختار متساهلاً مع الأطفال الذين يحاولون الهروب من الدرس لكي يلحقوا بحفل الزفاف الذي اقتحم القرية بشكل مفاجئ ، لنجد المختار أثناء تجوله في القرية مبتسماً وهو يشارك الأطفال والكبار فرحتهم ، لكن فرحته لم تدم طويلاً وذلك بسب وصول خبر استلام الجنرال غراتسياني .ولاية ليبيا والذي كان معروفاً بقسوته وبطشه

.((من الجدير بالذكر أن من جسد دور عمر المختار هو الممثل الغني عن التعريف ((أنطوني كوين)) في حين جسد دور الجنرال غراتسياني هو الممثل ((أوليفر ريد

وبالفعل يبدأ الجنرال غراتسياني حملته الهمجية ضد المواطنين إذ اعتقل الشبان بحجة التجنيد والعمل لصالح الحكومة الإيطالية ومن ثم أحرق نصف ما يمتلكه السكان من مؤونة وغذاء لكي يقطعوا الأمدادات عن الثوار الليبين ، كل هذه المجريات لم تثبط عزيمة المختار في مواصلة المقاومة بحكمة وثبات ، وهذا ما نشاهده في اللوحة السينمائية التي أبدع فيها العقاد حينما عكس مدى براعة وذكاء المختار الذي جرَّ العدو إلى ساحة خالية ومكشوفة موهماً أياهم بالفرار في حين كان نصف كتيبته مختبئة في حفرٍ رملية ، وتماماً كما تنبأ المختار، تم تدمير جميع الآليات العسكرية التي كانت تسير ضمن الموكب واستطاع الثوار رغم الفارق العسكري في العتاد والأسلحة أن يسطروا أروع ملحمة للبطولة ، وعند استسلام أحد القادة الأيطاليين منع المختار أحد الثوار .((وهو يحاول قتله قائلاً ((نحن لا نقتل الأسرى)) ومن ثم التفت للقائد الأيطالي وقال ((قل لقائدك بأن هذا المكان ليس بمكانه

يستمر الجنرال غراتسياني بفرض أوامره الجائرة اتجاه الشعب الليبي دونما رحمة أو شفقة من خلال ممارسات تندى لها جبين الإنسانية كالإعدامات العشوائية والاعتقالات التعسفية ناهيك عن حرق المحاصيل وردم الآبار بل تخطى الأمر إلى تهجير السكان إلى مخيمات بعيدة عن أماكن عيشهم ، وكردٍ على هذه الأفعال .حاول الثوار تحت قيادة المختار أن يحرروا الناس من هذه السياسات لكن المشروع الإيطالي في اتباع سياسة الحصار والتجويع ظل مستمراً

يلجأ غراتسياني بعد هذه الأحداث إلى الجنرال ديوديتشي ليأمره بإجراء مفاوضات مع عمر المختار ليوهم الأخير برغبته الحقيقية في تحقيق السلام ، لكن الهدف الحقيقي وراء رغبة غراتسياني هو كسب المزيد من الوقت لتحقيق مخططه في مزيدٍ من السيطرة وللقضاء على حركة المقاومة في ليبيا ، بطبيعة الحال يلبي المختار هذا النداء ولا يرفضه أملاً منه بإنهاء معاناة شعبه على جميع الصعد ، ليتم اللقاء مع الجنرال ديوديتشي ومعه اثنان من الذين يمثلون القرار الإيطالي في روما فكانت مطالب المختار تتمثل بإعادة الأراضي المصادرة و بدخول مراقبين من مصر وتونس ليشهدوا على الاتفاق، إضافة لفتح المدارس باللغة العربية وقيام برلمانٍ وطني لتمثيل الشعب ، إلا أن هذه المطالب التي قدمها زعيم الثورة كانت تُعتبر تجاوزاً صارخاً يطعن بسيادة الحكومة الإيطالية وهذا ماكان واضحاً في الرد الإيطالي أثناء اللقاء الثاني حيث اشترطوا على المختار أن يضع رجاله تحت إمرة ضباط إيطاليين مع تقديم الحكومة لهم رواتب شهرية ومن ثم عرضو عليه بيتاً يقيم فيه و راتباً شهرياً مع احتفاظ الحكومة بحق معاقبة من اقترف أية جريمة قبل الاتفاق ، كل هذه الشروط .التي وضعوها كانت كافية ليعرف المختار بأن هدفهم كان المزيد من الوقت لا أكثر

أثناء كل ذلك تمكن غراتسياني من تزويد جيشه بالدبابات والمروحيات والكثير من المدرعات والمدافع ومن ثم توجه إلى الكفرة بحملة تركت في تاريخ الإنسانية بصمة عار لا تنسى إذ ترك خلفه المدينة على شكل ركام من البقايا و المئات من الجثث المترامية على أطرافه ، حيث أبدى سكان المدينة رغم قلة .أعدادهم وقلة عتادهم مقاومة شرسة ضد هذه الهجمات الهمجية من قبل الجيش الإيطالي

بعد احتلال مدينة الكفرة و أغلاق الحدود المصرية انقطعت إمدادات الأسلحة والمؤن عن الثوار مما جعلهم يعيشون محنة عسيرة ناهيك عن الآلاف الذين قد تم تهجيرهم إلى مخيمات كرهائن يعانون فيها الجوع والقهر اليومي ، كل ذلك لم يثبط عزيمة المختار حينما قدم إليه(الغرياني) أحد أصدقائه القدامى والذي .كان مقرباً من حكومة الاحتلال إذ طلب منه الاستسلام والقبول بشروط الإيطاليين ، لكن رد المختار كان قاطعاً وثايتاً رغم كل الظروف التي يعانيها شعبه

لم يوفر غراتسياني أي خدعة لكي يضيق الخناق على عمر المختار فقد استخدم حتى الغاز السام لكي يجبر الثوار على الصعود نحو المرتفعات وبذلك يستطيع كشف .أماكنهم التي يتحصنون بها لكنه تفاجئ مرة أخرى بحنكة هذا القائد الذي قلب موازين المعركة و انتصر رغم تفوق جيش غراتسياني من ناحية العتاد والعدد

لكن الأمور باتت تسير نحو الأسوأ خاصة حينما وافق موسوليني على بناء سور شائك يمتد من البحر المتوسط الى أواسط الصحراء وذلك لكي يحرموا الثوار من الإمدادات التي تأتيهم من مصر ، وبالفعل تمت محاصرة الثوار من جميع الجهات رغم مقاومتهم وأصرارهم في صد جميع الهجمات إذ كان يبلغ بهم الأمر إلى ربط أرجلهم كي لا يتراجعوا أثناء المواجهات ، كل هذه الضغوطات أدت بالنهاية إلى نجاح حكومة الاحتلال بالقبض على الزعيم عمر المختار الذي واصل نضاله حتى .آخر رمق فيه

سارع غراتسياني بترتيب لقاء معه لكي يقنعه بترتيب استسلام رجال المقاومة لكن عمر المختار رد عليه قائلاً:((نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت ، ولا تظن .((بأنها النهاية، سيكون عليكم محاربة الجيل القادم والأجيال التي تليه

في 16سبتمر عام 1931تم إعدام عمر المختار علناً و أمام الناس بعد محاكمة صورية وهو في 73 من عمره بعد أن قضى عشرين عاماً وهو يقاتل الجيش الإيطالي .ليكون بعدها منارة للثوار الذين أتوا بعده

لم يغفل الفلم في طرحه الجوانب الإنسانية في شخصيات عديدة من ضباط الجيش الأيطالي وهذا ما نلاحظه في المشهد الذي رفض فيه أحد الضباط تنفيذ أمر الإعدام وذلك بسبب وجود نساء بين الضحايا ، كذلك نرى الأمر ذاته لدى الجنرال ديوديتشي الذي كان متعاطفاً مع شخصية عمر المختار في العديد من المواقف .وهذا ما نراه حينما أمر الحراس بفك قيده لكي يتسنى له الصلاة

.((من الجدير بالإشارة أن من كتب سيناريو الفلم هو الكاتب ((هاري كريج)) أما من قام بتصويره فهو ((جاك هيلدريارد