مدونات-جرائد

حُكم عليها بالسجن لـ”ازدرائها الاسلام”… ناعوت دلالات مخيفة بعد ثورتين

فاطمة-ناعوت-3
بقلم نبض شرقي

 

تعتقد الكاتبة المصرية فاطمة الناعوت أنها لو أبدت ما تعتقده في مشهد ذبح المواشي صبيحة عيد الأضحى في مكان غير صفحتها في موقع “فايسبوك” لكان الأمر تبدّل ولم يصل إلى حدّ رفع محام تصفه بالباحث عن الشهرة، دعوى ضدها أمام القضاء المصري مستفيداً من استمرار مفاهيم قوانين الحسبة التي تتيح ملاحقة كل فكر جرى تفسيره أو تأويله على أنه مخالف للدين الاسلامي أو مزدرٍ له، وتالياً “مضر بالمجتمع والمصلحة العامة”.

وتستند هذه المفاهيم الى مبادىء الشريعة مصدراً رئيسياً للتشريعات في الدستور.

 

تجديد الخطاب؟

خاضت ناعوت تجربة الترشح عن مقعد نيابي في الانتخابات الأخيرة رافعة شعار “مقارعة تجار المال السياسي والدين” من دون ان توفق، وهي من المثقفين الذين أيّدوا بشدة الانتقال السياسي الذي أوصل المشير عبد الفتاح السيسي الى رئاسة الجمهورية. ولا يبدو ان مكان نشر البوست في “فايسبوك” هو الذي أتاح نقل القضية الى القضاء وصولاً الى صدور حكم بسجن الكاتبة ثلاث سنوات وتغريمها مالياً.

تكفي نظرة على أحكام حبس طالت في الأمس القريب الاعلامي اسلام البحيري والمنتجة الشابة رانيا السبكي وغيرهما بسبب تأويل ما قيل في برنامج تلفزيوني تارة أو اعتبار ألفاظ تضمنها مشهد تمثيلي خادشة للحياء تارة اخرى، ليُستنتج ان مفاهيم الحسبة “القضائية” التي طبقت على حال الكاتب نصر حامد ابو زيد صاحب “النقد الديني” والكاتبة نوال السعداوي بسبب آرائها لا تزال مستمرة في الجمهورية التي يسأل مراقبون فيها عن مآل معركة تجديد الخطاب الديني التي أعلنها السيسي.

من الذين طرحوا السؤال السالف بالحاح، الاعلامي ابرهيم عيسى الذي كان ضحية قضية “حسبة” حين ادعيَ عليه بتهمة انكار عذاب القبر في برنامجه التلفزيوني العام الفائت.

وفي تعليقه على الحكم الصادر في حق ناعوت، رأى عيسى “تناقضاً بين مقولة اصلاح الخطاب الديني واستمرار اتاحة القضاء رفع قضايا ازدراء اديان في عهد السيسي بوتيرة اكبر مما كان عليه الامر في عهد (الرئيس المخلوع) محمد مرسي”، متسائلاً “أين أصبحت أهداف ثورة 30 يونيو، ألم يكن ابرزها اسقاط حكم المرشد وليس شخصه فقط، كيف يمكن ان يتاح لأي شخص في الشارع رفع قضايا ضد الناس وتكفيرهم في توقيت تحتفي فيه القاهرة باحتضانها ابرز معارض الكتب في المنطقة…”.

 

صبيحة العيد

تعود قضية ناعوت الكاتبة الصحافية وصاحبة عدد من الكتب الشعرية، الى أواخر العام 2014 حين وصفت ما يجري صبيحة عيد الأضحى بالـ”مذبحة”، وكتبت في صفحتها الفايسبوكية: “بعد برهة تُساق ملايين الكائنات البرية لأهوال مذبحة يرتكبها الإنسان منذ عشرة قرون ونصف ويكررها وهو يبتسم، مذبحة سنوية تتكرر بسبب كابوس أحد الصالحين في شأن ولده الصالح، ورغم أن الكابوس قد مرّ بسلام على الرجل الصالح وولده، إلا أن كائنات لا حول لها ولا قوة تدفع كل عام أرواحها وتنحر أعناقها وتزهق دماؤها دون جريرة ولاذنب ثمنا لهذا الكابوس القدسي “.

 

وصدر الحكم يوم الثلاثاء عن محكمة جنح الخليفة، بمجمع محاكم زينهم، وقضت برئاسة المستشار محمد الملط بمعاقبة ناعوت بالسجن ثلاث سنوات وتغريمها عشرين ألف جنيه، لاتهامها بازدراء الدين الإسلامي. علماً ان القضية شهدت تنحي القاضي الأول بداعي الحرج فيما حكم القاضي الثاني في القضية خلال الجلسة الأولى التي تلت توليه القضية.

وأكدت ناعوت (1964) في حديث لـ”النهار” استئنافها الحكم، وعدم ندمها على ما كتبته “لأن المقصود منه مختلف عما فسره الجهلة، والخطأ الوحيد الذي ارتكبته ربما اني كتبت عبارات تحمل مجازاً أدبياً في فايسبوك، وهو المكان الذي يبدو ان كتابات مماثلة تفهم فيه على غير المقصود منها”.

واذ شددت على احترامها الاسلام، قالت ان “ما انتقدته هو طرق ذبح الأضاحي السائدة في مصر والتي لا تتصف بالرحمة بحيث ان دولة كاوستراليا باتت تحظر تصدير الحيوانات التي تذبح الى مصر، كما ان ثلاثة من علماء الازهر رفضوا علناً تكفيري”، متسائلة “أين الخطأ في انتقادي الذبح العلني والذي يغرق الشوارع بالدماء صبيحة العيد وتعذيب الحيوان قبل ذبحه…”.

في تحقيق نشرته صحيفة الأهرام، يقول محمود كبيش عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة سابقاً ان “قانون الحسبة ألغيَ منذ سنوات، ولكن ثمة اصطلاحاً على ان القضايا التى يقيمها اي شخص حسبةً لله وليس لتحقيق مصلحة أو لدرء خطر خاص به، وانما يقيمها لمصلحة أو لمنع ضرر قد يقع على المجتمع تسمّى قضايا الحسبة…”، مضيفاً ان “النص الذى يجعل مبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وبالتالي فأي عمل أدبي او فني يخالف مبادئ الشريعة الاسلامية يمكن أن ترفع ضده دعوى قضائية والمحكمة هي التى ستحكم…”.

لا تحمل ناعوت على القضاء المصري ككل “أحترم القضاء ولا أحمّل وزر ما ارتكبه قاضٍ للمؤسسة التي يحترمها الشعب المصري”، راصدة “دلالات مخيفة للحكم بعد ثورتين، فالثورة التي لا تؤدي الى حكم مدني ليست بثورة، علماً ان هناك من يستند الى أحكام مماثلة للتشكيك في ثورة يونيو ومقاصدها”.

على رغم بيانات التضامن التي يبديها كتاب ومثقفون مع ضحايا قضايا الحسبة، الا ان الأغلبية ترى تقصيراً في الوحدة وصب الجهود لاقفال الثغرات القانونية التي تتيح رفع قضايا مماثلة بشكل عشوائي. وتتوجه ناعوت برسالة الى المثقفين قائلة ” أيها المستنيرون، لأننا أخفقنا أن نكوّن جبهة صلبة واحدة في وجه الظلام، انتظروا أدواركم، فمهووسو الشهرة يستمدون قوتهم من شتاتكم”.

ولا يبدو ان جهود المثقفين مهما تكثفت ستتمكن من انتزاع دعم علني ورسمي من جامع الأزهر لاقفال الثغرات القانونية تماماً، والتي تتيح لأي محام ملاحقة الآراء التي تحتمل التأويل ووضعها في الخانة المزدرية الأديان، لا يبدو الأمر متاحاً اليوم ويبقى التعويل على اجتهادات القضاة الممكنة الى حين إجراء تعديل تشريعي بيِّن يجب ان يحظى بموافقة الأزهر في المعادلة الراهنة.

جريدة النهار اللبنانية