كلمة رئيس التحرير

في عين العاصفة ؟!

1 (2)

 

منذ الليلة ما قبل الأخيرة لعام 2015 أدرك أهل القامشلي أن مدينتهم باتت في عين العاصفة مع تناثر الاشلاء في ليل اصبح طويلاً بلا طويلاً جداً ،ومع تكرار التفجيرات والهجمات في كافة انحاء المدينة لتضرب مكوناتها دون أن ينجو أحد من نار الحقد ،بات علينا أن نؤكد أننا لا نستثني أحداً من دماء هذه المدينة المَنسية منذ عقود والتي استطاعت أن تحمي نفسها وتحمي أبناءها وتحتضن ضيوفها السوريين من باقي المدن المنكوبة ،وبذلت الكثير من الجهد لتكون حضناً آمناً لِمن احتمى بطيبة أهلها من سعير النار التي تلتهم الأرض السورية .

لكنها مدينة موجوعة ومتألمة لانها فقدت في سبيل ذلك الكثير من أبناءها الفاعلين والمؤثرين الذين امتطوا صهوة الرحيل والهجرة بعد أن ضاقت بهم سبل العيش ،وأصبحوا تحت مرمى النار والتخوين والتكفير والإقصاء ،أما مَن بقي في المدينة فمنهم مَن دافع عن لقمة عيشهِ بشرف ونبل ودفع الثمن غالياً ،ومنهم مَن تاجرَ وأثرى على حساب أهل مدينته وباع المدينة وأهلها بثمن بخس .

لذا فمَن يقول عن الشارع بالقامشلي أنه هادىء،فهو واهم،ويدفن رأسه بالرمل،لإن الأحتقان في القامشلي بلغ ذروته ومظاهر الاستفزاز والابتزاز باتت علنية وبلا أدنى خجل .

ووسط مثل هذا الاحتقان ،والفعل والفعل المضاد،تنبتُ الشروخ وتتعمق مع الزمن،ويصبح جدار المحبة والالفة هشاً،ويسهل اختراقه وتدميره،وبالتالي نشر النار والبارود والاشلاء والموت زائراً مخيفاً على صباحات القامشلي .

هذه ليست نظرة تشاؤمية،ولا غاضبة،ولا انفعالية بل هي وقفة مع الذات بعد أن تأكد أهل القامشلي إثر التفجير الأخير أنهم يقفون في العراء لوحدهم ليصارعوا ” خيارات شمشون ” التي على ما يبدو ستصبح بصمة الأيام القادمة بعد أن أيقن الجميع أن هذه المدينة كانت ” أرملة المدن ” السورية ،ولن يملوا ليتركوها وحيدة كما وجدت على كتف نهرها اليتيم الجاف .

لكن دعوني أغرف من الرومانسية والشغف القليل لأقول في وجه كل من يصطاد في الماء العَكر ليفّرق بين أبناء المدينة  :

‏دعوني اتخيل و انا مغمض العينين ….

القامشلي هذه الليلة بالذات ….

الكهرباء مقطوعة …. اصوات المولدات تزعق …. ستائر البيوت مسدلة …. شباب يحملون اسلحة ينتظرون عدو ضبابي …. شارع القوتلي بلا وقع اقدام …. دوار السبع بحرات ينتظر سيارات تعبر و صخب اغنية يتململ من نوافذها …. المساجد و الكنائس هادئة و كانها في صلاة مشتركة ليمد السلام اجنحته و يضم أهلها الصابرين ….. الكورنيش و الوسطى و الغربية و قدور بك و الهلالية و البشيرية و طي … تقترب و تدنو و تفتح اذرعها لتصبح حارة واحدة تلملم خوف الناس بحنان و محبة ….

غداً صباحاً ستستعيد القامشلي أنفاسها من جديد و سينتظر الناس من يفسر لهم ما يحدث و سينتظرون عودة الغائبين من شتاتهم و تيههم …

على غير العادة …

لست قلقاً ….

القامشلي لن تموت …

|ملكون ملكون |