أفكار متقاطعة

واسيني الاعرج يكتب عن :انتصار الضغينة والجهل: «داعش» في دوامة فقه الموت الأمثل

5831_1
بقلم نبض شرقي

 

 

ظاهرة «داعش» شديدة الغرابة في ولادتها ونموها وانتشارها، وقريبا في أفولها، بعد ما أدت ما عليها من تدمير وتقتيل وتفكيك، وإدخال العالم العربي الهش بأنظمته الدكتاتورية التي تركت وراءها فراغا أو مافيات تتعايش بقوة مع التحولات الداخلية لهذا البلد العربي أو ذاك. فقد أوكلت لـ»داعش» مهمة إنجاز ما لم تستطع فعله، وتطوير كل سبل الإجهاز على بقايا الدولة مخافة أن تعود في أشكال ديمقراطية قابلة للتطوير. وعلى الرغم من التباكي الغربي الاستعماري، على الديمقراطية وحقوق الإنسان، فـ»داعش» المدربة غربيا وعربيا، هي السد المنيع لقيام أي شكل من أشكال الديمقراطية أو لعودة النظم العسكرية في أشكال وطنية أو شبيهة لذلك. العالم العربي اليوم هو ضحية لمناورات عسكرية تدريبية بالرصاص الحي، والبشر الحقيقيين، ستسمح بتحديد مسارات المستقبل العربي ومآلاته.

«داعش» لم تولد من الفراغ. فقد ولدت على أنقاض «القاعدة» التي انتهى دورها منذ رمي جثة مؤسسها بن لادن في أعماق البحار، في مشهدية سينمائية فيها الكثير من الغرابة، وكأن دوره انتهى وآن الأوان لوضعه في أعماق البحر حيث لا أرض تزار ولا ذاكرة، إذا صحت الروايات والتركيبات الأمريكية طبعا. وحلّ الصمت بعد ذلك مع أننا نعرف أن تنشيط فكرة العدو الإسلامي المدجج والبدائي والمتوحش، ضرورة إستراتيجية لأمريكا ومن يدور في فلكها، حفاظا على مصالح ضخمة ينبني عليها مستقبل الدول العظمى. فجأة كأن الرجل الذي حرك العالم وكان وراء أكبر جريمة في عصرنا: تدمير البرجين التوأمين ومركز التجارة الدولية، كأنه لم يوجد أبدا. وكأن زمنا انتهى، يتم الآن محوه نهائيا بحيث لا شيء يشوش إعلاميا على الحيوان الأسطوري الجديد: «داعش» الذي نشأ في بلاد ما بين النهرين الغنية بالنفط ولم ينشأ في الصومال أو في جزر القمر أو في أي بلد فقير.

«داعش» قام ويقوم بمهمة تنفيذ تفكيك اللحمة التي أنجزت قبل قرون، أو نمط الدولة اليعقوبية الذي نشأ في المئة سنة الأخيرة وتعويضها بنموذج الصوملة الذي على الرغم من مخاطره، يتيح استغلال خيرات البلاد العربية بأقل الأثمان وأبخسها. سنوات طويلة، بل قرون متتالية خفتت فيها نسبيا الصراعات الطائفية الكبرى المشكلة للإسلام، وبدأ نوع من التوحد يفرض نفسه من خلال الزيجات المشتركة، والإقامة في الأحياء نفسها وحلت الخيارات السياسية بدل الدينية، أصبح يعرف الإنسان لا بطائفته، ولكن بخياراته السياسية: شيوعي، بعثي، قومي، يميني، يساري وغيرها من التوصيفات. فجأة، أصبح الصراع بين سني وشيعي، إضافة إلى التشظيات الداخلية في الطائفة نفسها، بين داعشي متصلب، وديني متسامح، وبين بقايا الدولة والخلافة أي اللادولة.

وانتقل العداء، من العدو التقليدي الكيان الصهيوني الذي سرق أرضا وأباد شعبا رافضا كل الحلول، حتى تلك التي وافقت عليها اتفاقية أوسلو، إلى العداء ضد إيران، وكأن إيران نزلت فجأة من السماء، هذا لا ينفي حسابات إيران التاريخية وجهودها في التحول إلى ورقة أساسية، لا يمكن تخطيها، في كل الحلول المستقبلية، في ظل عالم عربي عاجز عن حماية نفسه من الاعتداءات ضد وحدته، والآن ضد وجوده ككيان، ولم يعد قادرا على توقيف حالة الانهيار والتفكك المنظمين. صحيح أن الزمن تغير، وعلى الآليات السياسية والثقافية العربية أن تتغير وتتطور أيضا، وإلا ستظل في دورة إعادة إنتاج التخلف والموت. لهذا فـ»داعش» الذي خلق نظاما إرهابيا غير مسبوق في شكله الخارجي على الأقل أما في جوهره، هو هو، وشيد منظومة من الأفكار بنى عليها فقه التقتيل والجريمة وتمثيلها بالوسائل الحديثة، ليست إلا صورة حية لإعادة إنتاج الموت. فقد أعطت لآلة الضغينة كل سبل النمو والاستمرار. استمرار هذا النمط، يحتاج إلى مال، غير المال التقليدي على أهميته، والمتأتي من بعض الدول العربية التي يهمّها هذا التفكيك وتنسى أنها هي أيضا مهددة، اليوم أو غدا، لأن عناصر التفكك هي عناصر عابرة، تمس العالم كله، والعالم العربي على وجه التحديد، أو المال المتأتي من تهريب المخدرات، كما في حالة «القاعدة» التي سبق أن حللت الاتجار فيها لضمان استمرارها التدفق المالي لشراء الأسلحة وتنشيط اللوبي الحربي في أمريكا وأوروبا. أصبح المال اليوم يأتي من التهريب النفطي الذي يحقق غايتين: أولا ضرب الأسواق العالمية والعربية تحديدا، المحتاجة للعملة في غياب صناعة حقيقية واقتصاد متوازن. ثانيا، تنشيط اللوبي النفطي الذي أصبح يأخذ النفط بأثمان بخسة للتخفيف من أزماته الاقتصادية، وتحتل ناقلاته النفطية البحار من دون أن تقلقها أية قوة، في وقت تعقدت فيه وضعية البلدان العربية التي زادت انهيارا في غياب العائدات أو شحها والتي كانت تستعمل لتنمية البلاد ودفع رواتب الموظفين الذين سيحرقون الأخضر واليابس في ظل جفاف الإمكانات، وقد بدأت علاماته الأولى في العراق وستليها دول عربية أخرى.

هناك مصدر مالي جديد يحقق مشروعا تدميريا للذاكرة وللتاريخ. ليس عبثا أن تتوجه داعش إلى تخريب الممتلكات الرمزية للشعوب العربية بالخصوص سوريا والعراق. ما دمر من قيم حضارية وتماثيل كبير. نحتاج إلى أن نكون أغبياء لنتصور «داعش» يفرط في مصدر مالي لا يعوض.

لقد ثبت بتحليل فعلي للصور المنتشرة، أن الكثير من التحطيم الذي لحق بالتماثيل في العراق وسوريا لم يكن صحيحا، وأن الكثير من القطع البابلية والهلنستية الشرقية والرومانية قد نهبت وبيعت في الأسواق الأوروبية الأنجلوسكسونية والإسرائيلية المختصة في تهريب الآثار. هذا يذكر بالفعل بالنازية التي نهبت الممتلكات، قبل أن يعود لاحقا، الكثير منها إلى البلدان الأصلية. في الحالة العراقية والسورية نحتاج إلى وجود دولة وطنية تطالب بها، في ظل خطط التفكيك وإشاعتها حتى أصبحت مسألة التقسيم قدرا يصعب تفاديه. مقتل الباحث العظيم وعالم الآثار خالد الأسعد، جاء ليفضح الآلة القاتلة التي لم ترحم حتى سنه ولا الجهد الذي قدمه لسوريا في المنتديات الدولية. أمر توقيف هذا التسيب وهذا الانتهاك لعرض وأرض البلاد العربية ككيان، لا يحتاج إلى عبقرية كبيرة، ويمكن وضع حد نهائي للتقتيل الداعشي بسهولة بتجفيف المنبعين الأساسيين لانتشاره واللذين يضمنان له الحياة: المنبع الإيديولوجي الذي ينتمي إلى عصر آخر الذي كان ضحيته الأولى ابن تيمية، الذي كان مقاوما للمد المغولي ولم يبرره إلى أن مات في سجونه، والمنبع المالي المعروفة مصادره. بقي أمام داعش، الذي سهل تفكيك الجيوش العربية في العراق وسوريا وليبيا، السير في طريق الاستيلاء على المزيد من المدن، وتسييرها بالموت المعلن والمغطى إعلاميا، في انتظار الاستيلاء على الدول، وخلق النموذج المراد له أن يكون، والذي ليس إلا الفوضى والموت لكل شيء فيه عنصر الحياة. من دون هذا التجفيف وإدراك مخاطره على الكل، سيظل «داعش» يلعب على التناقضات الطائفية والإثنية، ويستغلها إلى أقصى حد ممكن، إلا أن يصبح سرطانا يصعب الشفاء منه إلا بعد أن يهلك الجسد كله ويبيده، وتلك هي النهاية المفجعة عربيا، الأكثر احتمالا.

واسيني الاعرج