تاريخ

” دي كوبيرتان “…. حكاية كفاح اولمبي لا تنسى  

بيير دي كوبيرتان

 

**لايمكن ان نقرأ التاريخ الاولمبي دون ان نقف عند سطور من تاريخ حياة هذا الرجل الذي كافح و صبر و تحمل الكثير حتى عادت الحياة لمفاصل الالعاب الاولمبية بعد اندثارها .

البارون الفرنسي ” بيير دي كوبيرتان”  … رجل يستحق الاحترام  لدوره التاريخي في الحركة الاولمبية ، لذا لابد من تسليط الضوء على حياة هذا الرجل المكافح :

  المكافح

**عاش فترة طويلة في قصر ميرفيل الخاص بعائلته في نورماندي وسط مناخ ثقافي ففكر في خدمة بلاده كضابط و استعد لدخول مدرسة سان سير العسكريةثم عدل عن الفكرة و تفرغ لمهمة إصلاح طرق التربية في فرنسا و تأكد أن السياسة وحدها قادرة على منحه حرية التحرك و لكي يدخل البرلمان الفرنسي درس العلوم السياسية، و قد وضع مؤلفات كثير ضمنها آراءه و تحت تأثيره اعتمدت الكثير من المؤسسات التربوية تعليماته إلى أن اعتمد نظامه الإصلاحي الرياضي في المدارس عام 1880  وكانت فرنسا في ذلك الوقت قد  شهدت نهضة كبيرة لجهة إنشاء الأندية كنادي راسينغ كلوب و استاد فرانسيه و بعد عودته من الولايات المتحدة عام 1891 أعجب بالإندية التي بدأت تضاعف في فرنسا و أعجب بالشعار الذي اعتمده الأب ديدون لناديه المدرسي و هو “سيتيوس ، التيوس ، فورتيوس” أي الأسرع و الأعلى و الأقوى و قد أصبح هذا الشعار فيما بعد شعارا للألقاب الأولمبية الحديثة .

في الخامس و العشرين من نوفمبر عام 1892 وقف البارون “بيير دي كوبيرتان ” يتحدث عن التمارين الرياضية في العصور القديمة و المتوسطة و الحديثة خلال حلقة دراسية بجامعة السوربون و وجد أن هذا التجمع فرصة مناسبة ليطرح فكرته بإحياء الألعاب الأولمبية باعتبارها وسيلة للحب و السلام بين شعوب العالم  و ذلك بعد أن نجح في إقامة أول لقاء رياضي بين فرنسا و انكلترا عام 1891 مما ضاعف من حماسه و إصراره على تنفيذ أفكاره الطموحة .

و لكن لم يبد الحاضرين اهتماما بمحاضرته فلم يحبط لأن هذا كان مصير كل من حاول الدعوة لإحياء الألعاب الأولمبية قبله فقد نظم “روبرت دوفير”دورة ألعاب كوستولد الأولمبية في انكلترا عام 1636  و استمرت لأكثر من 200 سنة ثم توقفت ثم كان دور الدكتور بيني بروك عام 1850  فنظم دورة وينلوك للمجتمع الأولمبي دون جدوى و دون استمرارية .

البارون “دي كوبيرتان ” التقى  الدكتور  “بروك” عندما أوفدته الحكومة الفرنسية لانكلترا لدراسة التربية البدنية حيث أدرك أهمية و قيمة نظام المدارس العامة الانكليزية و المجتمعات الأولمبية فكانت البذرة الأولى لفكرة إعادة إحياء الألعاب الأولمبية التي سيطرت عليه فطرحها على عالم الآثار الألماني “ارنست كوربنوس” الذي سبق له العمل بجدية في عمليات التنقيب في أوليمبيا و كان قد اقترح عام 1852 في محاضرة له بضرورة إحياء الألعاب الأولمبية .

بعد سنتين من خيبة الأمل في السوربون عاد “دي كوبيرتان ” لطرح فكرته من جديد في مؤتمر باريس الدولي لدراسة مبادئ الهواية من 16 حتى 23يونيو عام 1894 و نالت فكرته هذه المرة موافقة الحاضرين بالإجماع حيث حضر المؤتمر 49 اتحادا رياضيا و 79 مندوبا من 12 دولة فتنفس “دي كوبرتيان” الصعداء و شعر بالراحة و الاطمئنان و بدأت رحلة الجد و العمل الصعب لتأسيس اللجنة الأولمبية و وضع الأهداف و المبادئ الأولمبية و وضع القوانين فاختار أول تشكيل للجنة الأولمبية الدولية من 12 دولة و تالفت من : “ارنست كالوت “فرنسا” و ديمتريوس فيكلاس “اليونان” و فيكتور بلاك “السويد” و ويليام سالواني “الولايات المتحدة” و غوت جاركوبيكي “التشيك” و فرينز كيمان “هنغاريا” و اللورد امبينل وتشارلز هيربرت “بريطانيا” و جوسي بنيامين زيبا “الأرجنتين” و ليوناردو كوف “نيوزيلندا” و الكونت لو ستي بالي “إيطاليا” بالإضافة إلى البارون “بيير دي كوبيرتان “فرنسا” و ثلاثة أعضاء آخرين منهم بوتويسكي “روسيا” و دكتور جيبهاردت “ألمانيا”

و تم الاتفاق على تحديد أهداف اللجنة الأولمبية الدولية في 4 نقاط هي :

1-تحضير و تطوير الإمكانيات البدنية و الأخلاقية باعتبارها أساس الرياضة

2-تعليم الشباب و الصغار من خلال الرياضة أن هذه الروح الجيدة تساعد على بناء عالم أفضل يسوده السلام و الأمن .

3-نشر المثالية الأولمبية في جميع أنحاء العالم من خلال السلام الدولي

4-الجمع بين الرياضيين من جميع أنحاء العالم في احتفال رياضي كبير يقام كل 4 سنوات .

و لعل ترؤس اليوناني “ديمتريوس فيكلاس” للجنة الأولمبية الدولية أمرا يدعو للاستغراب في ظل وجود “دي كوبيرتان ” الذي كان الأحق برئاستها و لكن اللوائح التي وضعت كانت تقضي بأن يكون الرئيس من الدولة المنظمة للألعاب المقبلة فوقع الاختيار على الدكتور فيكلاس الذي لم يكن له أي نشاط رياضي بارز لكنه كان معروفا كمؤلف و أديب و قد حضر إلى باريس ليطلب من المؤتمر إقامة أول ألعاب أولمبية في أثينا و بعد الموافقة تم اختياره ليكون رئيسا و عندما تولى البارون “دي كوبيرتان ” رئاسة اللجنة الأولمبية عام 1896 حيث كانت باريس تستعد لإستضافة أولمبياد عام 1900 تم تغيير اللوائح بحيث لم يعد ضروريا أن يكون الرئيس من البلد المنظم .

و جاء أولمبياد باريس 1900 سيئا و فاشلا من الناحية التنظيمية مما زرع اليأس و الإحباط لدى “دي كوبيرتان ” فعبر عن ذلك بقوله   🙁  لقد كانت هناك الكثير من النوايا الحسنة من أجل هذه الألعاب و لكن نتائج الاهتمام ليس لها علاقة بالأولمبياد ….. لقد دمرنا عملنا) .

و في 21/مايو/1901 عقد الاجتماع الرابع للجنة الأولمبية الدولية في باريس لدراسة ترشيح مدينتي  شيكاغو و سانت لويس لاستضافة الأولمبياد الثالث عام 1904 و لكن قبل عملية الاختيار في هذه الجلسة استطاع “ويليام سلواني” العضو الأمريكي في اللجنة الأولمبية أن يحصل على موافقة “دي كوبيرتان ” لكي يستمر في منصبه رئيسا للجنة الأولمبية الدولية لمدة 10 سنوات قادمة لضمان استمرار الحركة الأولمبية

و رغم أحزان “دي كوبيرتان ” بفشل أولمبياد باريس 1900 و سانت لويس 1904 و تعثر أولمبياد  لندن 1908 و توقف الدورات الأولمبية بسبب الحرب العالمية الأولى جاء نجاح أولمبياد انثويرب 1920 ليضمد جراحه و يتوج مشواره الطويل و رحلة كفاحه لذلك لم يفكر سوى في مدينة واحدةهي باريس لاستضافة الدورة الثامنة عام 1924 لتكون آخر دورة أولمبية تقام تحت رئاسته للجنة الأولمبية الدولية حيث قرر التقاعد بعدها لكن المشكلة التي واجهته أن باريس لم تكن المرشحة لاستضافة الدورة الثامنة لأن الاختيار قد وقع على مدينة أمستردام الهولندية فتقدم بطلب يعلن فيه عن رغبته في أن تستضيف بلاده آخر دورة له قبل أن يترك موقعه و وجد طلبه ترحيبا من الهولنديين و تنازلت أمستردام احتراما و تقديرا لرغبة الرجل الذي بذل الكثير من أجل الحركة الأولمبية .

ثم غاب “دي كوبيرتان ” عن حضور أولمبياد أمستردام 1928 بسبب المرض الذي تعرض له و اكتفى بتوجيه رسالة وداعية  لكل المشاركين في الدورة   كما لم يتمكن من حضور أولمبياد لوس أنجلوس 1932 لنفس السبب ليكتب في رسالته قائلا 🙁 يجب أن أكون عاقلا لكي أنتهز هذه الفرصة  الحالية و أقول لكم جميعا وداعا إن أعظم نقطة يجب على كل شخص من كل مكان ابتداء من مرحلة الطفولة حتى المراهقة و النضج أن يعمل جاهدا على نشر الروح الرياضية بكل إخلاص و حب)  .

و أنهى رسالته بقوله 🙁 مرة أخرى أتوسل إليكم أن ترسلوا لكل الذين ساروا ورائي و ساعدوني لكي أقاتل على مدى 40 عاما أجمل بطاقات الشكر لأن المعركة لم تكن سهلة و أيضا لم تكن دائما نظيفة ).

و في 2/سبتمبر/1937 توفي “دي كوبيرتان” بشكل مفاجئ إثر أزمة قلبية في  جنيف .

خصوصيات

*بعد وفاته قررت مدينة لوزان السويسرية منحه جائزة شرفية كمواطن فيها و انسجاما مع آخر أمنياته قبل وفاته دفن في “لوزان”

*والده كان فنانا و والدته موسيقية

*مارس رياضات الملاكمة و المبارزة و الفروسية و الرماية و التجذيف

*بعد تقاعده من العمل في اللجنة الأولمبية الدولية عام 1925 كرس وقته للعمل التعليمي و التربوي

*من  أقواله :

“لقد كشفت ألمانيا عن بقايا أولمبيا فلماذا لا تعيد فرنسا أمجاد أولمبيا القديمة ”

“العصور و الأعوام تمضي …. و إرادة البشر تخط عليها ببصماتها لتصنع أحداثا … و تقيم تراثا فوق وجه الإنسانية الحضاري فلنتأملها … و لننقب عنها في ذاكرة التاريخ ”

*ظل يمارس رياضة التجذيف حتى بلوغه سن الثانية و السبعين

*بين عامي 1914 و 1918 تسلم البارون السويسري “فودتروي دبلوتيه” رئاسة اللجنة الأولمبية الدولية بصفة مؤقتة بدلا من “دي كوبيرتان” لانشغاله بالحرب مع الجيش الفرنسي .

ملكون ملكون