مهاجرون

رند شمعة ترصد خيبات التعليم في الشتات

14550949_1198382760204857_281162115_o
بقلم نبض شرقي

كنتُ قد تحدّثت عن تجربتي في إجراء مقابلات مدنية مع أمهات و قاصرات سوريات في لبنان، وعرضت بعض القصص المهمّة على الصعيد الاجتماعي، ولكن بالنظر إلى الوضع التعليمي نجد أنّ مشاكل وصعوبات ومخاوف وخيبات التعليم تسود على أغلب تلك المقابلات. هذا المقال سيعرض لكم بعض الحالات التي تُمثّل بعض الأفراد من المجتمع السوري في لبنان.
“ضيّعت سنة من تعبي عالفاضي ودرست، وآخر شي ما اعترفوا بدراستي ولا عطوني الشهادة” هكذا تختصر وفاء (17 سنة) تجربة “التاسع” في إحدى المدارس اللبنانية، بالإضافة إلى خيبتها بالتأخير لنَيل الشهادة المتوسطة لقولها: “بنت بعمري لازم تكون حادي عشر”وفي الحقيقة، الحرب في سوريا كانت سبب لهذا التأخير العلمي عند أغلب الفتيات والفتيان. تَصِف باستياء الفترة الأولى لها ولعائلتها في لبنان حيث سكنت في مرآب للسيارات، إلى حين استقرار وضعهم المادي واستئجارهم شقة صغيرة في فندق شقق خاص للسوريين. بعد خيبتها الثانية لعدم اعتراف الجهات اللبنانية المعنية بدراستها الجديّة، استسلمت ولازمت المنزل لسنة إضافية، إلّا أنّ إصرار والدتها، حثّها على المحاولة مرة أخرى، ولحسن حظّها تقدّمت للامتحانات وحصلت على شهادة “التاسع” بعد سماح الجهات المسؤولة إعطائها إياها. والآن فهي مستمرة بإكمال دراستها لصف “العاشر” في إحدى المدارس اللبنانية.
بالانتقال إلى قصة أم سوريّة لأربعة أطفال، تصِف نفسية ابنها وابنتها في المدارس اللبنانية: “ولادي كل يوم يرجعو عم يبكو” حيث أشارت إلى قلّة اهتمام الأساتذة والمعلّمات لأبنائها في المدرسة خلال الدوام المسائي، وسوء معاملة الأطفال اللبنانيين لهم، والتمييّز بينهم. استوقفني في نهاية اللقاء بكاء الأم وقولها: “مابدي شي، بدي بس علّم ولادي متل باقي الولاد”.
أمّا المشكلة التي كانت منتشرة بشكل أكبر، ليست محاولة تأقلم القاصرات مع المدارس اللبنانية، إنما هي عدم قدرة رانيا (13 سنة) ، دخول المدرسة لأسباب ماديّة، بالرغم من أحلامها الأدبية الكبيرة التي حدّثتني عنها، وهي أن تكتب قصة أطفال أجمل من واقعهم الآن، ولكن ظروفها الخاصة التي تعرضت لها في لبنان، حيث فقدت قدرتها على فرد أصابعها بشكل كامل نتيجة حادث أليم، أدى إلى حرق جلد أصابع يدها، بالإضافة إلى اختطاف والدها من سنتين. جعلوا منها فتاة بائسة تكره حياتها “أنا كتير زعلانة، انا مالي مبسوطة أبداً”.
و إذا انتقلنا إلى ناحية عمل الفتيات في لبنان، تسرد لي يسرى (18 سنة) قصتها التي تُمثل ضياع الشباب بين المنزل والمشفى وقد فاجئتني بوضع الكمامة خلال اللقاء لسبب صحي. كان عمل يسرى في مطعم لأكثر من 10 ساعات يومياً بمَعاش شهري أقل من الحد الأدنى للرواتب، وبمعاملة سيئة بالنسبة لفتاة من عمرها، حيث كان يمنعها ربّ العمل من الراحة خلال الدوام. عادت بيوم من الأيام إلى منزلها وقد أنهكها التعب، حاولت مساعدة والدتها في أشغال المنزل، فوَقَعت على ظهرها نتيجة حركة غير مناسبة تسبّبت بإيذاء النخاع الشوكي، والآن فمعظم أوقاتها تمضيها إمّا في البيت أو في المشفى.
واقع أليم مرير…يسحق الإنسان والإنسانية، لجوء وتدهور ويأس، كأن كتابة الواقع أصبح سباق بين الحبر والدمّ في سوريا، يسيل الحبر محاولاً وقف سيلان الدم، يكاد ينحصر موضوع الكتابة في تلك المأساة التي يعيشها السوريون اليوم، وكل يوم.

ملحوظة: هذا المقال يعرض لكم بعض الحالات التي تُمثّل واقع بعض السوريين في لبنان بأسماء مستعارة.

// رند شمعة //