فضاءات ثقافية

أنه ينتظر ولا مٌحال له؟

عبد الرحمن شرف

 

أنه ينتظر أمورٍ كثيرة مهمة بالنسبة له لتتحقق في حياته. كان يتوقعها ويخطط لها وهذا الانتظار يشغله معظم الوقت. فلا بد من الانتظار لحدوث الأشياء. معظمنا محكومين بهذا كما انه انتظار لأجل أملٍ جديد. وخطوة جديدة تنقلنا من مكان الى اخر. ما الذي يراودنا خلال هذا الانتظار أمور كثيرة. تبعث بنا مختلف المشاعر والدوافع.

كان يحاول بكل قدراته أن يقول لي شيء بعد مدة لقاء استمرت أكثر من نصف ساعة وانا أحاول بهذا الاصغاء له والتفكر بحديثه لفهمه ومساعدته ولو بلساني ببعض الكلمات. فالكلمة احياننا تكون سيف ذو حدين. للذي يريد الأصغاء والتعلم. ولو لم نستطع فهم وتحمل بعضنا بالشكل الكافي الوافي.

كان يعيد الأشياء ذاتها ويحركه في حديثه تشويش وايمان وعنف وصلابة وهو يروي لي ما جرى له وكيف جرت الأمور وتبدلت الظروف وبدأت المشاكل بالظهور والتراكم دون إيجاد الحلول المناسبة لها

خلال حديثه وصل الى نقطة مهمة في عرض هذه الاحداث

شعرت بالسخرية والنفاق المتسلط علينا ودمر كل شيء كان يتحدث عنه هو بنفسه بطريقته وفهمه وزاد مشكلته تعقيداً وانتظاره وعمله ذهب هباءً منثوراً.

وزاد شعوري أنه لم يعد بوسعي الاصغاء إليه هكذا لمعت وراودتني هذه الفكرة برأسي كدت ان اتخذ قرار بأن اترك المكان واقوله له انت تحتاج لتبقى مع نفسك قليلاً وتعيد التفكر بالأمور.

لم افعل هذا رغم قوة هذه الفكرة التي اختلجت بها مشاعري ورغم هذه الأفكار التي احياننا تكون رذيلة فلم افعل هذا فلدي القدرة لجمح هكذا أفكار وهو لا يستحق مني هذا التصرف وليس هذا جيد أيضا بحق نفسي امامه وامام مسامع الجالسين حولنا.

فلم اعمل شيء سوى انني طرحت عليه سؤال ما الذي تعنيه بهذا؟

لم أكن يوماً سعيداً وحتى وانا احدثك عن هذا والكثير من هذه الذكريات التي اتذكرها امامك بصوت عالي تؤلمني وأريد ان احمل كل العالم هذا الذنب وانت واحد منهم. استمر في الاصغاء اليه وهو يتكلم

اريد ان اشعر بالحياة فقد أصبحت سجن اجباري لدي تحطمني كل يوم فقدت اللذة والاطمئنان اريد ان استمر اراقب كل شيء دون الم وانتظار دون خسارات تحطمني وتكسرني وتعيد بي الى الوراء. فقدت الثقة بكل القاطنين بهذا العالم.

لم يتبدل شعوري بالنفاق والسخرية المتسلط علينا وبكلامه يدمر امل الحياة بداخلي الذي يدفعني للاستمرار.

وهو مازال يتابع حديثه وتحميلي المسؤولية مع هذا العالم لأجل مشاكله التي حلت به وارهصت نفسه

ما كان لي خيار إلا أن أطرح عليه سؤال اخر.

ما الذي تنتظره من الحياة؟

قال لا شيء وصرخ بصوت عالي واثار الضجة ولفت انتباه الجالسين بالقرب منَّا وكان من بين الجالسين رجل وامرأة كبيرين في السن يبدو على وجوههم والوان ملابسهم الفرح والأمل. وفي الجانب الأخر امرأة تجلس لوحدها متأملة به منذ لقائنا انا وهو يبدو على ملامحها التفائل والارق والجمال كان الجمال يتكلم من عينيها.

فما كان لي إلا أن استمر بعد هذا بتفكيري وأحدث نفسي وأقول ليس لنا إلا أن نتحمل عبئ بعضنا على بعض في هذه الحياة التي منحتنا من ذاتها وكم نستطيع نحن منحها ذواتنا

ونردد على مسامعها الفشل وعدم الوصول والسعادة وتحقيق المستقبل وما نرجوه من امال

فالأمر سيكون صعب ان لم تتدفق الحياة من داخلنا وتكبر بداخلنا ونرى الجمال بأنفسنا لنستطيع رؤية به الأخرين وفي الأخرين. فليس له الا الانتظار لا محال له الا لهذا . ولعل حديثي معه قد يساعده على هذا الشأن بعد تركه لي ومغادرة المكان. فقد عملت ما أستطيع به.

وما للحظة الا ان شاهدت تلك المرأة التي يتكلم الجمال من عينها ان نهضت من مكانها واقترب بخطواتها وانا اُدقق في النظر بعينيها.

فاقتربت من جانبي وقالت لي. بصوت رفيع ورقيق وكأنها كانت تعرف ما الذي كنت أفكر به بعد ان سمعت جزء يسير من حديثنا.

ليس حديثك الذي يساعده على الانتظار ولو ترك المكان وذهب بل الألم هذا هو الذي سيقويه ويساعده أينما ذهب ورحل فب الألم تنولد النفوس وتنبعث الحياة فقد ذكرني بروايته وحديثه بنفسي وحالي منذ عدة أعوام وكم تمنيت لو بقي هٌنا قليلاً ليس لأكلمه بل لاستمع لألمه وتدهوره أكثر.

فانا من العارفين الجيدين الى أين تؤدي بنا هذه الطرق وهذه الالام. دعه يذهب الى حيث يشاء

وتابعت خطواتها دون ان تجلس بجانبي وتودعني بل ذهبت وجلست الى جانب الشيخين الكبيرين في السن.  فاستمرت تحدثهما عن الألم والسعادة والحرية والحياة والايمان.

عبد الرحمن شرف