فضاءات ثقافية

جان ألكسان – أجراس الموكب الفضّي

DSC_7579 copy
بقلم نبض شرقي

 

تسحبه أقداره من مدارات حبها.. ترميه شلواً على هامش الدفاتر العتيقة.. ويتبدد ندى الذكريات وهي تتخذ وضع (الخانم) في مخدع التقاليد الزوجية.. ويتطامن صدرها العارم متناسياً لهفة الشوق والانتظار.

الآن.. يفتقد عينيها اللتين كانت رفيقاتها تقول عنهما أنهما (تحكيان سيرة).

كانتا تحكيان سيرة الوجد، أو هكذا خيل إليه، وهو يشعر –أو يتخيل- أنهما تفيضان عليه دفء الود وحنان التناغم.

الآن، يفتقد وعودها التي كانت تبشّر بمطر ربيعي لا ينتهي تهطاله على مدى العمر.

الآن، يدرك ما هي خيبة العمر، منذ أن مرّ موكبها الفضيّ الذي زفّها إلى فرحة العمر وخلّفه وحيداً على رصيف الانكسار.

كان على سفح الخريف عندما التقاها صبيّة، ناهداً، تعطّر الجواء حولها وهي تدق الأرض بكعب حذائها- عرف فيما بعد أنه إيطالي الصنع. وتدخل مكتبه لترمي بين يديه حزمة من الأوراق الزرق الأنيقة.

-هي مجرد خواطر… أقرأها.. أرجوك.. أريد رعايتك.. أريد إجابة صادقة منك وأنت المسؤول الثقافي في الصحيفة والشاعر الذي تنام دواوينه على وسادتي.. هل أنا موهوبة؟ هل أصلح لأن أكون مشروع كاتبة؟ هل…

وينداح في داخله مونولوج التداعيات:

-من أين أتيت أيتها الغزالة! دعي عمك (الختيار) لا يقولها عادة أمام أحد- مستريحاً في آخر عربات القطار، قطار العمر الذي يقترب من محطته الأخيرة.. لا تصدقي ما يكتب في دواوينه من قصائد العشق الشفيف.. هي مجرد صنعة، أما الهوى الحارق الذي كان يتشظى لديه أبياتاً وكلمات، فقد خمدت جذوته منذ سنين، مع أول طعنة وجهتها إليه كاعب مثلك، استجدت قصيدة يكتبها في جمال عينيها، ثم هجرته وهو يستجديها نظرة حنان من تينك العينين..

لماذا جئتِ يا صاحبة الأوراق الزرق.. دعي أوراقك مدسوسة في كتبك الجامعية التي تحملينها.. احرقيها في تنور جارتك إن كنت من بناتنا الريفيات أو في (شيمينيه) فيلا والدك إن كنت من الذين في خانة الأثرياء.

-إذا لم تعجبك خواطري ارمها في سلة المهملات.. احرقها.. لكن أرجو أن تقرأها.. لا تقسُ عليها كثيراً، فهي طرية العود مثل صاحبتها..

قالت هذا وتأوّد عودها أمامه بغنج ودلال..

-هل ستقرؤها؟

-أجل..

-إذن.. سأعود بعد يومين.

ولّوحت بيديها وهي تخرج هاتفة: (جاو)..

يومان؟

بل هما شهران.. عامان.. قرنان.. دهر كامل من الأزل إلى الأبد.. هل يطول الزمن هكذا؟ هل ستخرجه دقات كعب حذائها على أرض المكتب من الركن الذي انطوى فيه على نفسه كهلاً مهزوماً منذ سنين؟ منذ أيام صاحبة العينين الجميلتين اللتين نظم فيهما قصيدة كان يستعيدها منه المستمعون كلما ضمته وأصدقاءه، شلة المساء، جلسة أنس؟

لم يقرأ الوريقات الزرق..

ومن هنا كانت المفاجأة عندما عادت بعد يومين.

ـ ها… هل قرأت خواطري؟هل أعجبتك؟

تلعثم.. بماذا يجيب؟

ـ لابدَّ أنها لم تعجبك… رجوتك ألا تقسو عليها، فما تزال صاحبتها ناشئة… وبحاجة لرعاية.. ليد حانية تحدب عليها.. تشجعها.. تطلقها إلى عالم الأديبات الطموحات.. ها.. لم تقل لي رأيك..

ـ في الواقع.. إنها بداية مشجعة…. فقط.. أنت بحاجة إلى بعض الملاحظات، وكتاباتك بحاجة إلى بعض الرتوش:

توقفت عند كلمة (رتوش)…

ـ أنت تكتب زاويتك في صفحة الثقافة بلغة فصيحة عالية المستوى، أليس هناك كلمة في العربية مرادفة لكلمة رتوش؟

ـ ها؟ .. طبعاً هناك.. أكثر من كلمة… لغتنا العربية غنية يا آنسة..

ـ هالة…

تذكر أنها لم تعرفه على اسمها في الزيارة الأولى، ولم تكتبه على الأوراق الزرق..

ـ هالة… اسم جميل..

ـ أطلق عليّ أهلي اسم (اعتدال)، ولكني عندما كبرت اخترت اسم ـ هالة… فـ (اعتدال) اسم شعبي..

ـ هالة… اسم جميل..

ـ .واسمك فيه موسيقى.. بدر الدين الديراني.

ـ . لا أحب الأسماء المركبة..

ـ سأناديك باسمك المختصر: بدر.. عفواً.. الأستاذ بدر.. متى ستقوم بإجراء الرتوش على خواطري؟

ـ . في أقرب وقت..

ـ. وهل ستنشرها في الصفحة الثقافية بعد الرتوش؟..

ـ طبعاً.. طبعاً..

ـ .لي عندك رجاء أخير.. أريد أن أكون إلى جانبك وأنت تجري عليها الرتوش.. أريد أن أتعلم.. أرجوك..

وعاد المونولوج ينغل في صدره:

“تقولين أرجوك أيتها الحورية؟… مثلك يلقي الأوامر.. كما الملكات.. كما الأميرات.. وما علينا نحن الرعية المساكين إلا أن ننفذ الأوامر”.

ـ لم تجبني.. هل توافق على إجراء الرتوش أمامي؟

ـ طبعاً.. طبعاً.. لتستفيدي من الملاحظات وتتعلمي.. أنت لديك بذور أدبية واعدة.. سيكون لك شأن في المستقبل… سنعلن عن ميلاد أديبة جديدة موهوبة في صفحتنا الثقافية.. وحتماً، سيكون هناك من يحاول أن يطلق دسيسة.. سيقول أننا شجعناك لأنك شابة جميلة.. ولكننا سنتجاوز هذه الأمور الهامشية… متى تريدين أن نجتمع لإجراء الرتوش؟

ـ . أنت مدعو إلى فنجان قهوة.. أعرف مقصفاً رومانسياً منزوياً، يؤمه العشاق عادة، ولكننا سنكسر التقاليد هذه المرة.. وسنفاجئه بصفتنا المختلفة.. بماذا سنفاجئه؟ بأية صفة؟ هل نقول له: استقبلنا أيها المقصف نحن الأستاذ وتلميذته؟

ـ لن نختلف على الصفة..

ـ لنقل أننا سنذهب إليه كصديقين.. موافق؟

…………….

في اليوم التالي.. وفي المكان المحدد، فاجأها بأنه أخرج من المغلف الذي يحمله بعض الأوراق البيض..

ـ . أوراقك الزرق تحولت إلى أوراق بيض بعد إعادة الصياغة.. أجريت الرتوش، وسنراجع الخواطر معاً.

ـ هذا يعني أن خواطري لم تعجبك.

ـ على العكس… ولكنها التجربة الأولى بالنسبة لك.. وقد أردت أن أعيد صياغتها كنموذج تتعلمين منه، ويمكن نشره.. هذا في المرة الأولى فقط… في المرات القادمة أنت التي ستكتبين. بعد أن تتعلمي من تجربة إعادة الصياغة..

ـ لم أقتنع بكلامك.. ولكن، حتى لو رفضت نشر خواطري، فلن أنسحب.. أنا أقرؤك منذ أعوام، وأحفظ نصف ديوانك الأخير غيباً.. وهذه الأوراق كانت وسيلة لدخول عالمك الذي بهرني في الخيال.. أعرف أنني لست موهوبة.. ولكني بحاجة إليك… قد تستغرب صراحتي.. أنا بحاجة إلى رجل في مثل نضوجك، أسند رأسي إلى كتفه.. أفرش أمامه همومي، فيربّت كتفي بيده الحانية….

“السكين في الخاصرة، وليس هناك أي أمل في الهروب من هذا القدر الجميل.. إذن… محاولة أخيرة لدفع المقدور”…

ـ يا هالة.. يا صديقتي العزيزة لم يعد اليوم لدى الكهول والشيوخ حِكَمٌ يضعونها أمام جيلكم، فلا تغرنك صفة النضوج… ليس واحدنا سوى مراهق مزمن في إهاب عاشق مخدوع أتعبته الدنيا وهدته السنون.

“يبدو أن محاولة الهروب غير مجدية”…

ـ لن أقبل أعذارك.. ولن أنسحب..

ـ. هي ليست أعذاراً.. هي نبوءة مرصودة برسم المستقبل.. هل سمعت يوماً أن الخريف والربيع قد التقيا؟

ـ أنا أرفض طيش الشباب ونزواته.. هل تستغرب كلامي؟

صدقني أنه ليس وليد نزوة أو مصادفة أو سعياً إلى مغامرة.. هو تراكم معايشة مع أشعارك سنين طويلة حتى حدود المفاغمة.. أحفظ أبيات نصف ديوانك غيباً.. هل تحفظها أنت؟

ـ هي حالة آنيّة أيتها الصبية.. فمثل هذا الحوار الحميم لا يمتد إلا امداء المستقبل.. ومنذ أيام الكهوف كانت المرأة تنسى تاريخها بين ذراعين قويتين لرجل يشدها من شعرها إلى أحد تلك الكهوف يثير فيها رعشة الانتشاء ويزرع في رحمها بذرة الوليد المرتقب…

لا تبتئسي يا صديقتي لأنني أعلن هزيمتي.. فليس لدي سلاح ولا بيارق أرفعها احتفاء بقدومك..

قد أختزن من لقائنا هذا أبياتاً أخيرة لجنازة القلب، فأنا لست فارس اليوم.. أنا رجل الأيام الخوالي الذي مايزال ذبيح دقات حذاء مثل حذائك ـ هل قلت لي أنه إيطالي الصنع؟ ـ على أرض مكتبه القديم…

……..

يوم قرأ في صفحة الاجتماعيات بإحدى المجلات نبأ زفافها، وتأمل في الصورة المنشورة محيا الشاب الباسم الذي تتكئ برأسها على ذراعه سعيدة، أخرج من درج المكتب حزمة من الأوراق الزرق، وخيّل إليه أنه يرميها في تنور جارته.. في قريته التي لم يزرها منذ سنين…

جان ألكسان