Genocide 3 million

في الطريق إلى الحنين

23614_1164591295200_7742598_n

 

عندما كنا نهرع صغاراً نحو محطة القطار القديمة بحثاً عن فضاء مجهول لسبر أغواره واكتشافه بعيداً عن طينية بيوتنا، وحفر شوارع مدينتنا… كانت براءتنا تعلن تمردها على لحظات يومنا، فالسفر في القطار لحلب كان مطمحاً بل احتفالاً عائلياً بكل المقاييس، والعربة التي سنركبها لا تحمل مواصفات القطار الطويل بعرباته المتعددة بل عربة واحدة طويلة حمراء اللون تسمى “الأوتومتريس” تسميتها غريبة وصفيرها غريب ولكننا كنا نركبها بكثير من الفضول والدهشة والاستغراب.

عندما كنا نَمُرُّ صغاراً في الأراضي التركية حيث “القطار الأحمر” يجتازها ليصل بنا لحلب كان النوم يجافي مآقينا، وتتعلق عيوننا بالشبابيك حيث العسكري التركي متجهم الملامح… يرمقنا بنظرات جامدة صقيعية، وحيث البيوت يعلوها القرميد الأحمر في شكل جديد للبيوت لم نألفه من قبل، وحيث محطات القطار في المتسع التركي تحوي الكثير من الهدوء والنظافة والألفة بحجارتها السوداء وجرسها اليدوي وصفير حارس المحطة وقبعته الزرقاء، رغم أنَّه لم يكن يسمح لنا بالنزول في المحطات للاستراحة أو لإشباع فضولنا وإرواء دهشتنا إلا أننا كنا نستمتع كثيراً في هذه الرحلة العجيبة.

الآن وبعد عقود من ذلك الزمن المدهش امتطينا براءتنا من جديد بحثاً عن دهشتنا المفقودة، وعبرنا الحدود ثلاثة من الحالمين بأرضٍ سمعوا عنها في سهرات الطفولة الشتائية حول المدفأة… حكايات عن بلاد جميلة غادرها أهلها قسراً، وانتزعت منهم بيوتهم وذكرياتهم انتزاعاً، ولكن لم يتمكن أحد من انتزاع الحنين من شغاف قلوبهم بل أورثوه لأولادهم ومن ثم لأحفادهم.

الآن وبعد عقود من ذلك الزمن المدهش امتطينا حلمنا وزرنا الأراضي التي حدثونا عنها، وكلما كنا نقترب منها كانت المشاعر تزداد تناقضاً والأحاسيس فوراناً، والقلوب تصبح أكثر انقباضاً في الصدر الواجف.

فجأة همس صديقي إنها ” حسن كيف ” سرت قشعريرة في شراييني، وزاغت نظراتي تريد أن تلتهم المكان، وتختصر الزمان لتوقف قسوته عند زمن مضى ولم يبرح الذاكرة بعد التي انتعشت من جديد…

من هي هذه الوجوه الغريبة الملامح؟؟؟

ما الذي شهدته هذه الصخور والجبال وتشهد عليه؟؟

من ابتلع هذا الماء وبأي أسرارٍ يحتفظ؟؟؟

في أي تجويف في هذا الجبل احتموا ذات شتاء؟؟؟

أية لحظات قاسية عاشوها هنا في هذه الأزقة وعلى أطراف هذا النهر؟؟

غابت الشمس نظرت إلى عيون أصدقائي كانوا يحتفلون بصمت في هذا المكان كما أحتفل كأنهم يشاركونني مشاعري الخاصة لأنهم قرروا أن يقتحموها بمحبة فجدران الروح رغم الفوضى التي تعيشها لا يزال فيها متسع لمحبٍّ وصديق لم تجمعك المسافات معه ذات صباح بل سمحت له أن يتعربش على جدران روحك بمحبة.

غابت الشمس لملمنا ذكرياتنا… براءتنا… دهشتنا… فضوليتنا… حنيننا الذي كان الطريق إليه طويلاً استغرق عقوداً من الزمن، عدنا وصدى أسئلتنا تصطدم بجبال “حسن كيف” وتمضي مع ماء نهرها بإصرارٍ إلى حيث يستقر بلا إجابات كما هو طائر الروح الحزين يحلق بنا منذ سنين مثقلاً بتساؤلاتٍ مقلقة لم تجد إجابات لها بعد.

ملكون ملكون