Genocide 3 million

النص الكامل لمحاضرة هدى ملكون عن الابادة

1901366151611
بقلم نبض شرقي

 

**مقدمة لابد منها

قبل ان أبدأ أود أن اشير الى أن تطرقي لهذا الموضوع لم يكن مطروحا ولم يكن المقصود أن اثير المشاعر عند الطرفين أو أن اؤلب القلوب وافتح الجروح من جديد .

أن الذي دفعني لبحث هذا الموضوع هو تكرار الحديث في الاونة الاخيرة عن الوحدة الوطنية وكل يتهم الاخر بأنه السبب في البعد أو يزاود البعض بأنه نسي ما حصل ويقول اخر نحن لا ذنب لنا حاسبوا أجدادنا أو أنسوا يا جماعة  و يعود الجميع ليدخل قوقعته .

نحن لسنا في مجال محاسبة أحد ولكن طالما يدعي الجميع أن لديه نية حسنة للمصالحة فلا بد من الاعتراف بالاخطاء والاعتذار عنها قبل المصالحة ليفتح جيلنا للأجيال القادمة صفحات نقية من الاحقاد و الضغائن و المخاوف  ، ونعيش معا كمواطنين متساويين تحت سقف سورية الواحدة التي تتسع للجميع

 

معاً للمصالحة الوطنية

منذ مدة دعيت الى مؤتمر مبادرة المرأة السورية وأثناء الاستراحة قالت صبية كردية نحن شعب ودود انتم الذين لاتحبوا الاقتراب منا أجبتها ياعزيزتي أنه الخوف المتأصل في النفوس منذ مائة عام .

ماذا حصل منذ مائة عام ؟  حصلت مجزرة ابادة الارمن وتلاها ابادة ماتيسر من مسيحيين ….

لماذا حصل هذا و كيف ؟ ….  الكثير لا يعلمون ….

جداتنا منذ الطفولة تقص علينا قصص المذابح وكيف ذبح الاباء والامهات وسبيت النساء أمام عيونهم فقد كانوا اطفالا آنذاك …  قصص حقيقية تنزف لها العيون و يندى لها جبين البشرية.

ولم نكن نسمع سوى الأكراد ذبحوا أهلنا  …. قلة قليلة ممن قرأوا التاريخ يعرفون من المسؤول ولماذا حصل هذا وأنا مضطرة لانصاف الحقيقية بأن أتكلم بلغة التاريخ .

لم تكن الحدود واضحة تماما بين ارتكابات قادة تركية  الطغاة وجرائم نظام السلطنة في أواخر عهده فقد كانت المجازر وعمليات الترحيل قد بدأت مع بدء أفول الدولة العثمانية التي حاولت الضرب على العصب المذهبي والطائفي وسعت الى استغلال (الرابطة الاسلامية)لتطبيق مشروع التطهير الديني الذي كان الأرمن المسيحيون والأقليات المسلمة كالشركس ابرز ضحاياه .

لتتوسع العملية فيما بعد وبالتدريج الى مستوى الابادة مع صعود جمعية الاتحاد و الترقي  ،وتولي جهازها السياسي في حركة تركية الفتاة مقاليد الحكم في الاستانة على أمل تحديث الامبراطورية واعادة بنائها هذه المرة على أساس سياسة التتريك الشاملة والقسرية .

عندما أندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 وقف الزعماء الأتراك مع قوات المحور (المانيا-النمسا- المجر )وقد وفر أندلاع هذه الحرب فرصة مثالية لحل المسألة الأرمنية .

بدأت الحملات المسلحة مساء (24) نيسان 1915  عندما تم القبض على(300)من القادة السياسيين الكتاب والمثقفين والمعلمين ورجال الدين والوجهاء في القسطنطينية حيث تعرضوا للتعذيب ومن ثمن أعدموا شنقا وبعضهم قتل رمياً بالرصاص .

تولت الاعتقالات الجماعية للرجال الأرمن في جميع أنحاء تركيا على يد القوات العسكرية التركية وفريق من المتطوعين الأكراد ، و اقتيدوا في مجموعات صغيرة الى مشارف بلداتهم وقتلوا .

بعد ذلك جاء دور النساء والأطفال والمسنين فقد أخرجوا من قراهم وبلداتهم ورحلوا الى حيث لا رجعة وجرت تصفيتهم في الطريق وبقي منهم طويل العمر واحتل الأتراك قراهم وأراضيهم وانتزعوا بعض الأطفال من عائلاتهم وارغموا على الارتداد عن دينهم ليصبحوا مسلمين .

وقد لعب الأتراك على الوتر الديني عند الأكراد الذين كانوا يعانون من الجهل والتعصب الديني ساعدهم في ذلك  الآغوات طمعا بالأراضي والمواشي ، ورجال الدين بالايحاء لهم بأن من يقتل مسيحياً يذهب للجنة لذا يقال أن بعض النساء الكرديات شاركت بذلك للحصول على العناية الألهية وضمان مكان في الجنة .

من المسؤول تاريخيا عن كل هذا ؟؟…

ان المسؤولية تقع على عاتق الثلاثي انور باشا وجمال باشا و طلعت باشا الذين كانوا يسيطرون على اللجنة المركزية لحكومة تركية الفتاة و الذين خططوا لابادة منهجية للقضاء على الشعب الارمني اما على المستوى الميداني فقد تم ارتكاب المجازر من خلال الاف الضباط الاتراك و الجنود جنبا الى جنب مع مواطنين عاديين بما فيهم القبائل الكردية حيث رأوا في عملية القضاء على الارمن فرصة مثالية للنهب و السلب و الاغتصاب و الدخول للجنة .

و غالباً ما كانت ترسل الفتيات الارمنيات الجميلات لحريم الاتراك حيث عاش قسم منهن مجبوراً على العهر حتى منتصف العشرينات .

و تشهد العديد من الصور الموثقة الوحشية التي عانى منها الارمن كتقطيع اوتار ركب الاطفال و موت شابة من الجوع الى جانب طفليها و ضابط تركي يهزأ من الاطفال الجياع بقطعة رغيف خبز .

لن اطيل و لن اروي قصص حقيقية تقشعر لها الابدان لسبب سآتي على ذكره فيما بعد .

 

2 = المذبحة السريانية الاشورية :

** ابتدأت المذابح بشكلها السافر مع الامارة البدرخانية اذ قامت جيوش بدرخان في عام 1812 بمذابح كبيرة ضد النساطرة الاثوريين و استمرت هذه المذابح ما بين عامي ( 1843 – 1845 ) ، و قد كتب البطريرك مار شمعون بنيامين الى قيصر روسيا بتاريخ 27 أيار 1868 مستنجداً به : (( لقد استولى الاكراد عنوة على ممتلكات اديرتنا و كنائسنا و سلبوا عفاف العذارى و اعتدوا على زوجاتنا و نساءنا و اجبروهن على اعتناق دينهم و كذلك فان الاكراد يريدون منا دفع الجزية )) .

مع اطلالة الحرب العالمية الاولى كانت خطة الابادة الشاملة للمسيحيين قد باتت جاهزة و الفرصة باتت سانحة بسبب ظروف الحرب و يقول (( لونشفسكي )) في كتابه الشرق الاوسط : (( بأن الاكراد كانوا جميعاً بجانب تركية اثناء الحرب و قد تمكن الاتراك بمهارة من توجيههم لقتال المسيحيين بحيث اثبت الاكراد انهم مفيدون للاتراك في اداء المهمات التي انيطت بهم في الولايات الشرقية )) .

و يورد الكاتب الكردي كمال احمد مظهر أمثلة عن الاعمال الوحشية التي جرت فيقول : (( مما يؤسف له اشد الاسف ان الكرد اسهموا قليلا او كثيرا عن وعي او دونه بتحريض من الاخرين عن غير عمد او عن عمد في هذه المذابح )) .

و يستانف قائلاً : (( خلال المذبحة الاولى افتتح احد مشايخ الطرق و اسمه الملا احمد سعيد العملية بنفسه في مدينة اورفه في 28/12/1895 حيث امر باحضار ارمني فبطحوه ارضا و فصل راسه عن جسده بيده على مرأى من الجموع )) .

و قد اغتيل البطريرك مار شمعون بنيامين غدراً على يد سيمكو في الثالث من آذار عام 1918 و هو في ضيافته ساعياً الى الصلح و توحيد الجهود لاقامة دولة كردية اشورية .

و يقول الاستاذ جلال الطالباني في هذه العملية جريمة بحق الحركة الكردية اذ يقول : (( ان التاريخ الكردي مليء بالمحبة و الود تجاه الاشوريين )) ، و يضيف : (( ان عملية الغدر و الاجرام التي دبرها سيمكو ضد اخواننا الاشوريين تسود صفحاته و خلقت مصاعب جمة للحركة الوطنية الكردية مازالت اثارها باقية )) .

مما سبق يتضح ان ما نال السريان و الاشوريين من تلك المأساة البشرية ليس بالشيء القليل و ما التناقص الشديد باعدادهم في المنطقة بعدما كانوا يشكلون غالبية السكان في الماضي سوى الشاهد الاكبر على مدى الفظاعة التي مارسها الانسان تجاه اخيه الانسان و استمر تناقص السريان و الاشوريين من المنطقة  مستمراً بسبب الصراع ( الكردي  – التركي  – و الكردي – الصدامي ) .

قبل ان نستعرض ما ينال الاكراد من مسؤولية تجاه الشعب السرياني الاشوري في تلك المذابح البشعة يجب علينا ان نشير الى النقاط الايجابية في مواقف بعض الاكراد تجاه المسيحيين عامة و الشعب الاشوري السرياني الكلداني بصورة خاصة .

فقد عاش الشعبان قروناً طويلة متجاورين تسود بينهما روح الالفة و المحبة و التعاون و لا يذكر التاريخ القديم حالات  مورس فيها جنون القتل كما حدث في هذه الفترة ، و ان وردت حالات الاعتداء فهي لا تخرج عن نطاق الصراع الطبيعي بين فئتين متجاورتين تتضارب مصالحهم لاتلبث ان تجد لها حلاً ، و رغم تاكيد عدد من الكتاب و المهتمين بالعلاقات المسيحية  – الكردية بان العداء و الغزو المستمر هو الطابع المميز لتلك العلاقة فان ذلك لم يحدث الا في مرحلة متأخرة ،و مع ذلك فان الكثير من العائلات الكردية حمت مسيحيين من القتل و كثير من المسيحيين ممن حالفهم الحظ و نجوا من القتل و هم اطفال شبوا و ترعرعوا في كنف عائلات كردية و عربية و يزيدية حتى اصبحوا رجالا ، كما وقفت بعض العشائر الكردية كعشيرة ( القزل باش ) في منطقة ديرسم موقفاً ينسجم مع شهامتها و روح الاخوة التي تربطها بجيرانها و كذلك كان لبعض مشايخ القرى السريانية التي كانت ممتدة في الجزيرة حتى دجلة مواقف من هذا النوع و حاولوا ما امكن انقاذ السريان اللذين كانوا يقاسمونهم هموم الحياة و ملذاتها كما كان لاحفاد الامير بدرخان و هم في المنفى دور هام في الدفاع عن المسيحيين الذين تعرضوا للمذابح و كان لنشاطهم الصحفي اكبر الاثر في فضح الدور التركي لزرع بذور الحقد و الكراهية بين الشعبين .

فالاعتداء على المسيحيين اجمالاً و ان اتخذ الطابع العام لكنه لا يشمل جميع الاكراد فقد ظلت فئة منهم تتحسر و تتألم لما يحدث امام ناظريها و ربما وجد كثيرون ممن لم تطاوعهم ضمائرهم بالمشاركة بهذه الهستيريا الجماعية لكنهم لم يكونوا يمتلكون لا القدرة و لا الجرأة لايقاف هذا السيل الجارف ناهيك عن عدم امتلاك الرؤية السياسية الواضحة لوضع الامور في ميزانها الصحيح و تقدير مدى الربح و الخسارة التي سينالها شعب اقدم على عمل مصيري من هذا النوع .

 

** من المسؤول ؟

** والآن من حقنا التساؤل مع رئيس اساقفة كانتربري الذي قال عام 1919 في مجلس اللوردات البريطاني : (( او تكون هذه الشناعة الموصوفة هنا الا من اعمال وحوش انفلتت من عقالها لا تعرف معنى الرحمة و الانسانية ام انها حقا من اعمال الحكومة التركية المدروسة و المخططة عمداً )) .

و اذا كانت المسئولية الاكبر تقع على عاتق الحكومة التركية فان هذه المسئولية لا تموت بالتقادم وفقاً لقوانين الامم المتحدة و ستظل تتحملها الحكومات المتعاقبة على السلطة في تركية ، كما تقع المسئولية على عاتق الحكومات الاوروبية و الروسية و الامريكية التي جرت المذابح امام ناظري دبلوماسييها و بعثاتها التبشيرية دون ان تبدي اي جهد للضغط على الحكومة التركية لوقف تلك المجزرة و لعل مسئولية الالمان لا تقل عن الاتراك في هذه المأساة المروعة اذ كانوا منذ البدء مشاركين فعالين في التخطيط و التحضير لها و كانوا مشرفين على تنفيذها في بعض المناطق هذا بالاضافة الى قدرتهم على الضغط على الاتراك و ايقاف المجزرة لو ارادوا ذلك بعتبارهم حلفاء للاتراك في الحرب .

و قد وصف ونستون تشرشل هذه المجزرة بالمحرقة الادارية و بيّن ان هذه الجريمة قد خطط لها و تم تنفيذها لاسباب سياسية حيث كانت فرصة لتطهير الاراضي العثمانية من العرق المسيحي ، و مما تقشعر له الابدان ان هتلر قد استغل هذه المجزرة ليبرر القتل النازي قائلاً في عام 1939 : (( بعدما فعلت من الذي سيتذكر ابادة الارمن )) .

و لننته من تحديد المسئولية نقول ان الاداة الفاعلة في معظم الحالات كانوا الاكراد و بخاصة فيما يتعلق بمذابح الاشوريين و السريان في مناطق طور عبدين و ديار بكر و هكاري و اورمية ، فقد كان التواجد التركي في هذه المناطق شبه معدوم و حتى قطعات الجيش كانت في معظمها من الاكراد ، لذا فقد كانوا اداة فعالة في هذه الجريمة سواء كان ذلك عن دراية او كان عن جهل ، و سعياً للحصول على الغنائم و السبايا او بدافع المشاعر الدينية المثارة من قبل رجال الدين الذين عملوا على ارضاء الله و السلطان و اكتساب موطء قدم في الفردوس بذبح اكبر عدد من الكفار او ( الكاور ) كما يسمي الاتراك المسيحيين حتى الان .

و الان ساكشف لكم سراً لقد اردت ان لا اكمل هذا البحث بعد ان صرت في منتصفه حين خطرت لي فكرة : لمذا الغوص في التاريخ ؟ لماذا نبش الماضي ؟ لماذا تحريك الاحقاد و الضغائن ؟ الم ناخذ درسا من شعوب ما زالت تقتتل من اكثر من الف عام كصراع السنة و الشيعة .

السنا نحن نقول لماذا الاصرار على عاشوراء و جلد النفس و ايقاد النار تحت الصراع حتى تدخل البلاد في حروب طائفية .

لماذا لا نأخذ درساً من الاوروبيين الذين قتلوا من بعضهم عشرات الملايين في الحربين العالميتين و هاهم ليس فقط نبذوا الحقد و لكنهم توحدوا تحت راية الاتحاد الاوروبي .

تعالوا نمد ايدينا لبعض و نعترف بالاخطاء و نعتذر عنها و نقبل الاعتذار و نصفح  …. نسعى لمصالحة وطنية تحت راية سوريا الجديدة .

و ها انا ارى بدايات لبناء هذه الجسور بين شعبينا من مبادرة المرأة السورية و حتى مهرجان الربيع الاول للشباب بالامس … اوردت هذين المثالين ليس للحصر …

و ها جلوسنا اليوم معاً عموداً اخر في جسر التواصل و المحبة و الاخاء بيننا .

ارجو ان لا يفهم من اختياري لهذا الموضوع كما قلت في المقدمة على انه فتح للجروح بل مد اليد للمصالحة الوطنية التي بات لابد منها .

ارجو ان يكون النقاش في اطار المحبة و يكون الهدف منه تمتين اواصر الاخوة بيننا .

** هدى ملكون