Uncategorized

القبطان جاك كوستو من الجاسوسية إلى أعماق البحار

_76291_e4
بقلم نبض شرقي

 

لا أدري لماذا ارتبطت أغنية “بَحار” لكريس ديبرغ في ذهني مع صورة الكابتن جاك كوستو وهو يبحر على متن قاربه “كاليبسو”. الأغنيات عادة ما تذهب إلى خيالات يألفها الجمهور ويرغب في أن تحرك مشاعره، خاصة إذا كانت الخيالات والمشاعر تحفز لدى أفراده الأحلام والفتنة بالاكتشافات، فكيف إذا كانت تتحدث عن صورة ذاك المغامر الافتراضي الذي يمضي بين البحار والمحيطات. يقاسي عواصفها المميتة وأشباحها المرعبة، ويغوص في أعماقها، ويجول بين الكائنات الغريبة فيها؟

الاستدعاء الذهني الأول لفكرة “البَحار” يتأتى من ملحمة الإلياذة لهوميروس، حيث أوديسيوس أو أوليس ملك إيثاكا الأسطوري القائد المنتصر في حرب طروادة، يفقأ عين ابن إله البحر بوسيدون العملاق ذي العين الواحدة. فتتم معاقبته بالتيه عشر سنوات في البحر. وفي مفصل من مفاصل الملحمة يرمي البحر بالبطل الملحمي في جزيرة “أوجيجيا”، حيث تحتجزه ملكتها الحورية “كاليبسو” وتبقيه عندها.

 

متعة الاستكشاف وعلومه

 

إرث الملحمة اليونانية هو الجزء الأدبي الثري الذي ألهم البحارة في رحلاتهم القديمة لاكتشاف البحر وما بعده، بالتجاور مع الأهداف النفعية كالاستثمار في الأراضي البعيدة غير المعروفة، وفي الإطار الذي يجمع كل ما سبق، يمكن القول بأن تحدي البحر، لم يكن مجرد مسألة عابرة، بل جزءا من صراع الإنسان مع الطبيعة منذ الأزل، حيث تتمازج الأهواء والمنافع والتحديات والرغبة في نقض المجهول، بما يقود إلى العتبة العلمية.

عمليا ومن خلال سيرة حياة القبطان جاك إيف كوستو، ثمة كاليبسو أخرى، ليست بحورية، بل سفينة، عرفها مئات الملايين من البشر في القرن العشرين.

هي “عروس البحر” التي رافقت بَحارها، طيلة سنين مغامراته، وطبعت صورتها في كل أفلامه التي شاهدناها ونحن صغار، ولكنها شاءت أن تغادر سطح الماء إلى عمقه، وكأنها تعبت قبل ربانها، فغرقت بعد أن صدمتها بارجة حربية، لكن صاحبها لم يستسلم فحاول مع ابنه إنشاء السفينة “كاليبسو2”، ولكن القدر لم يمهله كثيراً بعدها، فرحل عن الحياة في العام 1997 إثر نوبة قلبية.

عشرون عاما تحت الماء

غابت أخبار “حورية” كوستو، قرابة عقدين من السنين، تخللتها أخبار عن خلاف قانوني بين أفراد عائلته، شهدته محاكم باريس. تجسد كنزاع بالدرجة الأولى بين زوجة كوستو الثانية فرانسين، وبين جان ميشيل ابنه من زوجته الأولى، حيث ادعى كلاهما أحقيته في امتلاك السفينة معنويا وماديا.

ولكن الأخبار السارة لعشاق سلسلة مغامرات البحر جاءت قبل عدة أيام، حيث تناقلت وكالات الأنباء خبرا يقول إن السفينة “كاليبسو” غادرت مرفأ كونكارنو (غرب فرنسا)، على متن سفينة شحن عملاقة. لتخضع لعملية ترميم تستغرق سنتين في تركيا، بحسب بيان جمعية كوستو المالكة لها، والتي ترأسها أرملته فرانسين.

جاء في البيان أيضا أن الاختيار وقع على شركة متخصصة في إسطنبول تتعاون مع مجموعة أميركية، تمتلك مثل كل بلدان شرق المتوسط حوضاً لترميم السفن الخشبية، مزوداً بالتقنيات التقليدية اللازمة للأمر. وقد كلف الإيطالي ماركو كوبو المتخصص في الهندسة البحرية بالإشراف على أعمال الترميم في تركيا.

قالت الجمعية إنه سيتم الحفاظ على التجهيزات والقطع الأصلية الموجودة في السفينة، ولن تضاف سوى بعض الأجهزة الحديثة للملاحة ومحركات أكثر فعالية ومراعاة للبيئة. وذكرت أيضا أن من بين المعدات الكثيرة التي تضمها السفينة، الصحن الغواص الأصفر “دونيز” الذي يعد أول نموذج من الغواصات البحرية المشيدة لأغراض الاستكشاف العلمي والذي سيرمم ويعاد إلى مكانه.

 

سفينة سحرية

السفينة التي تزن قرابة 111 طنا بطول 40 مترا، والتي صُمّمت في الولايات المتحدة سنة 1942 لتكون كاسحة ألغام، غرقت في سنغافورة. ثم تم تعويمها ونقلها إلى مرفأ كونكارنو لترميمها في العام 2007، ولكن أعمال صيانتها توقفت سنة 2009 بسبب خلاف حول طبيعة الترميم وكلفته، بين حوض بيريو لبناء السفن المكلف بهذه الأعمال وبين الجمعية.

حسم القضاء هذه المشكلة في نهاية عام 2014، حين أصدر حكماً يرغم فيه أصحابها على نقلها قبل 12 مارس 2015 من الحوض، ودفع كلفة الأعمال التي أجريت عليها والبالغة 300 ألف يورو.

آنذاك أعلنت الجمعية عن سعيها لتأمين المبالغ اللازمة لإنقاذ السفينة، في حين راح حوض بناء السفن يهدد ببيعها في مزاد، وفي النهاية تمكنت جمعية كوستو من جمع المبالغ المطلوبة لإحياء كاليبسو بعد أن عقد محسنون دوليون أسخياء طاولة مستديرة من أجلها.

عودة كاليبسو العتيدة أوقدت في عيون القراء الذين استوقفهم الخبر، ذاكرة مشحونة بالدهشة الزرقاء. مقترنة بقبعة حمراء كان كوستو يرتديها دائماً، تظهر في جميع أفلامه.

ومع صورة السفينة وهي تمخر عباب البحر، ثمة مشاهد أخرى، تروي حكاية اسمها “العالم الصامت”، أي ذلك الفضاء الفسيح في أعماق البحار، والذي قضى عمره كله في اكتشافه.

ولد كوستو في منتصف العام 1910. وقاده فضوله منذ صغره إلى البحث في كل ما هو جديد ومختلف، على حساب التعلم في المدرسة. فعرف التصوير السينمائي، وتنامت لديه الرغبة في المغامرات البحرية فتوجه إلى الأكاديمية البحرية وانتسب بعد ذلك إلى سلاح البحرية الفرنسي، حيث خاض الحرب العالمية الثانية ضمن فريق مختص بالأعمال الاستخباراتية.

بالتوازي مع خدمته كانت فتنته بالبحر مستمرة، حيث صمم مع زميله المهندس غاغنان “رئة الماء” أسطوانة الهواء المضغوط التي يستخدمها الغواصون اليوم، والتي غيرت مجرى علاقة الإنسان مع عمق البحر، فبعد أن كان لا يستطيع البقاء تحت الماء إلا لوقت قصير معتمداً على الهواء الذي يحبسه في رئتيه، تمكن بفضل هذا الاختراع من البقاء لمدة طويلة وبما يمكنه من القيام بالتجوال في الأعماق.

استطاع كوستو وزميله غاغنان تسويق الفكرة في الأسواق الفرنسية في العام 1946، ثم نقلاها إلى الولايات المتحدة في العام 1952، لتنتشر بعدها في كل أنحاء العالم بعد أن باتت جزءا أساسيا من مفردات عالم اكتشاف البحار.

عُين كوستو رئيسا لبرنامج دراسة المحيطات الفرنسي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد أن بات لقبه هو “الكابتن”، وهو رتبة منحت له بسبب إنجازاته في الحرب. وفي العام 1950 اشترى السفينة الشهيرة ليستطيع من خلالها تنفيذ الرحلات التي خطط لها، واضعاً نصب عينيه هدفا أساسيا هو تحويل المحيطات المجهولة إلى مادة ممتعة للجمهور، الذي يرغب في متابعة الرحلات البحرية، وسيكون من المهم جداً تزويده بالمعارف والاكتشافات العلمية التي ستحققها هذه المغامرات.

ومن أجل تأمين هذه الحمولة من الأهداف كان لا بد من البحث عن التمويل الذي سرعان ما تأمن عبر نشر الكتب التي تحكي عن عوالم أعماق البحار، وأيضاً عبر إنتاج الأفلام الوثائقية عنها، والعمل على التجارب العلمية التي يمكن تسويق منتجاتها، كتلك الخاصة بالتصوير تحت الماء، حيث اصطحب المصور لويس ماردن على متن السفينة في رحلة نحو المحيط الهادئ عام 1955، تم فيها إنجاز تجارب أفضت إلى الحصول على التصوير الفوتوغرافي الملون تحت الماء كما نعرفه اليوم.

ولم تمض بضع سنوات حتى بات الكابتن كوستو معروفا لمواطنيه وللكثير من الأوساط الدولية. وقد تكرس حضوره أكثر فأكثر عندما فاز فيلمه الوثائقي الأول “العالم الصامت” والذي صور جزءا منه في البحر الأحمر، بالجائزة الأولى في مهرجان كان السينمائي لعام 1956.

 

من العلم إلى الشغب

واصل كوستو مسيرته في الرحلات البحرية رغم تكليفه رسميا بعدة مناصب مهمة، حيث عُين مديراً لمتحف موناكو للمحيطات في العام 1957. وتقول المصادر التي رصدت وقائع حياته إنه أسس مجموعة لأبحاث الأعماق بطولون، بالإضافة لرئاسته لبرنامج “كونسهيلف” الخاص بتجارب إقامة البشر لفترات طويلة بمستعمرات في أعماق البحار.

بالإضافة لهذه التكليفات، تابع عمله العلمي التقني، فطور كاميرا للتصوير تحت الماء اشترت شركة نيكون حقوقها لاحقا، لتنتجها تحت اسم “نيكونوس”، كما عمل كوستو على بناء الغواصة “أس پ- 350” التي تتسع لشخصين وتعمل تحت عمق يصل إلى 350 متراً بقاع المحيط. ليحقق عام 1965 إنجازا بالوصول بنسخة مطورة منها إلى عمق 500 متر. وقد دشن كوستو في العام 1980 نموذجاً آخر لغواصة أعماق نفاثة ذات راكب واحد أسماها “توربوسايل”.

لكن حياة الرجل لم تخل من نزعات الشغب، فقد نظم في العام 1960 حملة عالمية صاخبة ضد محاولة المجمع الأوروبي للطاقة الذرية “أوراتوم” التخلص من مخلفاته النووية بإمارة موناكو.

وتم إيقاف القطار المحمل بهذه المخلفات بواسطة نساء وأطفال اعتصموا على الخط الحديدي وأعادوه لمصدره. وقد كان من نتائج هذه الحملة قيام الرئيس الفرنسي شارل دي غول بلقاء كوستو ومناقشة القضية معه، ما أكسبه حضورا مهما جدا على الصعيد الوطني الفرنسي.

كما ساهم مساهمة كبيرة في حماية القارة القطبية الجنوبية، عندما حاولت بعض الدول استغلالها عسكريا واقتصاديا، حيث نجح من خلال حملة دولية كبيرة في التوصل إلى تأمين وضعٍ خاص بها يضمن تدويلها والحفاظ عليها لصالح التوازن البيئي والأجيال القادمة في المستقبل.

ومن بين مشاغباته الأخرى، تذكر الوقائع قيادته لحملة علمية عالمية طالبت السلطات المكسيكية بالمحافظة على الشاطئ المخفي في جزر ماريتا. وهو واحد من عجائب الطبيعة الفريدة. أثمرت في بداية تسعينات القرن الماضي عن إعلان المكان حديقة وطنية محمية ضد الصيد وأي أنشطة بشرية ضارة أخرى.

رسخت صورة كوستو المغامر في أذهان الكثيرين من الناس عبر برنامجه الشهير “عالم الأعماق” الذي بدأ بإنتاجه في العام 1968 كسلسلة تلفزيونية لتعريف الجمهور بعالم البحر الخفي. وبقي يقدم حلقاته طيلة ثماني سنوات. وقد جعل البرنامج من كوستو نجماً عالمياً كما جعل من الاهتمام بالبيئة البحرية حالة جماهيرية أنتجت جمعية غير ربحية باسمه لحماية الحياة البحرية يشترك في عضويتها مئات الآلاف من المهتمين في كل أنحاء العالم.

رغم رحيل كوستو منذ 19 سنة، بقي إرثه حاضراً لدى أفراد عائلته، وعلى هامش عمل الجمعية التي تديرها زوجته الثانية فرانسين، قام حفيده فابين في العام 2014 بتحدي الرقم القياسي بالبقاء تحت الماء لأكثر من ثلاثين يوماً، وهو الرقم الذي حققه جده قبلها بخمسين سنة، وقد تمكن من فعل ذلك، حيث بقي لمدة 31 يوما في داخل مختبر تحت الماء قبالة سلسلة جزر فلوريدا كيز. وقام خلالها بالعمل على مراقبة سلوك الأسماك، ودراسة تأثير تلوث المحيطات، وسخونة مياه البحار على الشعاب المرجانية، إضافة إلى قياس تأثير البقاء لفترة طويلة تحت الماء على جسم الإنسان. ليبقى القبطان كوستو حلم اليافعين في العالم حتى اليوم وبطل العوالم المجهولة التي تبحر إليها سفينته كوستو.

علي سفر – جريدة العرب اللندنية