كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة الثانية /

1
بقلم نبض شرقي

 

  (١)

أرسلت سيبيريا في الأشهر الأخيرة من ١٩٥١ رياحاً ثلجية متواصلة، هزّت العالم بغضب، نحو القامشلي. لم تكن المدينة، بطبيعة الحال، مستهدفة، لكن صدف وقوعها على خط الصقيع القاتل هذا.

إستمر الحال هكذا حتى نهاية شباط من ١٩٥٢.

جبال طوروس تطل على السهل الممتد من أطراف ماردين وحتى القامشلي، مروراً بنصيبين. نصيبين كانت تتلاصق قليلاً مع تخوم قرية المحمقية في الشمال الشرقي تفصلها سكة حديد برلين-بغداد العتيدة والمخفر التركي، وهناك كانت الحدود مثخنة بحقول الألغام لوضع حدٍ لأعمال المهرّبين. وتُعاد كرّة الألغام أيضاً بين نصيبين وقرية الهلالية في الشمال الغربي.

المهربون، من جهتهم، وجدوا حلاً دموياً للمسألة. كانوا يرسلون بغالهم لتعبر الألغام ولتفتح ثغراً ينفذون منه إلى تركيا، وكثيراً ما كنا نسمع ليلاً أصوات الإنفجارات التي لم تترك، في اليوم التالي، من الحيوانات التعسة، سوى بقايا لحوم وأحشاء ورائحة صدئة وطنين ذباب وطيور جارحة فرحة بالوليمة.

في الفراغ الكبير الذي يفصل الهلالية عن نصيبين، كانت تُقام أحياناً حفلات عرس مشتركة. فكثيراً ما كان الناس يتصاهرون بزواج عابر للحدود. الموسيقى تصدح من جهة والمدعوون يتشابكون بالأيدي المتعرقة، رجل وإمرأة (هكذا كانت القوانين غير المكتوبة)، في حمية رقص تعلوه سحب الغبار.

في نهارات الربيع ذات البهاء الخاص، كنّا نتنزّه قرب الشلالات، وعلى بعد يُتيح لنا التلويح بشقاوة لحرس الحدود الأتراك الحاملين لبندقية من صنف ما. وكنّا نسمع بوضوح صوت أغاني زكي موران تصدح من مقاهي نصيبين. ثم سرعان ما كنّا ننهمك بمطاردة أسماك صغيرة تُصاب بالذعر حالما نقترب منها في أطراف مياه النهر الضحلة فتختفي بسرعة البرق في المياه العميقة.

في ذلك الشتاء السيبيري بقيت جبال طوروس بيضاء مفروشة بثلوج كثيفة متلألئة. هذه الثلوج غطّت، في سابقة نادرة، السهول المنحدرة نحو القامشلي، وأثقلت على أغصان أشجار غابة «عبو».

الطيور الموسمية المهاجرة من روسيا، المستنفذة بتعب الترحال الأبدي، لم تتمكن في ذاك الموسم من تناول أي طعام في فترات إستراحاتها، الزرازير وطيور ملونة واخرى بلون التراب قصدت فناءات دور القامشلي، في محاولة يائسة بحثاً عن طعام يُعيد بعض القوة لأجنحتها التعبة، لكن إنتهى بها المطاف كطعام على موائد الناس. الطيور الاخرى صارت، في البراري المحيطة بالمدينة، فريسة سهلة للأفخاخ البدائية المصنوعة في المطابخ، وما لم تنطلي عليها هذه الحيل صارت فريسة القطط والثعالب والكلاب الضالّة التي كانت تجازف بغرس قوائمها في الثلوج الكثيفة وتقفز لإلتقاط الطيور المنهكة المستسلمة لمصيرها.

أخيراً جاء شهر آذار واضعاً نقطة نهاية لشتاء طويل مديد، وصحت الشمس مخترقة بخيوطها المصنوعة من الألمنيوم، نافضة عنها السحب الرصاصية الثقيلة، وأرسلت ذلك الدفء الخاص، الممزوج برائحة يعرفها كل الناس.

الثلوج أضافت حياة جديدة صاخبة لنهر جغجغ.

نهر جغجغ يمّر في أخاديد متعرجة قليلاً حتى يصل إلى بناء الطاقة الكهربائية الواقع على جنوب بساتين وغابات «عبو» والماخور.

هناك يشطر نفسه إلى قسمين. في القسم الأول بُنيت طاحونة يحيطها جبّ ومن ثمة تمّر المياه في آلات وأنابيب مُولدة الكهرباء بأسرار كتيمة. الشط الثاني يتعرج بضعة أمتار، تنهمر مياهه أولاً في جب آخر سُمي بالجبّ الفرنساوي.

هناك كان يسبح الشبان بالقفز في مياهه محاولين إثارة إعجاب الفتيات اللواتي كنّ يتنزهن على مقربة. وحين يصل النهر بفرعيه إلى الشارع العام على نحو نصف كيلو متر، يمّر تحت جسرين. الجسران، أيضاً، وجد لهما القامشلاويون إسمان عبقريان: الجسر الصغير والجسر الكبير.

شمال الجسر الصغير يقع نادي الكمال الجسماني الرياضي وفوقه بناء فندق، وفي الشارع أمامه تصطفّ سيارات التكسي التي كانت تملأ المدينة بأدخنة سوداء ورائحة الديزل.

أما جنوب الجسر الكبير فكان فناءً قاحلاً يملكه فندق الشرق وضيوفه يأتون من القرى المجاورة، حيث تُفرش في هذا الفناء عشرات الأسّرة صيفاً ويُتركُ الضيوف تحت رحمة ثلاثة أنواع من البعوض تجذبهم رطوبة النهر ودماء القرويين.

بعد الفندق تجد المسبح الشهير بجدرانه الملونة بالأزرق السماوي.

جنوب المسبح بيوت مبنية من الطين على طول الضفة الشرقية من النهر.

هناك كنّا نسكن.

كان والدي مهاجراً، كما حال بقية القامشلاويين. إثر تطبيق إتفاقية سايكس وبيكو بسنوات، كان يقيم مؤقتاً في الجانب السوري.

في الأصل، كان ينحدر من منطقة بحيرة ڤان. عند بلوغه سن المراهقة، جمع حاجيات بسيطة ووضعها في كيس وبدأ مشواراً مثيراً لطلب العلم. مرّ بالكثير من المدن والقرى والبلدات، تتلمذ على يد شيوخ في أماكن كثيرة. كان يحفظ القرآن وينهل من تعاليم الدين.

في بقية ساعات الليل والنهار كان يكدح في ترتيب شؤون المنازل التي كانت تأويه.

لدى الشيخ عُمر، جدي من طرف والدتي، في منطقة «جزيرا بوطا» القريبة من دجلة على مثلث تركيا ـ سوريا ـ العراق، أعجب بصبية المنزل، ثم تجرأ على طلب يدها من معلّمه فوافق.

بعد إنتهاء فترة تلمذته، جمع أغراضه مرة اخرى، لكن مصطحباً معه والدتي هذه المرّة، مشاركاً إيّاها في رحلته الروحية.

منير المجيد