كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة الثالثة /

1
بقلم نبض شرقي

 

(2)

تابع والدي ترحاله حاملاً رسالته المبهمة محاولاً إيجاد الأجوبة، تماماً كما فعل بوذا في مرحلة تيهه الأولى. هل عرف والدي شيئاً عن حياة بوذا؟ بالتأكيد لا. والدتي، في لحظات حنقها وحزنها، كانت تصف والدي بقسوة، ولطالما اتهمته أنه، بكل بساطة، كان يركنها كأي حافلة، في إحدى القرى، تاركاً إياها في رعاية ورحمة سكان تلك القرية. أحياناً، يطلّ فجأة بعد غياب دام أشهراً، ليسمع صوت رضيع يبكي. من هذا؟ يسأل والدتي. إبنك، تجيبه. الله يخليه. يدمدم، ثم يغرق في سبات طويل لينفض عنه مشقة السفر الطويل. هكذا وصفته الوالدة أمامي مرات عديدة، لكنها كانت تكثر المديح عنه في مرات كثيرة اخرى، وتفخر بأنه كان عضواً في مجموعة حاربت الإستعمار وشارك في غارات مسلحة على الثكنة، معقل الجنود الفرنسيين، وأنه كان مُطارداً وحُكم عليه بالإعدام غيابياً.

حينما كبرت، عرفت الحقيقة على نحو أوضح، خاصة من الذين كانوا يعرفون والدي معرفة جيدة، فهم كانوا، فقط، يكيلون له المديح ويغبطونه.

استمر الأمر على هذا النحو لسنوات. مات خلالها أشقاء وأخوات لي بسبب سوء التغذية وأمراض لا حصر لها كانت تفتك بأجساد الأطفال الغضة أسوة ببقية الأطفال في قرى الجزيرة الكثيرة. بقي أربعة منهم اجتازوا الإمتحان الخشن للحياة.

شقيقة وثلاثة أخوة. الشقيقان الكبيران كانا يتابعان دراستهما الإبتدائية في مدرسة قرية بياندور المؤلفة من غرفة واحدة ومعلم واحد لكل الصفوف.

في أحد الأيام جاء متعباً كعادته، بعد غياب طويل، وكانت والدتي قد استجمعت كل شجاعتها، متمرّنة على كل كلمة لأيام.

طلبت منه أن يتوقف عن سفره ليعتني بعائلته. إذا لم تقبل شرطي هذا، فلن تجدني والأطفال في إي مكان بعد عودتك. قالت بحزم.

نجحت بإلقاء قنبلتها الصاعقة أخيراً. كان حواراً ودياً تارة، وزاعقاً تارات اخرى، إلا أنها أصرت على تهديدها، بعناد كردي مشهور.

انتصرت والدتي، وتم الإتفاق بالإنتقال إلى القامشلي، مثل آلاف العائلات الاخرى.

منتصف الأربعينات، في القامشلي الحديثة المترفة. حياتها كانت مثل أفلام هوليوود بألوانها الزاهية. فقراء يبحثون عن فرص حياة أفضل، أغنياء وأغنياء جدد يحاولون تقليد الأغنياء القدامى على نحو أخرق.

مهاجرون وفدوا إليها من كل مكان: يهود وعرب وأكراد وسريان وأرمن من نصيبين وماردين ومدياد فارّين من ظلم الأتراك أو لتحسين أمور معيشتهم، وحلبيون شكلّوا جالية مغلقة على نفسها. علاوة على هجرات مستمرة من هنا وهناك. كل ذلك بدأ في عشرينات القرن العشرين.

الجنود الفرنسيون المرابطون في الثكنة العسكرية كانوا قد غادروا الثكنة واختفوا من شوارع المدينة، بينما كانت أوروبا تلعق جراحها جراء حرب طاحنة دقّ طبولها، قبل نحو عقد، الديكتاتور الألماني المُنتخب ديمقراطياً، أودولف هتلر، والبرجوازية السورية والقوى الوطنية كانت قد نجحت بالضغط على الفرنسيين وأقنعتهم بالإنسحاب وإعلان الجمهورية السورية دولة مستقلة.

العالم كان يعاني آثار الحرب، بينما كانت القامشلي تزدهر وتتغنج مفتخرة بشوارعها الفسيحة المستقيمة كالمسطرة.

صار لها أسواقها وأعلامها من التجار. عزرا اليهودي وعائلته ورهط من جماعته أسّسوا عملياً للسوق، في منتصف المدينة، والتي مازالت تحمل أسمه رغم محاولات مستميتة من كل الحكومات التي مرّت في سورية على إزالة إسم «سوق عزرا» من ذاكرة الناس.

دكانة عزرا كانت تزخر بكل أنواع البهارات والأعشاب العطرة والطبيّة. فردوس روائح وامتداد حسّي لألف ليلة وليلة.

اليهود كانوا نسيجاً هاماً في القامشلي، ولم يبق منهم الآن سوى الإسم.

المسيحيون برعوا في تجارة العقارات والأموال والزراعة، وهم من أشاد أولى دور العرض السينمائية، وأسّسوا للحياة الثقافية بشكل عام.

أمّا ما تبقى من الطوائف والأعراق الاخرى فإنها لم ترفد القامشلي في البداية سوى باليد العاملة.

كان للمدينة، لا، ليس مدينة بل كانت بلدة حينذاك بعدد سكانٍ لم يتجاوز العشرين ألفاً، روّادها وقّوادها ومقرات سكنية لزعماء العشائر العربية والكردية، واخرى لأحزاب سياسية لم تثر إهتمام السكان على نحو واسع. كانت القامشلي تتمدد دون أن تتثائب.

الكل كان يعمل ويبني، فمقومات حياة المدن والحضر الأبجدية هي: البشر، ومن ثمة الماء. وللقامشلي كان جغجغها.

في القامشلي إستأجرت العائلة‪، بيتاً مبنياً من الطين يتكون من قبو وطابق (عليّة كما يسميها الناس) يربطهما درج ومدخل مسقوف من الخارج على شكل بيت صغير بدا وكأنه أُلصق عنوة بالمنزل.

القبو كان خالياً إلا من بعض الحاجيات الصغيرة.

والدي التزم بوعده وصار يعمل بتجارة الحبوب، معتمداً على معارفه الكثر المنتشرين في كافة أنحاء الجزيرة السورية، وصيته كرجل دين ووليّ من أولياء الله. تطلّب الأمر سفره بين قرى المنطقة شرق القامشلي وحتى الحدود السورية العراقية، لكن على هيئة تاجر الآن ودون أن يتخلى عن جلبابه المقدّس. كان يتعامل مع المزارعين في القرى الكردية والسريانية، يشتري محاصيلهم من القمح، يجمعها في القامشلي، ثم يرسلها إلى باقي المدن السورية، وبدا أن التجارة شهدت أزدهاراً سريعاً.

في تنقلّه بين هذه القرى، كان يعمل أيضاً على تهدئة الأمور والحساسيات بين أصدقائه من الأكراد والسريان، فالفرنسيون حاولوا في الواقع كسب المسيحيين إلى جانبهم، في لعبة طائفية دينية مكشوفة، بتحريضهم على الأكراد.

في الوقت ذاته كانت عائلتي تكبر. وُلدت أخت ثانية، وأخيراً جئت أنا.

الشقيقان الكبيران اللذان جاءا مغبريّن وهشّين من الريف راقت لهما حياة المدينة، كانا قد تحولّا إلى شابين وسيمين يرتديان ثياباً مثل الممثلين في السينما، وبتسريحات مازالت تثير حسدي حينما أنظر في صورهما بالأبيض والأسود.

الأكبر كان قد توظف في دائرة البريد، والثاني كان مازال طالباً ولاعب كرة قدم. لكنه أصيب بروماتيزم حاد جعله شبه مقعد في الأيام الأخيرة، خاصة في رطوبة الجو.

في ذلك اليوم الآذاري سطعت شمس شرسة على القامشلي وصارت تُذيب ثلوج طوروس دون رحمة.

الأمسية كانت تحمل رطوبة ثلجية.

قرابة منتصف الليل، جاء جارنا شكري يقرع الباب بصوت قوي فأوقظ كل من فيه. جغجغ كان يرفع من منسوبه من الماء بشكل مقلق للغاية، وبدأت المياه تتسرب إلى القبو.

سعى والدي، أخي الأكبر وجارنا إلى خروجنا من المنزل الذي صار هيكله يُصدر أصواتاً بصدى التيتانيك المخيف.

والدي أصّر على بقاء أخي، الذي تضاعفت حالة الروماتيزم لديه بسبب كل تلك الرطوبة في الجو، في سريره وأراد إخراجه من البيت وهو مستلقٍ مشفقاً عليه وآلامه المُبرحة. لم تفد معارضة أخي الأكبر وجارنا، ولم يكن هناك المزيد من الوقت للنقاش.

والدي وأخي كانا يدفعان بالسرير وتمكّنا من خروج بعضه من الباب الرئيسي، الجار شكري كان يساعد ممسكاً بالطرف الخارجي منه حينما حصل كل شيء أمام بقية أفراد عائلتي ونفر من الجيران جذبتهم الجلبة.

إنهار المنزل كقلعة رملية هاجمتها موجة على الشاطئ. جارنا شكري بقي هناك واقفاً على المدخل المسقوف. أصوات الصراخ كانت تملأ شوارع القامشلي المستقيمة كالمسطرة.

منير المجيد