كلمة رئيس التحرير

مناخات الفوضى ..

1 (2)

 

“الفوضى الاستراتيجية” سمة صبغت النظام الدولي في السنوات الأخيرة، وبات تفكك الدول وانهيارها هدفاً ومبتغى، وعلى وقع تنامي عدد الدول في القرن العشرين حيث وصل إلى 195 دولة مع نهاية الحرب الباردة نجد الآن كثرة في عدد الدول الرمادية (اللادولة) نتيجة واقع سياسي وقومي رجراج أصبح فيه مفهوم الدولة في خطر.

وضمن هذا السياق يأتي الاستفتاء على انفصال كتالونيا في لحظة تاريخية ينشغل فيها البريطانيون، وهم المشهورون بخلق الدول وصناعتها وتفكيكها، بمشاكل خروجهم من الاتحاد الأوروبي، لذا وجد الأميركيون أن الساحة قد خلت لهم، لذا كان العمل على خلق جيوب قلاقل يستعيضون بها من وجودهم على الأرض. فكان استقلال كتالونيا مصدر إقلاق لألمانيا وفرنسا على وجه الخصوص ولأوروبا على وجه العموم.

ولكن كتالونيا تبدو كبالون اختبار أميركي موجه للأوروبيين قبل التوجه نحو الهدف الأهم وهو إستونيا ومنطقة البلقان وأوكرانيا التي تعتبر خاصرة أوروبية وروسية ضعيفة، وفي الوقت ذاته وفي تزامن مريب تغلي منطقة الشرق الأوسط بالدعوة للاستفتاء على استقلال كردستان العراق، حيث جاءت التصريحات الأميركية القلقة من استفتاء كردستان على عكس دعمها الخفي لهذا الأمر، لتتشجع أكثر فأكثر الأصوات المطالبة بالتقسيم ثم تقسيم المقسم وتفتيت المفتت في الشرق الأوسط الذي يمر بمرحلة استثنائية بل كارثية سادت فيها فوضى الخرائط والأعلام، وتنامت أحلام الانفصال لدى القوميات الصغيرة منها والكبيرة، فأصداء ما يحدث في كتالونيا يُسمع بوضوح في دغدغة الأحلام الانفصالية في الشرق الأوسط

كل ذلك يأتي بعد الإخفاق في جرّ الروس للمعركة الأوكرانية، لذا لا بد من استنزافهم في منطقة البلقان وإستونيا، وخلق جيوب ضعيفة تنخر في الاستقرار الأوروبي ليبقى الاتحاد الأوروبي أسيرا لأميركا، وإحداث شرخ في جدار المحاولات الروسية والصينية للفوز بالصراع الاستراتيجي بالسيطرة على مراكز عالمية في قارتي آسيا وأوروبا وسحب البساط من تحت الأميركان الذين يدركون أن فرصتهم في النجاح بالحروب الكونية السياسية تتضاءل، لذا كان البديل خلق القلاقل وفتح جيوب رخوة وخوض حروب بالوكالة عنهم، فكان إحياء المسألة الكاتالونية رسالة شديدة اللهجة للأوروبيين والروس، وإيماءة خفية لطموحات الحالمين والطامحين في أماكن أخرى من العالم وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط.

ملكون ملكون