كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة 16/

1
بقلم نبض شرقي

 

(١٥)

استيطان الأرمن في القامشلي مرتبط، ببساطة، بالمجازر التي تعرضوا لها وفرمانات الإمبراطورية العثمانية بتهجيرهم، والإتفاقيات التي عقدها الأتراك مع الفرنسيين بتفريغ تركيا من المسيحيين ووضعهم تحت الحماية الفرنسية.

الذين لم يُذبحوا، نجحوا بالفرار وتشرذموا في كل الإتجاهات. منهم وصل إلى القامشلي، التي كانت فتية غرّة باحتمالات متسارعة للنمو والإزدهار، وفي حماية القوات الفرنسية بطبيعة الحال.

هاكوب، زميلي في الصف السابع، أول المرحلة الإعدادية في ثانوية العروبة في نهاية شارع القوتلي حينذاك، كان الحفيد الناتج لتلك الهجرة.

إحتمال أن يكون بعض أفراد عائلته قد قتلوا على يد بعض من أفراد عائلة أبي، جدلياً، ليس بالمستبعد، أو أن جدّه أُنقذ من النحر بمساعدة من أفراد عائلة أبي الآخرين.

كان شارع مروان، ومعظم شوارع قدور بك، قد خضع لعملية تجميل فكُحّل بأسفلت حار حرّيف برائحة المطاط المحروق.

في البداية أرسلت البلدية عمالاً سووا الأرض وهيأوها للمدحلة الكبيرة التي أقضت مضاجعنا بدمدمات ثقيلة اهتزت لها بيوتنا الهشّة. وحالما غادر العمال مع معداتهم الكثيرة، بعد أن رشّوا طبقة سوداء سائلة من الأسفلت، خرجنا لنمتّع أنظارنا بمشهد الشارع المستقيم جنوباً وشمالاً. كان يشبه، تحت وهج الشمس، ذلك الثعبان الأسود الذي زحف فارّاً في مزرعة خالي الصغيرة في قرية سرمساخ.

الفتيات أسرعن برسم خطوط ومربعات بالطباشير، وصرن يقفزن فرحات، بينما كنّا نجلس على طرف الرصيف نتبادل الأحاديث ونسترق النظر إليهن.

بيوت قدور بك صارت نظيفة على غرار بيوت حي الوسطى.

قد تكون نتيجة وحاصل تحصيل لموجة التمدّن هذه، أو قد تكون تقليداً أُخذ به من قبل، لكنني لاحظت، في كل صباح، نساء الحي يجلسن على مصطبات أبوابهن المطلة على الشارع ويسرّحن شعورهن المبللة.

لم أكترث حينذاك بتلك الظاهرة لكنها بقيت مطبوعة في ذاكرتي. إلا أنني، وبعد عودتي إلى دارنا القديمة وأنا في الخامسة والعشرين من عمري، لاحظت أن النساء كنّ يقمن بنفس الطقوس.

كانت، بكل بساطة، إشارة يرسلنّها إلى الآخرين على أنهن مازلن يغوين أزواجهن، وما هذا الشعر المبلل سوى نتيجة لإغتسال الجنابة، بعد ليلة ايروتيكية.

تلك الثورة الحضارية شملت إصلاحات في بيتنا، تفوق ما جرى في الشارع.

بناء الإسطبل هُدم وأشيد بالإسمنت كغرفتين، واحدة كمطبخ برفوف وغاز، والثانية كحمام بمدفأة يعلوها خزّان ماء ومقعد خشبي صغير نجلس عليه أثناء الإستحمام.

التحديث شمل المرحاض أيضاً. السور الترابي الذي أحاط بالمنزل كله صار إسمنتياً أيضاً وبإرتفاع عزلنا عن بقية الجيران.

فيما بعد، وبتخطيط هندسي مرموق من أخي، تحولت الغرفة التي لعبت دور الحمام والمطبخ سابقاً، إلى غرفة لإستقبال الضيوف بثلاثة أبواب فيها أريكة وكراسي مريحة من ورشة النجار صبري.

باب للدخول من الفناء نفّذه صبري أيضاً. خشب بني فيه نوافذ صغيرة غلفت من الداخل برقائق بلاستيكية ملونة مثل الزجاج المعشق، ولتعطي إنطباعاً يُذكّر بنوافذ الكنائس الممشوقة الطول، وبابان آخران يُفتحان على الغرفتين على اليمين وعلى اليسار.

الغرفة التي كنّا نؤجرها صارت غرفة الرجال منذ حين، لأخي حينما يعود من الحسكة في العطل المدرسية ولي.

الفناء الذي كان يُزرع ببعض الزهور الموسمية التي سرعان ما تحيلها الشمس إلى هشيم، حولّناه، أخي وأنا، إلى حديقة مزروعة بالحشيش على غرار ملاعب كرة القدم.

الحشيش جئنا به، بعد عشرات الغزوات، من أطراف نهر جغجغ أيام الربيع الأولى حيث ترتدي الأراضي حلّة خضراء جميلة.

كنّا نكشط قطعاً مستطيلة رقيقة من الأرض ونحرص على عدم تمزيق جذور الحشيش، لنعاود صفها كالبلاط في فناء المنزل.

توافد الجيران، بعد أن فرغنا، ليبدوا إعجابهم بهذه التقليعة الجديدة على قدور بك، ومراقبتي وأنا أسقي منجزنا هذا بخرطوم المياه الأخضر الطويل.

إشترى أخي أيضاً دراجة هوائية جديدة من طراز بيجو وعلمّني كيفية ركوبها بعد أن جرحت أطرافي كلها. أحياناً كنت أجلس أمامه مع قطتي ونذهب في جولة حول نهر جغجغ.

لم ير الجيران قطة على دراجة من قبل.

هناك، على حافة النهر، كانت قطتي تخاف فتمشي زاحفة على بطنها وهي تسكتشف الجوار وتشتمّ رائحة الأسماك من المياه.

في تلك السنوات توافد على القامشلي مئات الطلبة من قرى الجزيرة طلباً للعلم في مدارسها الإعدادية والثانوية، لعدم توافر هذه المدارس في بلداتهم وقراهم، وساهموا، كما زبائن سينما كربيس وفيلم عنترة، في زحزحة الوضع الإقتصادي الصعب للمطاعم والمحال التجارية وللمؤجرين.

وبشكل، أجزْمُ، غير مخطط له، سكن الطلاب الأكراد في قدور بك والسريان في الوسطى.

هكذا تعرّفت على أمين من قرية گركيلگي على بعد خطوات من رميلان، مركز النفط في الجزيرة، التي كانت ماتزال تزدهر وتكبر، والواقعة مباشرة على الطريق الأسفلتي الوحيد الذي يربط القامشلي وديريك. هنا، صار لي موطئ قدم في القرى الشرقية من جديد، دون أن أدري، سادّاً الفراغ الكبير الذي خلفته عندي قرية سرمساخ.

أمين كان يصحبني معه أحياناً إلى القرية في بعض العطل المدرسية، ووجدت نفسي، مرة اخرى، وسط أناس قرويين أحبهم وأثق بهم أكثر بكثير من أي أناس آخرين.

الحياة في گركيلگي كانت أكثر إنفتاحاً والمحظورات مباحة أكثر.

والد أمين كان يملك نصف القرية، وقد يكون هذا سبب معاملة الناس لي بلطف زائد.

كانوا يسمونني ابن المدينة، إستهزاءاً أحياناً، وإعجاباً مرات اخرى، حسب الموقف.

كنّا نتحلق في المقهى ونلعب الكونكان والطرنيب ونحتسي الشاي مع آخرين يماثلوننا في العمر.

كان هناك في الأمسيات رجال لوحتهم الشمس وضيقت عيونهم، يضعون قليلاً من الزيت على طرفي أفواههم وتحت شاربهم إشارة إلى أنهم تناولوا عشاءً من اللحوم الجيدة كثيرة الدهن، كانوا أيضاً يلعبون الكونكان والطرنيب.

في ساعات الظهيرة كنّا نتمدد على الوسائد في غرفة الضيوف الكبيرة ونستمع لحكايا والده حجي سعيد، بعد أن نفتح الباب والنافذة في الجهة المعاكسة لننعم بنسيم طيب مُبرّد لا يعرف أحد مصدره، في طقس حارّ جاف لا يُحرّك قشّة في الخارج.

الليالي كنّا نقضيها على السرير الواسع على سطح العلّية ونسمع بعض السكان يتحدثون في عتمة المكان من سطح لآخر.

ولأسلوب التواصل الإجتماعي هذا صلة بقصة حمو المتزوج من عيشكي. لاحظت عيشكي أن حمو هجرها في فراش الزوجية فبدأت تحقيقاتها البوليسية الخاصة واكتشفت أن حمو يعاشر الأرملة الحسناء گلي التي كانت تؤدي خدمات جنسية بمقابل مالي، كي تؤمن العيش لأطفالها الصغار، في كوخ مهجور على طرف القرية.

ضاعفت لها المبلغ لقاء أن لا تذهب تلك الليلة الحالكة. عيشكي ذهبت إلى الكوخ قبل الموعد بساعة وتمددت هناك بانتظار حمو. جاء حمو وقفز عليها ناطقاً بكلمات غزل رقيقة، بعد هنيهة سألها باستغراب: ماذا جرى لك بحق الله؟ أنت الليلة أحسن من كل مرّة.

عيشكي أشعلت القداحة التي كانت بيدها، فلاحظ الرجل أنها زوجته، فقال: الحرام يحقق المعجزات. ثم تابع.

ثم كان هناك وصفي الذي طاب له دوماً معاشرة زوجته في أيام الصيف، وكان سكان القرية يرون مؤخرته تلمع بوضوح حين إنعكاس ضوء القمر، فيتندّرون عليه بصوت عالٍ، ويتجرأ بعضهم على إتهامه بإخراج الضراط من زوجته بسبب شبقه الكبير، دون أن يزعجه ذلك أو يصرفه عن مهامه.

كانوا يروون هذه القصص ويصخبون في قهقهة عالية، وكان أمين ينقلب على قفاه ويمسك بطنه من شدة الضحك.

في البداية شعرت بالحرج. إلا أنني بدأت أتفهم الجانب الممتع فيها.

في كل الأحوال، لم يكن لي في عالم الرجال سجل حافل.

 

منير المجيد