كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة 17 /

1
بقلم نبض شرقي

 

(١٦)

في الصف السابع انكببت على الرسم وتوطدت علاقتي بمدرس الفنون.

مرّة تجرأت على رسم مدير الثانوية كاظم على اللوح على نحو كاريكاتيري، اقتبسته، لا بل سرقته، من «بهرم حاجو»، فأسرع زملائي بإخبار مدرس الإنكليزية الفلسطيني الأستاذ سعيد، الذي بدوره طلب مني أن أعيد الكرّة وأرسمه من جديد فلم تسعفني يدي وفشلت الرسمة.

أحببت أيضاً دروس اللغة الإنكليزية.

صريح القول، كل المواد إلا الرياضيات وأخواتها.

هناك أيضاً تابعنا إصدار مجلة الحائط، صبحي وزملاء آخرين وأنا. كنت أزور هاكوب الذي كان يسكن في بيت مجاور للمدرسة، ثم تعرّفت على إسحق، الزميل اليهودي الوحيد في مدرسة العروبة.

هجرة اليهود إلى القامشلي لا علاقة لها بمطاردة الأتراك لهم. وجودهم في آسيا الصغرى يعود، بمعظمه، إلى طردهم من الأندلس.

الآلاف منهم رسوا على شواطئ تركيا على البحر المتوسط وتمركز معظمهم في إزمير.

مع الزمن تفرقوا في أنحاء ومدن اخرى حتى وصلوا إلى دياربكر ومدياد وماردين ونصيبين. ومن نصيبين أسسوا تجارة ازدهرت، في فترة الإمبراطورية العثمانية، خاصة مع قرى سهل الجزيرة.

بعد تقسيم ورسم الحدود بين سورية وتركيا وجدوا أنفسهم معزولين عن زبائنهم، فاختاروا النزوح مسافة كيلومترين نحو الجنوب، وعلى مقربة من الثكنة الفرنسية، قبل فرار الأرمن والسريان والأكراد، ببضع سنوات، خوفاً من بطش الأتراك.

بنى اليهود بيوتهم ومحالهم في موقع صار، بعدئذ، وسط المدينة. محال تجارة الأصواف والسمن والعطارة والخياطة والحلاقة. مقوّمات نشوء الحضريات.

مع إزدياد وتيرة هجرة الأقوام الاخرى. شكل اليهود في السنوات الأولى لنشأة القامشلي الطبقة الإجتماعية الرفيعة، في الواقع، والسبب يعود بالتأكيد إلى خبرتهم وباعهم الطويل في تسيير الأعمال، وحرفية تعلّم منها العديد من المهاجرين.

عزرا كان الأشهر بدكانة العطارة الآتية من قصص ألف ليلة وليلة.

أحياناً كنّا نجمع قشر الرمّان، ننشّفه ونبيعه له.

قيل لنا أن قشر الرمان يُستعمل في صناعة الألوان، ولم يسعني التأكد يوماً من صحة الأمر.

إسحاق كان أيضاً يصحبني إلى بيته، وفي حي اليهود تعرفت على عدد آخر منهم.

أدخلوني إلى بناء الكنيس المتواضع وكان الناس هناك يرتدون الكالوت ويتكلمون بالعبرية. فاجأني أني فهمت بعض الكلمات.

لم أفهم أيضاً سبب حضوره ساعة الديانة مع المسيحيين وليس معنا، فقال أن دروس الديانة المسيحية أسهل.

رافقته مرّة إلى المقبرة المسيحية في قدور بك، بحكم وجود بيتنا على مبعدة بسيطة منها، لزيارة قبر أحد أفراد عائلته، لأتفاجأ مرة اخرى بوجود قسم يهودي فيها لم أره من قبل.

على الشواهد التي كُتبت باللغة العبرية لاحظت تواريخ مدوّنة تعود إلى العام ١٩١٩، قبل أن تكون القامشلي قامشلي.

هذا يعني أن مقبرة المسيحيين كانت مقبرة يهودية في البدء.

في بيته أيضاً، قدمت لي والدته نبيذاً من صنعها لم أستطع نسيانه، ومازلت لا أعرف السبب، هل لأنه كان طيب المذاق أم أنه كان أول تجربة لي في تذوق هذا الشراب الرّباني الذي جاء ذكره في كل الكتب السماوية، حتى أن الجنة يسير فيها نهر من الخمر حسب القرآن، والمسيح اعتبر قليله مُنعشاً للفؤاد.

اليهود، وفقاً لأدبياتهم، تاهوا وتشتتوا لآلاف السنوات قبل أن يعودوا إلى فلسطين، موطن التوراة التي وعدتهم بهذا الحق، ولكن قبل أن يؤسسوا دولة إسرائيل في رئة المنطقة، مروّا على منطقة في جنوب نصيبين وأسسّوا القامشلي.

هذا إستنتاج من أدبياتي الشخصية.

كنت أرافق أخي أحياناً وهو برفقة أصدقاء له، وكنت أشعر بالفخر جراء ذلك. هويتي كانت في مسارها للتبدّل والتغيير الأبدي.

ذهبت معه، عدة مرات، إلى نادي المعلمين على الطريق بين المركز الثقافي ومنتزه ماميكون الصيفي قرب مبنى السراي، بينما كان على وشك الإنتهاء من دراسته في الحسكة.

هناك، كما في گركيلگي كنت ألعب الطرنيب والكونكان مع أصدقائه.

في إحدى المرّات كنّا نتحلق حول طاولة قريبة من طاولة مدرس اللغة الإنكليزية الأستاذ سعيد، فابتسم وأشار لي بيده مرحباً وأكمل لعب طاولة الزهر مع، ربما، مدرس آخر. سمعت ميخو، الذي كان يدير النادي ويلبي الطلبات، يسأل: إيش أجيبلك (ماذا أحضر لك) إستاذ سعيد؟ ضهري. أجاب الأستاذ سعيد، فأنفجر الجميع، بمن فيهم ميخو، بضحكة كبيرة، إلا أنا الذي لم يفهم حينذاك الجانب الفكه في جوابه.

فيما بعد اشتهرت قصة «إيش أجيبلك»، وصار الناس يتداولونها، بل يستعملونها في مناسبات ولقاءات كثيرة.

في تلك السنة شاركت في مسرحية، إذا جاز التعبير، ضمن إحتفالات عيد الجلاء على مسرح المركز الثقافي كما جرت العادة.

أعطوني دور اليهودي، وذلك برسم النجمة السداسية على قبعة طويلة مصنوعة من الورق المُقّوى وسالفين طويلين وشارب على شكل خطين أسودين رفيعين على طرفي فمي رُسموا بقلم فحم، وزميل آخر بقبعة عليها العلم الأمريكي دون سالف وشارب.

لم نتفّوه بكلمة واحدة، بل تعرضنا لضرب مبرح من مجموعة من الثوريين وآخرين يمثلون الشعوب الكادحة، وضعوا حبلين في رقبتينا كالكلاب وجعلونا نركع.

غنّي عن القول أن المسرحية تركت أثراً لدى البعض، لا سيّما أننا دُعينا لتقديمها في عامودا أيضاً.

تلك الأمسية، وفي كواليس مسرح المركز الثقافي قابلت جورجيت لأول مرة، حيث كانت أيضاً تشارك في تمثيلية ثانوية القادسية للبنات. شدّتني إبتسامتها الحزينة.

شاركت أيضاً في معارض الرسم المدرسية السنوية، وفي تلك السنة اتخذ مدرس الرسم قراراً بتخصيص قاعة لي، غرفة صف كاملة، مما اضطرني إلى بذل مجهود أكبر في تغطية جدار تلك الغرفة برسوماتي. مناظر طبيعية من شوارع القامشلي وريفها بالألوان المائية.

باقي الوقت صرفته بزيارة صالة المركز الثقافي وقراءة روايات روسية، إنكليزية وفرنسية وقليل من نجيب محفوظ.

في الصيف كنتُ صبي الأعمال المختلفة لدى عيادة ومشفى الطبيب الجرّاح ماجد على الشارع العام، التي إحتلّت قسماً من دارة عائلة قدور بك، ناسياً أو متناسياً تجربتي الدرامية لدى الدكتور أبو السعود.

الدكتور ماجد لم يكن مكثراً في الكلام، وإن قال شيئاً فإنه كان يدمدمه، كثير التدخين. رائحة سكائره كانت تنتشر حتى إلى الرصيف أمام العيادة.

عدة مرّات شهدته يطلب من المرضى التوقف عن التدخين وفي يده سيكارة، بينما المريض ينظر إليه مبستماً دون أن يجرؤ على قول شيء.

أثناء العمليات الجراحية، كانت تساعده إحدى الممرضات من مستشفى القامشلي العام، تقوم قبلها بترتيب كل المعدات وتفرشها على طاولة معدنية قرب كرسي الدكتور في غرفة العمليات، وأنا بدوري كنت أساعدها حينما تطلبُ مني ذلك.

كنت أيضاً أقف هناك أنفذ ما تأمرني به الممرضة المرتدية أبداً رداء الممرضات الأبيض، تاركة أزراره العلوية مفتوحة فتجعل صدرها يبرز على نحو شهي، خاصة حينما كانت تنحني مناولة الدكتور آلة أو أداة.

مرّة جاءت حالة إسعاف ولم يكن في العيادة سوى الدكتور وأنا.

الممرضة كانت في نوبتها في المستشفى مما حال دون مجيئها.

سيدة تحتاج لإجهاض بسبب موت الجنين.

الدكتور طلب مني تحضير غرفة العمليات، وأنا  شعرت بقدر المسؤولية وأرعبني مقدارها، إلا أنني سارعت بتعقيم يدي وصففت الأدوات مُقلداً الممرضة ذات الصدرية المفتوحة.

نقلنا، الزوج وأنا الإمرأة وجعلتها تستلقي على سرير غرفة العمليات، جاء الدكتور وعقّم يديه أيضاً، وأعطاها حقنة، ثم ثبّت قناع غاز التخدير على وجهها، وطلب من الزوج الخروج، فقال ماذا بالنسبة لهذا الشاب؟ رافضاً فكرة أن أرى زوجته عارية هناك.

الدكتور ماجد غضب بشدة من الرجل ووبخّه وطلب منه أن يغادر مصطحباً زوجته التي كانت في حالٍ سيئة. فقبل الرجل بقائي قبل أن يدفعه الدكتور خارج غرفة العمليات.

رفع ساقيّ المرأة في حلقتين معدنيتين منصوبتين على الطرفين، نزع عنها ثيابها وغطى نصفها العلوي بقماشة بيضاء على أطرافها خط أزرق، جلس وقال شيئاً للإمرأة فلم تردّ، فمدّ يده دون أن يقول أي شيء. ناولته الأداة فاستعملها دون أن يقول إي شيء. هذا عنى أنها كانت الأداة الصحيحة.

ناولته الثانية والثالثة وما تلى أيضاً. شعرت بدوار وكنت شبه مغميّ عليّ أمام هذا المشهد، مشهد الدكتور وهو يُخرج قطع لحم صغيرة مدمّاة من رحم هذه المرأة، لكنني تابعت عملي كممرض مساعد للدكتور الجراح ماجد.

منير المجيد