كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة 18

1
بقلم نبض شرقي

 

(17)

المد العروبي الذي طال سورية، زادت وتيرته في نهاية الخمسينات، إبّان الوحدة، وأثرّ في شؤون الحياة اليومية لمواطني القامشلي.

الأكراد، على وجه الخصوص، وجدوا أنفسهم في مأزق كبير إثر إحصاء السكان عام ١٩٦٢، فتردّدت مصطلحات جديدة مثل «مكتوم» و «أجنبي»، تُفيد أن بعض الأكراد عبروا الحدود من تركيا، وآخرون لا يحوزون مستندات وأوراق رسمية.

هذه الإجراءات حرمت، بطبيعة الحال، شريحة واسعة من الأكراد من فرص الدراسة والعمل وملكية العقارات وما إلى ذلك.

التهميش أبعدهم عن خوض الحياة السياسية والمساهمة بفعالية في المجتمع، خاصة وأن قيادات الأحزاب تعرّضت للإعتقال، كما جرت العادة، وبشكل تعسفي أكبر، علاوة على منع اللغة الكردية وتغيير أسماء القرى إلى أسماء عربية.

حتى الآباء مُنعوا، في وقت لاحق، من تسمية موالديهم بأسماء كردية لعدة سنوات، وفي وقت لاحق أيضاً، فُرض الأمر الواقع ببناء الحزام العربي، وذلك بإستيطان عشرات الآلاف من العرب من قرى حوض الفرات في القرى الكردية على طول الشريط الحدودي مع تركيا، لتتسبّب في مشاكل وتوترات اجتماعية ونتائج وخيمة.

الأكراد أسموها «تعريب».

التغيير الديمغرافي هذا جربّه الأتراك حينما، قسراً وبشكل عكسي، وطنّوا مئات الآلاف في هضبة الأناضول إبان الحروب بين روسيا والإمبراطورية العثمانية درءاً لخيانة، محتملة، من جانب الأكراد للتحالف مع الروس. هذه سُميّت بـ «تتريك».

وتاريخ الأكراد لا يمكن فصله عن تاريخ بقية الطوائف، وخاصة الرئيسية منها.

تطورات الأحداث اللاهثة في شرق المتوسط. بعد تقسيم المنطقة بين الحلفاء المنتصرين على العثمانيين، أو الرجل المريض كما كانت الإمبراطورية المترنحة تُدعى، أشعلت الخلافات بين الكماليين ورثة ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية وقوات الإنتدابين الإنكليزي في العراق والفرنسي في سورية.

أما موقع الجزيرة السورية بين هذه الدول الثلاث فإنه أضاف للأحداث صفة شيّقة مثيرة تمثّلت في الإنشقاقات التي سعت إليها هذه القوى، التركية ـ الفرنسية ـ الإنكليزية بدبّها في صفوف العشائر والقبائل، لا بل أنهم نجحوا في إثارة العداوة بين فخذ وآخر من أفخاذ بعض العشائر العربية، مستفيدين من صراع رجالاته على الزعامات.

الأمر شمل الأكراد أيضاً، وخير دليل على ذلك بزوغ نجم حاجو آغا من عشيرة هفيركه. فالرجل جمع حوله ثلّة من الرجال الأشداء وأغار على مقر الحامية الفرنسية في قرية بياندور وقتل بعض العساكر، ليتحول إلى بطل إقليمي.

لكن يبدو أن الدافع الرئيسي لم يكن له علاقة بأعمال بطولية بل بسبب إنتقام من إهانة الفرنسيين لبعض أبناء عشيرته.

وكان لتصالح حاجو مع الفرنسيين أثر كبير عليه وعائلته، لأن الفرنسيين بعدها اقتطعوا له أراضي شاسعة خصبة على حساب الفلاحين الفقراء ليصبح أحد أكبر الإقطاعيين في المنطقة الشرقية من القامشلي، وزعيماً كردياً قومياً، خاصة بعد تحالفه مع السرياني رئيس بلدية القامشلي ميشيل دوم وحاخام القامشلي ومطران السريان وزعماء من عشائر طي وشمّر عام ١٩٣٣ مطالبين بالحكم الذاتي، وحين رفض البرلمان في دمشق هذا المطلب، قام هؤلاء من خلال مضبطة أعيان الجزيرة بنبذ الوحدة مع سورية وإعلان دولة الجزيرة السورية على غرار دولة الدروز ودولة العلويين، تحت إشراف الحاكم العسكري الفرنسي.

في ذات الوقت قام زعماء آخرون من العشائر العربية وعلى رأسهم دهام الهادي بالتعاون مع بعض الأكراد والسريان برفض المشروع الإنفصالي والتزامهم بوحدة الصف والتبعية للدولة السورية الفتية.

لكن نتيجة الإنتخابات البرلمانية رجحت كفّة الإنفصاليين، وكانت الجزيرة على شفى حرب أهلية لولا بدء الحرب العالمية الثانية التي تُوّجت بالإنسحاب الفرنسي وتوحيد الدولة السورية.

استمرت الحياة في القامشلي، وبقي السريان يتحدثون السريانية، والأرمن يتحدثون الأرمنية، والأكراد علّموها لأولادهم المواطنين منهم أو المكتومين أوالأجانب، والموسيقى الكردية عُزفت في الأعراس الراقصة وبقيت على حالها وأثمرت عن مغنين بقدرة قادر.

عائلتي كانت من الفئة المحظوظة. ظللنا مواطنين سوريين.

الغريب في الأمر، ورغم كل هذه القيود، كان يُسمح للأكراد أحياناً بإحياء عيد النوروز، فيصخبون في السهول المحيطة بالقامشلي ويعقدون حلقات الگوڤنده (الرقص)، ويأكلون الكباب المشوي على الفحم ويحتسون العرق.

مضت السنوات وصار في القامشلي أنواع مختلفة من أجهزة المخابرات، تصارعت أحياناً لتفرز الحالة مكاتب مخابرات قوية واخرى ضعيفة. وفي كل مرّة اجتمع الأكراد في الحادي والعشرين من شهر آذار، اليوم الذي تتحالف فيه السماء مع آلاف الأطفال والرضع والرجال، بأزياء الشال والشاپ الكردية غير المريحة، والنساء بفساتين ملونة بشدة، فتتوقف عن المطر.

يذهبون سيراً على الأقدام أو في حافلات إلى أطراف المدينة حيث الأرض خضراء.

بينما تتوافد الحشود، يتمركز هناك على مقربة منهم نوعان من المخابرات، الأول لا يحب التظاهرة ويحاول تصيد أي فرصة سانحة للقيام بإعتقال أحد ما، والثاني، وهو الأقوى، يربض هناك كي يمنع الأول من إعتقال أحد ما. عبثية اخرى لا يوجد مثيل له إلا في القامشلي.

والدتي كانت تعاني بشكل تدريجي من ضعف النظر، واستسخفت فكرة النظارات الطبية، فما كان منّا إلا إيجاد قرآن حروفه كبيرة لدى مكتبة أنيس مديواية، هذه الحروف التي كبرت سنة بعد سنة. كانت تقرأه يومياً، وتجيد نطق الكلمات بتشكيله الصحيح على نحو أدهشنا دوماً، رغم أنها لم تتحدث جملة مفيدة واحدة باللغة العربية.

لم تنجح في جعلي أواظب على الذهاب إلى الجامع، بعد تجربتي المريرة مع معلمي الحموي، الذي تسببت في قطيعة بيني وبين الفروض الدينية.

في أحد الأيام زارني أمين ودعاني إلى تناول الكباب لدى مطعم كربيس الصيفي، كان في الواقع يعرف نقطة ضعفي إزاء الكباب.

فناء المطعم كان مثقلاً برائحة الكباب والخبز والعرق والنعناع وخضار اخرى.

طلب أمين كل ذلك وسط ذهولي. عرق؟ كيف؟ فطمأنني وقال سنكتفي بالقليل منه، لأنه لذيذ جداً مع الأكل.

لم نكتف بالقليل وسرعان ما دار رأسي وثقل وسكرت، لأول مرّة في حياتي.

حينما عدنا إلى البيت كانت أمي، أختي الكبيرة واختي يجلسن تحت الكرمة ويتمتعنّ برطوبة ليل القامشلي.

أنا سارعت إلى الحمام وتقيأت وكنت في حالٍ يُرثى لها، بينما وقف أمين هناك يراقب الوضع قلقاً.

أمي صرخت وقالت كيف تشرب العرق وتأتي إلى البيت في حالة سكر، فقلت لها تلقائياً ومذاق القيء يملأ فمي: وكيف عرفت أنه عرق؟ هل سبق لك شربه؟

أمين سارع بمغادرة المكان دون أن يقول شيئاً.

في تلك الأيام صرت أشعر بآلام في خاصرتي اليسرى.

منير المجيد