كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة 19

1
بقلم نبض شرقي

(١٨)

عمليات التجميل التي طالت شارع مروان من بناء الأرصفة وتعبيد الشارع وطليه بالأسفلت، سُرعان ما تلاشت. الأسفلت تقرّح وتشقق وتكوّنت حفر صغيرة وكبيرة كان بوسعها كسر قوائم الحمير.

الأرصفة التي صُبّت بالإسمنت تعرضت هي بدورها للدمار والدمامل.

البلدية لم تقم بأعمال الترميم مطلقاً، ولم يكترث الناس بالأمر، فعاد التراب والطين ليسيطرا على المشهد.

جاء جيل جديد من الأطفال، وكانوا يتغوّطون ويتبوّلون في كل مكان، عذبوا الهررة الصغيرة التي رماها الناس دون رحمة، وطاردوا المجانين والمختلين والدجاج بالحجارة.

في ساعات الليل الأخيرة جاءت قطعان من الكلاب الضالة الهزيلة الجائعة بحثاً عن طعام في أكوام القمامة الصغيرة، مهددة، ببربرة ونباح، كل من سار في الشارع.

النسوة بللّن شعورهن وهن يتبعن طقوس ما بعد معاشرة زوجية، ربما، لم تحدث، والفتيات الصغيرات اللواتي كن يرسمن بالطباشير، من قبل، صار لهن أثداء صغيرة، وندر ظهورهن في الشارع.

حسنيكو، راقص الأفلام الهندية كان قد إستعاد عافيته وتابع هوايته المحببة بأداء رقصاته في الأعراس.

شقيقه كان قد تزوج من عاهرة تائبة أحبها الصغار والكبار في قدوربك. كانت بيضاء البشرة وتضع إيشارباً أبيض، وتشبه قديسة إيطالية من لوحات عصر النهضة.

تابعنا نزهاتنا على ضفاف نهر جغجغ رغم شحّ مياهه.

تناول الأطفال والنساء التبّولة، واحتسى الرجال العرق وهم يحملون سكائر بين أصابعهم، بينما عربات بيع الخس تجوب جموع المتنزهين.

شهد المتنزهّون مرّة إحدى النساء تتخاصم مع زوجها وقالت بصراخ وحدّة أنها لن تتحمل هذه الحياة أكثر من ذلك، ورمت بنفسها في النهر وظلت مستلقية هناك يغطيها الطين.

قام آخرون من عائلتها بمساعدتها على الوقوف فغطت المياه كواحلهم فحسب.

زوجها بقي جالساً في مكانه مكتفياً بهزّ رأسه.

محاولة الإنتحار المبتكرة هذه كانت القصة التي تنّدر عليها القدوربكيون لسنوات.

غابة شجر الحور كان عبو قد قطعها إرباً منذ فترة، وقلّص مساحة مزروعاته بسبب شحّ مياه النهر، مما أتاح لنا منفذاً سهلاً للذهاب إلى هضبة البدن المطلة على القامشلي ونصيبين من جهة الشمال. هناك، حالف الحظ بعضنا بنبش بعض العملات المعدنية التي تعود إلى عصور قديمة.

يُقال أن البدن شهد حضارات عديدة، وما نشوء التلّة التي تبدو غريبة في سهل واسع إلّا بفعل زلزال ضرب المنطقة فقلب كل شيء رأساً على عقب.

أقام الناس أعراسهم غير مبالين بالمتغيرات السياسية ووجود عناصر المخابرات، لكن تطلّب الأمر إستصدار ترخيص من الأجهزة الأمنية.

التقليعة الجديدة صارت إستعمال الميكروفونات ومضخمات الصوت، فردتّ جدران البيوت صدى الأغاني الراقصة وأحالت دون نوم الرضع والناس الذين اختاروا البقاء في البيت.

«أز كاڤوكه ليليه» بصوت المغني المنتشي وزغاريد النساء طغت على قدور بك، ولإرضاء عنصري المخابرات المتواجدين في صفوف المحتفلين، أدى المغني، ألحاناً لفريد الأطرش وصباح فخري.

تكاثر عدد خيام الغجر في الطريق إلى قرية العنترية شرقاً.

النساء قضين ساعات الظهيرة بقرع أبواب الناس يستجدين الطعام، ولم يبخل القامشلايون بوضع شيء من طعام غدائهم في قصعات هؤلاء النسوة.

كنّا نستغرب من ذلك المزيج الغريب الذي يحصلون عليه، حتى أن البعض كان يحتجّ على زوجته إن أكثرت من وضع أصناف عديدية من الخضار في الطعام، فيشبّه طعامها بطعام الغجر.

في الليل تقاطرت سيارات رجال القامشلي البيك أب اليابانية إلى خيم الغجر، حيث قام رجالهم بتحضير مازات وزجاجات الويسكي جوني وولكر، والنساء اللواتي كنّ يستجدين، غيّرن أزيائهن إلى فساتين فاضحة وتبرّجن بأحمر الشفاه، تحضيراً لليلة فاسقة يتخلّلها شرب الويسكي ورقص بإيحاءات جنسية، بينما رجالهن يعزفون على الطنبورة.

اشترى أخي راديو ترانزيستور صغير من نوع شارپ فصار ملازماً لي، خاصة في الأمسيات.

راديو صوت أميركا حظي بالشعبية الأولى، ومنه صرت أعرف أغاني يونانية، انريكو ماسياس وشارلز ازنافور، البيتلز والرولينغ ستونز، كل هذا في برنامج ما يطلبه المستمعون.

صرت من بطانة ومريدي مُقدم البرنامج قيسي قاسم، أو كيسي كايسم كما كان يُسمّي نفسه.

ذهبت لمشاهدة أفلام الموجة الفرنسية الجديدة في سينما دمشق وشهرزاد دون أن أفقه شيئاً منها.

عشقت الأفلام الإيطالية، وتعرفت لأول مرة على السوفييتية، أما الهندية فقد صرفت النظر عنها وأهملتها إلى الأبد.

في سينما شهرزاد أخذني فيلم إل ڤانجيلو سيكوندو ماتّيو إلى درجة مختلفة في الإنغماس في دنيا السينما البديعة. عنوان فيلم پييرو پاولو پازوليني الشهير كتبها رسام أفيشات دور سينما القامشلي اسكندر كارات على النحو التالي: انجيل متى الثاني.

في أحد الأيام، جاءت قافلة من الباصات الغريبة إلى القامشلي وجمعت عائلات أرمنية احتفظت بالقليل من أمتعتها ثم اختفت.

هاجروا إلى أرمينيا، ومن بينهم صديقي هاكوب.

كنت هزيلاً شاحباً وجباناً لم أشارك يوماً في عراك مع الأطفال أو الصبية، وفي بعض الأيام كانت آلام الخاصرة اليسرى تُقعدني دون حراك لبضع ساعات.

أثار الأمر قلق والدتي وأختي الكبيرة، وحينما لم تثمر فحوصات ثقاة الأطباء عن نتيجة، صاروا يعصرون لي الفاكهة ويكثرون من البيض النيء الذي لم أستسغه.

تحضيراً لإمتحانات الشهادة الإعدادية، إنضممت إلى قطعان من الطلبة حاملي الكتب وتوغلنا في صفوف المتنزهين على طريق المحمقية وتبادلنا النظرات مع فتيات الحي، وكأن التاريخ يعيد نفسه.

في الأيام القائظة وقبل قدوم المتنزهين، كنّا ندفن رؤوسنا في الكتب ونسير بهدود مبالغ، نتوقف لبرهة خلال ذلك، لنعيد فقرة ما ونتأكد من تثبيتها في أدمغتنا المحفزّة والمُهيأة لليوم الكبير.

اليوم الذي سيدخلنا مرة واحدة إلى عالم الرجال.

المشوار الدراسي كان يبدأ من بيت عيوشة، آخر البيوت المأهولة على الطرف الشرقي من شارع المحطة القديم وقبل الوصول إلى مقبرة المسيحيين ببضع خطوات.

كنّا نتمنى لو نحظى برؤية عيوشة قبل أن نبدأ مشوار القراءة بجدية، فهذه الفتاة كانت الشغل الشاغل لشبان الحي الذي كانوا يكبروننا ببضع سنوات.

جميلة بيضاء ممتلئة قليلاً لكن كان بوسعنا تشمّم جسدها الغض الذي كان يرسل شارات إغراء غير مرئية.

كنّا صغاراً في منظورها فلم تبادلنا تلك النظرات الحارقة بل كانت تتواصل مع الشبان الآخرين من فوق رؤوسنا.

مرّة، وأنا في طريقي إلى مشواري الصباحي الباكر متأبط كتابي شهدت منظراً عجيباً. حمار محمل بالبطيخ المحشو في خرجين كبيرين على ظهره يسوقه صاحبه إلى سوق الخضار في المدينة، صدف مروره بأتان غير مُحمّلة في طريق عودتها إلى المحمقية. راقته كما يبدو فتوقف ماداً رأسه باتجاهها وقالباً شفتيه غير آبهٍ لعصاة مالكه الذي كان يحثّه على متابعة طريقه، بينما هو ينهق كان عضوه الكبير الذي لا يتناسب مع جسمه النحيل والصغير ينتصب وكأن بطارية ما تتحكم به، ثم  نفض عنه فجأة، بحركة بهلوانية، حمله من البطيخ الذي تهشم بعضه وتدحرج الباقي في كل اتجاه وركض بحركة نصف دائرية نحو أنثاه التي أجزمُ أنه لم يقابلها من قبل، فتسلّقها وصار يتحرك بتشنج مصدراً مع الأتان أصواتاً غريبة. بينما وقف صاحباهما يرمقانهما شاعرين بعجزهما على فعل أي شيء. حدث كل هذا خلال لحظات قليلة.

فجأة ظهرت عيوشة على باب بيتها لتستطلع سبب كل هذا الضجيج. كان هناك جمع من الشبان والرجال والنساء والأطفال يتفرجون على المشهد وعلى وجوههم تعابير مختلفة. عيوشة كانت ترتدي قميص نومها الذي أظهر حلمتيها كحصوتين. هنا، صارت عيوشة محط الأنظار، فالتفت الناس إليها تاركين البهيمتين في حالهما، بينما كانت هي تراقب الحمار الجامح بوجه انطبعت عليه ابتسامة دهشة داعرة. بعد ذالك اليوم، أذكر أنني حلمت بعيوشة مرات كثيرة.

كنّا نمشي حتى تخوم قرية المحمقية، ثم ندور شرقاً نحو محطة القطار. وفي المحطة كنّا نجلس ونتفيأ في ظلال بعض العربات التي كانت تصدر رائحة شحم ومعادن وخشب.

أحياناً كنا نضحي بنصف فرنك ونضعه على السكة حين قدوم القطار ليتحول إلى ضعف حجمه وتختفي النقوش عليه تماماً. وإن سنح الأمر، في إستراحة القطار الذي كان يستجمع قواه ويوقف لهاثه، كنّا نتبادل الحديث بالإنكليزية مع بعض الأوروبيين وهم جالسين في عربات القطار في طريقهم إلى بغداد.

شمس الربيع القامشلاوي أحالت وجوهنا إلى سمرة مقمّرة.

في منتصف الإمتحان وبينما كنّا منكبين على الإجابة على أسلئة مادة اللغة العربية، سحبوا أوراقنا وطلبوا منّا الذهاب إلى البيت.

حرب حزيران ١٩٦٧ كانت على أشدّها.

منير المجيد