أفكار متقاطعة

 إبراهيم الجبين يكتب : تطاول الليل علينا دَمونْ

19732344_10155461686042288_5824761916286324324_n
بقلم نبض شرقي

 

بديعة تلك القطعة التي تركها امرؤ القيس بين كنوز ميراثه الشعري، مختلفة ومتميزة وتكاد تكون جدّة أولى للقصيدة العربية الحديثة. قال الملك العربي الشاب الباحث عن مجده ما بين الشمال والجنوب مخاطبا مدينته “دمون” في قلب حضرموت “تطاول الليل علينا دَمونْ/ دَمونُ إنا معشرٌ يمانونْ/ وإنا لأهلنا محبّونْ”.

وكثيرا ما تجد حين تبحث في القديم القديم من ورق الكتاب والمؤرخين وحتى علماء الطبيعة ما يثير الدهشة لسبقه عصره وشروط زمنه بمراحل عديدة. لتصبح عادة النكش في خردة الزمان متعة لا تفوقها متعة.

من تراث الكبار عبر العصور ما يمكن أن تعثر عليه في أماكن مهملة هامشية في بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة، حيث أغراض لا يهتم بها أحد، لكنها تعود إلى أناس غيروا تاريخنا وتاريخ العالم.

ومن تلك الأغراض ما عثرت شخصيا عليه، ذات مرة، في حديقة بيت قديم قرب مقام الشيخ محيي الدين بن عربي على سفح جبل قاسيون، آلة خشبية مائية ذاتية الحركة تعدّ نموذجا بدائيا للإنسان الآلي، صنعها إسماعيل بن الرزاز الجزري وتعيش وحيدة في بيته العتيق المهجور مخلع الأبواب.

أما كتاب “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل” للجزري فكان قد أودع في متحف بوسطن للعلوم في الولايات المتحدة. ذلك الكتاب الذي يعتبر ذروة الإنجاز العربي الإسلامي في علم الهندسة الميكانيكية قبل قرابة الألف عام.

وقد اندلعت فضيحة قبل فترة حين تسربت أنباء عن محاولة بيع بيت ومقتنيات الكاتبة اللبنانية مي زيادة في مزاد مغلق في القاهرة. أما دار سوثبي فقد احتفظت بملكية مقتنيات من أرشيف الروائي العربي العالمي نجيب محفوظ.

وضمت تلك المقتنيات مسودات أصلية مكتوبة بخط اليد، وقصة غير مكتملة ترجع لفترة الثلاثينات تسمى “قصة السودان”، وكتاب عن الفلسفة الإسلامية، وأصول لـ“أحلام فترة النقاهة” تصل إلى 300 مخطوط، ومجموعة صور فوتوغرافية، ورسائل شخصية. وكانت الغارديان البريطانية قد نقلت شكوى وزارة الثقافة المصرية من كونها تفتقر للاعتمادات المالية اللازمة لشراء المجموعة.

 

وقد قرأت قبل أيام أن معلوماتنا عن حواسنا ذاتها، باتت قديمة ومهملة هي الأخرى، وأنها بحاجة إلى تحديث. إذ بعد 2350 عاما على اللحظة التي حدّد فيها أرسطو حواس الإنسان بـ5 حواس، يكتشف العلماء اليوم أن حواسنا ليست خمسا.

ويقول هؤلاء إن حواسنا يتراوح عددها ما بين 22 إلى 33 حاسة، تتضمن حاسة الشعور بالتوازن والشعور بالحركة، ولكن يبدو أنه ليست من بين تلك الحواس العديدة حاسة الشعور بالحياء نتيجة التفريط بالحمولة الحضارية التي بين أيدينا. حقا لقد تطاول الليل وغير الليل علينا يا دَمون.

 

إبراهيم الجبين

جريدة العرب اللندنية