مدونات-جرائد

ملكون ملكون يكتب : ماريانو راخوي .. تكنوقراطي يقدم وصفة لإفشال تفكك الدول

p1000-page-012

 

بعد ست سنوات من توليه المنصب واجه عاصفة انفصال أحد أهم الأقاليم في الدولة التي يحكمها، كادت تعصف به وبوحدة أراضي بلاده.

لكنه واجه الأزمة العاصفة بحكمة وحزم وحسم، وأفشل الاستفتاء الذي كان يمهّد للانفصال. معيداً لوطنه خارطته الموحدة.

ماريانو راخوي رئيس وزراء إسبانيا المحافظ شعر بأن جرحاً يعتمل في كرامته الوطنية وهو يرى إقليم كتالونيا يحث الخطى نحو الانفصال. لذلك كان في أوجّ حدته وغضبه وهو يسابق الزمن ليفشل ذلك حتى لو كان على حساب الديمقراطية والشفافية، وحتى لو لطمت مشاهد الدماء في برشلونة الديمقراطيات الأوروبية.

 

رجل الأزمات

في عائلة محافظة ولد راخوي عام 1955 في سانتياغو دي كومبوستيلا بمقاطعة غاليسيا، وتشرّب العمل السياسي والحكومي من والده الذي كان يعمل رئيساً لمحكمة المقاطعة.

وجد راخوي أن دراسة الحقوق هي الطريقة الأفضل نحو عالم السياسة، فانتمى عام 1981 إلى الحزب الشعبي المحسوب ضمن أحزاب يمين الوسط وهو الحزب المسيطر على المشهد السياسي في إسبانيا مع الحزب الاشتراكي منذ غياب الجنرال فرانكو عام 1975.

لمع نجمه في الحزب وتولّى الوزارة خمس مرات، وبرز مدافعاً بعناد وقوة عام 2002 عن حادثة التسرّب النفطي، وبعدها بعام عن مشاركة إسبانيا في الحرب على العراق. فنال ثقة رئيس الوزراء وزعيم الحزب الشعبي خوسيه ماريا أزنار الذي أعلن أن راخوي هو من سيخلفه.

لكن ذلك كله لم يكن كافياً لفوزه في انتخابات 2004 و2008، قبل أن ينتهز فرصة رفض الناخبين الاشتراكيين التصويت في انتخابات 2011 ففاز بالأغلبية البرلمانية المطلقة، ثم في عام 2015 خسر الأغلبية المطلقة لكنه تمكّن من تشكيل الوزارة مرة أخرى.

لم تكن أعوام راخوي الماضية سهلة وميسرة، وهو الذي يصفه خصومه بأنه محافظ متشدد وقليل الحيوية، وأنه تكنوقراطي مملّ لا يدرك حجم المعاناة التي يعانيها الإسبان. لكنه بحنكة مذهلة رد عليهم عملياً بعد عام واحد من تولّيه المنصب عندما نجح في إنقاذ إسبانيا من الأزمة الاقتصادية التي كانت تجتاح العالم.

لكن ذلك كلفه مزيداً من الانتقادات لسياساته الاقتصادية التي كانت تنحو منحى المزيد من التقشف الحكومي، إضافة إلى الكثير من الأزمات الأمنية والإرهاب وضبط الحدود البحرية لوقف تدفق اللاجئين، لكن الأزمة الأكبر التي واجهها راخوي كانت الاستفتاء الكتالوني وانفصال كتالونيا عن إسبانيا.

أدرك راخوي أن الاستفتاء هو الاختبار الحقيقي له كرجل دولة، وأنها فرصة له لإثبات قدراته وحنكته السياسية ومحو الصورة النمطية التي سوّقها منتقدوه عنه بأنه “قليل الحيوية”.

 

يد من حديد

لأنه كان يستشعر الخطر الكتالوني مبكراً فقد أقدم على خطوة استباقية عام 2016 عندما استحدث منصب “وزارة الرئاسة والإدارات الإقليمية” لترويض إقليم كتالونيا المضطرب، وأسند هذه الوزارة لنائبته سورايا ساينز دي سانتا ماريا. تلك المرأة البالغة من العمر 46 عاماً تلقبها الصحافة الإسبانية بالمرأة الحديدية، وهي التي اختيرت خلال الأزمة الأخيرة رئيسة لحكومة كتالونيا في الفترة التي تفرض فيها مدريد الإدارة المباشرة على الإقليم.

واجه راخوي الاستفتاء بقوة، واضعاً الديمقراطية مؤقتاً على الرف، فتم التعامل مع الاستفتاء وجميع المشاركين فيه بقوة لدرجة أن الكثير من الصور الصادمة للرأي العام الغربي للكتالونيين والدماء تغطي وجوههم لم تحرك كثيراً أوروبا، لأن راخوي لّوّح لهم أن كتالونيا هي البداية في سلسلة طويلة قادمة من سيناريوهات الانفصال الأوروبية فالمتربصون كثر: إقليم الباسك، والحلم الأسكتلندي بالانفصال عن المملكة المتحدة، ومقاطعة فلانديرز في بلجيكا، وبدانيا في إيطاليا، وجنوب تيرول في إيطاليا أيضا، وكورسيكا وبريتاني والألزاس في فرنسا، وبافاريا في ألمانيا، لذا لم يكتفِ الأوروبيون بالصمت تجاه التعامل العنيف للسلطات الإسبانية مع الاستفتاء بل رفضوا فكرة الاستفتاء والانفصال منذ البداية.

وضمن نفس السياق تم التلويح بورقة بعصا اليمين المتطرف في إسبانيا حيث اعترضت جماعات اليمين المتطرف في مدينة فالنسيا مظاهرة لمؤيدي الانفصال وذلك بعد مرور تسعة أيام على الانفصال. حدثت مواجهات عنيفة بين الطرفين تم ضبطها من قبل رجال الشرطة، لكنها كانت مؤشراً مفزعاً للنخب الإسبانية الحاكمة وللأوروبيين بأن فاشية الجنرال فرانكو تتربص.

 

إيقاظ المخاوف الأوروبية

لعب رجل التكنوقراط على الوتر الاقتصادي لدى البورجوزاية الكتالونية بعد أن أيقظ المخاوف الأوروبية من سباتها العميق، مؤكداً لرجال الأعمال الكتالونيين أن قادة الانفصال أضعف من أن يكونوا قادرين على الحفاظ على قوة كتالونيا الاقتصادية، وعلى ضمان استثماراتهم وأن السياحة التي تعتمد عليها برشلونة بشكل كبير باتت في مهبّ الريح.

كانت الإشارة بقرب مغادرة 1600 شركة ومؤسسة اقتصادية تعمل في قطاعات حيوية، كالمصارف والسياحة والصناعة لبرشلونة، مما أربك الرأسمال الكتالوني ودفعه إلى الوقوف ضد الاستفتاء والانفصال فبدأ الشرخ يتشكل في الشارع الكتالوني. حيث ارتفعت الأصوات تشير إلى أن عوامل اللغة والثقافة والهوية لم تعد كافية لتحقيق الأحلام الانفصالية في عصر يتحكم فيه الاقتصاد العابر للقارات بالقرار السياسي للعالم، فلا معنى لانفصال إقليم هنا وآخر هناك طالما لا يخدم المصالح الاقتصادية للكارتلات الاقتصادية الكبرى.

ومما ساعد راخوي على إفشال الانفصال، أن الحلم الانفصالي يجعل الحالمين به لا يبصرون الظروف الإقليمية والدولية من حولهم، بل وأحياناً ينقادون خلف وعود سياسية سرعان ما تتبخر وتتلاشى على أرض الواقع. حدث هذا في كتالونيا وفي شمال العراق. لذا فإن من رسم الأحلام الوردية لبوغديمون والبارزاني أيضاً، هو من رمى بهما على أرض الواقع، الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا رفضوا الانفصال وتمسكوا بوحدة الأراضي الإسبانية.

 

زعماء الانفصال المهزومون

البارزاني انتحر سياسياً، وتحاول حكومته محو آثار الاستفتاء على الانفصال، وبوغديمون ورفاقه اليوم في بلجيكا هاربون وملاحقون قانونياً، والبعض الآخر من قادة الانفصال في سجون مدريد، والمظاهرة التي اجتاحت ميادين برشلونة بـ750 ألف متظاهر مطالبة بالإفراج عن الموقوفين، لم تفُت في عضد راخوي الذي دخل برشلونة منتصراً في اليوم التالي للمظاهرة الضخمة، لأنه يعرف حق المعرفة أن في صفوف هؤلاء المتظاهرين برز انقسام حاد يعكس الانقسام في الشارع الكتالوني، وأن الأحزاب الكتالونية لا تزال تتخبط وتختلف في الاتفاق على قائمة انتخابية في الانتخابات المبكرة التي دعت إليها مدريد الشهر القادم.

تقاطعات كبيرة بين الحدثين اللذين استأثرا بالاهتمام في الخريف الساخن الماضي، وهما الاستفتاء في كتالونيا وكردستان. إنّ بعد المسافة الجغرافية بين الإقليمين لم يمنع التشابه في الظروف والأسباب والنتائج التي آل إليها الاستفتاءان وقرارا الانفصال.

الدول المجاورة والمحيط الإقليمي والدولي لم تقف مع الانفصال، بل تركت قادته يواجهون مصيرهم. والانقسام الذي حدث في كتالونيا حدث أيضا في كردستان، إضافة إلى الآثار الاقتصادية لإغلاق المنافذ الحدودية البرية والجوية لكردستان والسيطرة على منابع النفط رجّح الميزان الاقتصادي للحكومة المركزية.

القانون الدولي العام يؤكد أن الانفصال لا يمكن أن يتم إلا إذا كانت الدولة التي يُرغب في الانفصال عنها تخرق بشكل كبير حقوق الإنسان، أو أن الطرف الراغب في الانفصال مهدد في كيانه هذا ما يصرح به البروفيسور في معهد القانون الدولي بجامعة انسبروك النمساوية فالتر أوبفيكسر.

وسواء تعلق الأمر بكتالونيا أو كردستان العراق أو جنوب السودان أو غيرها من الأقاليم التي انفصلت أو تحلم بالانفصال، فإن القاسم المشترك بينها في الغالب هو الرغبة في التمتع بحقوق أكثر والتطلع لمستقبل أفضل.

لذلك فإن الانفصال حسب يواخيم روده، من معهد أفريقيا وآسيا في ماربوغ بألمانيا، يمكنه أن يحجب المشاكل السياسية والاقتصادية لكنه لا يحلها. يضيف روده أن “فساد المسؤولين في الحكومة والمؤسسات المتهالكة أو الأزمات الاقتصادية لا تحل بشكل تلقائي مع الانفصال. أنظر بعين الريبة للمطالب الانفصالية الدائرة حاليا.

فمن جهة أتفهّم رغبة الأكراد والكتالونيين في الانفصال، لكن من جهة أخرى أخشى أن يتسبب ذلك في اندلاع مواجهات مسلحة يدفع ثمنها الكثير من الناس، كما أن الاستقلال أو الانفصال لا يحل بالضرورة المشاكل التي كانت قائمة من قبل”.

علـى أن الواقع قد يظهر عكس ما تدّعيه الحركات الانفصالية. فجنوب السودان مثلا الذي انفصل عن الشمال في 2011، يعيش حاليا حالة من الانهيار والانقسامات ويغرق في العنف والفوضى.

ملكون ملكون 

جريدة العرب اللندنية