كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة 20

1
بقلم نبض شرقي

 

(١٩)

ذكّرتني الأيام التالية بالضرب الذي تعرضت له على خشبة مسرح المركز الثقافي من القوى الوطنية حينما مثلّت دور اليهودي الهزيل التافه في زي بائس وقبعة ورقية مرسوم عليها نجمة إسرائيل.

تراءى لي أن اليهودي ذاك يوشك أن يكيل بمكيالين لمن ضربوه، وهو يوشك أن يحقق معجزة بمقاييس توراتية. كان العالم يراقب عن كثب تفوق داود على جوليات.

الضعيف الصغير المظلوم يهزم الكبير الغاشم الظالم. هذه كانت صورة إسرائيل الشائعة عالمياً بعد حرب كبيرة استغرقت ستة أيام.

فقط.

التعبئة العقائدية في السنتين السابقتين لحرب ١٩٦٧ كانت قد بلغت أوجها. فبدعم مباشر من جمال عبد الناصر توحدت مختلف المنظمات الفلسطينية تحت لواء تنظيم واحد أطلق عليه اسم منظمة التحرير الفلسطينية ومقرها القدس، وأعطيت الإشارة ببدء معركة الكفاح المسلح لإسترجاع كل شبر من الأراضي المغتصبة.

لا، هذا لم يكن مجرد شعار، لأن الشعوب صدّقت وآمنت وعلّقت الآمال بنصر قريب.

كانت المنطقة برمّتها في حالة غليان، والمرجل كان على وشك الإنسكاب. التهديدات متبادلة، وكل يقول أنه سيضرب بيد من حديد.

لم يتفهم الناس إنتظار جيوشنا كل هذه المدة وكل هذه السنوات. أليس حري بكم أن تسارعوا إلى رمي اليهود في الماء وتحلّوا مشكلة الشعب الفلسطيني المُشّرد؟

شحّت المعلومات في الأيام الأولى. البيانات العسكرية، فضلاً عن الأغاني الحماسية والخطب المفوّهة، سربلت الهزيمة الجارية بلبوس النصر وهزيمة العدو وسحق خطوط قتاله وإسقاط طائراته وأسر جنوده وقتل ما تبقى منهم.

إلا أن الصورة على الجبهة كانت مغايرة تماماً، لأن الطائرات الإسرائيلية كانت قد دمرّت معظم الطائرات الحربية العربية دون، حتى، أن يُتاح لها التحليق، وانتصر داود نصراً ساحقاً وقضم المزيد من الأراضي.

سيناء، الضفة الغربية وبقية القدس وغزة ومن ثمة هضبة الجولان.

صورة اليهودي النمطية انعكست لدى الحس العربي الجمعي في واقعة قاتمة، باعثة موجة ألم طالت، في مآلات إستنتاجية، كل صغير وكبير.

صغُرت الشعارات، وسكت الخطباء المفوهون لبرهة، وتجمّدت ميكروفونات أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب من القاهرة، والعرب كانوا في مواجهة هزيمة اخرى أفلحوا في إيجاد إسم رومانسي لها: النكسة.

من قبل أصيبوا بالنكبة، والآن النكسة.

دهشة جثمت كغيمة معدنية ثقيلة على كاهل الناس.

في القامشلي مرّت آليات عسكرية عراقية وعبرت الشارع العام في طريقها إلى جبهة حرب لا وجود لها. ذهب الناس ولوّحوا للجنود الذين أظهروا رؤوسهم من فوهات مدرعاتهم مبتسمين رافعين شارة النصر. نعم، شارة النصر.

أعلن عبد الناصر عن تنحيّه متحمّلاً نتائج النكسة، لكن الحشود المصرية والمظاهرات العارمة جعلته يعدل عن قراره.

تغيرّت حكومات وانتحر جنرال، إلا أن الحكام استمروا في حكمهم، وعقدوا إجتماعات قمّة وأصدروا بيانات.

الشارع كان صامتاً ولم يفق من هول الصدمة بعد، لكن الراديو استمر بإطلاق التهديدات المصوّبة إلى الصهيونية والإمبريالية، بينما احتلت أنشودة فيروز، زهرة المدائن ـ ياقدس يا مدينة الصلاة أصلي ـ الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان ـ الصدارة في البث كحبوب مهدئة لأمة مهزومة.

في المسرحيات المدرسية التالية على مسرح المركز الثقافي اصطف رتل من الشبان والفتيات مرتدين ثياب الكاكي العسكرية وحاملين بنادق رشاشة صُنعت من الخشب وأرسلت مضخمات الصوت الأنشودة، يا قُدسُ. وحينما وصل اللحن إلى الغضب الساطع، بدأ الشبان والفتيات يضربون بأرجلهم على خشبة المسرح الإسمنتية مثيرين ضجيجاً وغباراً.

السمة المميزة لذلك الصيف الغريب كانت، على صعيدي الشخصي، أنني عدت من جديد لأحضّر لإمتحانات المواد المتبيقة، وكانت شمس القامشلي قد أحالت على المتنزهين الذهاب في مشاويرهم المعروفة.

السهل الواسع الذي كان مزروعاً بالقمح تحوّل إلى أرض جرداء فيها بقايا قش أصفر.

مقبرة على اليمين واخرى على اليسار وفي الأفق المخفر التركي وسكة الحديد.

كنّا نغطي رؤوسنا بمناشف أو قمصان قديمة كي نتمكن من قراءة الحروف وحتى لا نصاب بضربة شمس.

في خضمّ هذه التراكمات وقعت إبنة الجيران، على نقيض من أحاسيسي المتبلّدة، في حبي، دون أن نتبادل أية كلمة.

بيتها كان في نهاية شارع مروان، في التقاطع مع شارع المحطة القديم. كنت أقابلها أربع مرات في اليوم، مشوار الصباح، العودة من مشوار الصباح وقبل أن تتحول الشمس إلى كتلة من الجحيم، ثم مشوار بعد الظهر والعودة في ساعات المغيب الأولى.

كانت تحمل طفلاً على كتفها على الدوام، تعترض طريقي وترمقني بنظرة مباشرة وتبتسم بخفّة وغنج.

لم أعرف، ولم أكن على دراية بكيفية المسك بزمام هكذا قصة.

هي، بدورها، خطت خطوة اخرى وصارت زبونة لدى اختي، وأكثرت من فساتينها في ذلك الصيف.

سألتني أختي عنها بفضول وهي تبتسم بمكر. أجبتها: عن ماذا تتحدثين؟

قلبي كان محجوزاً لجورجيت، لأنني حالما عدت إلى البيت في ساعات المساء الأولى، حتى هيأت نفسي مع بعض الأصدقاء لمشوار شارع القوتلي.

هناك كنت أقابلها تمشي مع اختها جيئة وذهاباً، وفي كل مرة كانت تمنحني تلك الإبتسامة الحزينة، فتمُدّني بطاقة مستجدّة، فيتامين مفيد أكثر بكثير من عصائر الفواكه والبيض النيء الذي كانت عائلتي تحشوني به.

إزداد حال الجالية اليهودية سوءاً، أو على الأصح من تبقى منهم، وفُرضت عليهم قوانين قيّدت تحركاتهم أكثر من ذي قبل. حتى الذهاب إلى السينما كان يتطلب منهم الحصول على أذن من أجهزة الأمن.

في السنوات القليلة التي تلت النكسة اختفى معظمهم في الليالي الحالكة.

تهامس الناس عن خطّة محكمة، بين الأتراك والموساد من جهة وعناصر أمن فاسدة في القامشلي من جهة اخرى، على تهريب هؤلاء، الذين تركوا بيوتهم وممتلكاتهم.

الذين لم يتمكنّوا من تهريب الحلي والأموال ذهبوا إلى إسرائيل، أما الشريحة الأكبر فقد استوطنت مباشرة حي بروكلين في نيويورك.

صديقي إسحاق اختفى أيضاً دون إرسال أية إشارة.

إحتفالاً بنجاحي المُبين واجتياز المرحلة الإعدادية، أخذني أخي إلى نادي الموظفين الشتوي وشربت لأول مرة نبيذاً سورياً يحتوي على كميات كبيرة من السكر لتعجيل مفعول السكرة.

تحولّت إلى «طينة» حسب الإصطلاح القامشلاوي.

وفي طريق عودتنا إلى البيت وبعد أن تقيأت مرتين في مراحيض نادي الموظفين، دسّ أخي في يدي سبع ليرات.

سبع ليرات؟ لماذا بالضبط سبع ليرات وليس خمسة أو عشرة؟ بعد تردد قال اذهب للماخور.

هذا المبلغ كان التسعيرة الرسمية للحظة مجون رجال القامشلي.

في اليوم الثاني ذهبت بمفردي، وفي وضح النهار، إلى الماخور الذي أعرفه جيداً من الخارج. دخلت غرفة الإنتظار وأنا أرتجف، فداهمتني رائحة الصابون والعطور ورطوبة الجدران.

كنت وحيداً، خائفاً، متشوقاً وعلى وشك أن أجتاز أكبر تجربة في حياتي.

خرجت إمرأة ترتدي ثوباً شفافاً رأيت ثدييها بوضوح، وأشارت لي بإصبعها داعية أن آتي إليها، ففعلت.

سألتني إن كانت المرّة الأولى فهززت رأسي بنعم. طلبت مني، بعد أن أغلقت الباب أن أتعرّى واستلقي على السرير بينما هي تتزين لي، كما قالت.

تعريت واحتفظت بسروالي الداخلي وحينما استلقيت كانت تقف هناك عارية تماماً وتنظر إلى مبتسمة.

أول إمرأتين عاريتين شاهدتهما في حياتي. الأولى كانت مريضة مخدّرة ملقية على طاولة عمليات الدكتور ماجد، والثانية عاهرة.

داعبتني قليلاً وأزالت عني السروال وساعدتني بالصعود فوق بطنها الممتلئة‪. جسدها كان يعبق برائحة صابون أو مساحيق لم أستطع تحديدها.

استغرقت أول تجربة جنسية لي خمس ثوانٍ، وحينما عدت إلى البيت لاحظت أنني نسيت سروالي هناك.

بعد أسبوع أردت أن يعطيني أخي سبع ليرات.

منير المجيد