كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة 21 وقبل الأخيرة

1
بقلم نبض شرقي

(٢٠)

أردت أن تمضي السنة التالية بسرعة لأنني قررت أن أتابع في القسم الأدبي وأتخلص من دروس الرياضيات التي لم أعرف فائدتها يوماً.

لم تكن دروس الرياضيات لوحدها هي المقيتة وقليلة الفائدة، بل إرتداء زيّ الكاكي وتقمّص دور العسكري بدا مزعجاً للغاية في دروس الفتوّة.

محاولة عسكرتنا أفرزت نتائج نقيضة في سلوكياتي الوطنية. بقيت على هامش الحدث السياسي، بيقين تراكم في مطلع سنوات إنتسابي إلى عالم الرجال.

إتضحت هذه الدلالات مُبكراً.

بعض الأكراد كانوا يرمقونني بنظرات غير راضية، وذهب بعضهم إلى حد إتهامي بخيانة أصلي ومنبتي، لأنني ابتعدت عن أي تنظيم أو تجمع إشتممت منه رائحة السياسة.

كان لي أصدقاء من كل الأطياف والديانات والإتجاهات السياسية، منهم بعثيون سريان، شيوعيون أكراد وعرب وسريان وأرمن، وقلّة قليلة من الأكراد الپارتيين الذين وثقوا بي وائتمنوا جانبي المُسالم.

هذا الموقف غير الواضح سبّب لي صداعاً مستمراً استمر حتى اليوم الذي غادرت فيه سورية إلى الأبد.

كان لموقفي هذا جوانب مُقلقة في خضم ما كان يعصف بالبلاد، ففي قدور بك إزدادت أعداد الطلبة الأكراد القادمين من الريف لإتمام دراستهم الثانوية، وكنت أزور أحياناً بعضاً منهم وأشاركهم لعب الطرنيب. في أحد الأيام دُعيت إلى مقر المخابرات كي يحذرونني من هؤلاء.

إنهم شيوعيون، قيل لي، وسوف، آجلاً أم لاحقاً، يجندونني في صفوفهم. كانوا يحدثونني في مكتب صغير يقع في القبو، حيث كنت أسمع أصوات صراخ وآهات مكبوتة وكأنها تأتي من بئر عميق، ولن يسعني يوماً معرفة إن كان ذلك مقصوداً أم مصادفاً.

طلبوا مني أن أزوّدهم بمعلومات عن هؤلاء وسوف، بالمقابل، يساعدونني أنا وعائلتي.

لم يكن هذا الطريق الذي أردت أن اخطّه لنفسي وأرعبتني هذه الزيارة وشلّتني لعدة أيام، إلى أن تدخل أخي في الأمر، ومن خلال معارفه تركتني السلطات الأمنية بسلام، شريطة أن أبتعد عن الشيوعيين.

إبتعدت عنهم بعد أن نطقت بالحقيقة، فعُوملت باحتقار وازدارء من قبلهم طيلة فترة الدراسة الثانوية.

كان أخي قد تخرج من دار المعلمين، قبل ذلك بسنتين، فأطيح به إلى محافظة درعا، منفياً دون سبب واضح سوى أنه ينتمي لتنظيم كردي. هذا النفي طال زميل آخر له محلّمي لم يكن يعرف سوى بضع كلمات كردية.

وحين اكتشاف الخطأ الذي وقعت فيه السلطات الأمنية، عاد إلى القامشلي ونُصب كمدير لمدرسة صلاح الدين الأيوبي، مدرستي الإبتدائية سابقاً قرب مبنى الجمارك.

أختي أيضاً قررت أن تصبح معلمة فذهبت إلى دار المعلمات في حماه لمدة سنة، بعد حصولها على الشهادة الثانوية.

أمين بقي عالقاً في الصف التاسع ولم يستطع إجتيازه لعدة سنوات.

وفي الصف العاشر في ثانوية عربستان تابعت التعاون مع صبحي في إخراج جريدة الحائط، وعندئذ كتبت، أيضاً، أول مقالة لي في النقد السينمائي، متأثراً ومقلدّاً بدر الدين عرودكي، رفيق الصبّان وسمير فريد.

المقالة دارت حول الفيلم الفرنسي «لا غراند ڤادرويل» بإسمه المُعرب إلى «الرحلة الكبرى» من تمثيل بورڤيل ولويس دو فونيس.

في تلك الفترة توقفت عن مشاهدة الأفلام المصرية لأنني صنفتها، ببساطة، بالرديئة.

بحثت عن السبب، وربطته بالجانب الفني. فالمعروف أن السينما المصرية كانت، حتى ثورة الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر، بيد الجاليات الإيطالية واليونانية واليهودية، وكان هؤلاء فنيون ومنتجون محترفون.

قام عبد الناصر بطردهم وتأميم قطاع السينما، في محاولة لإعطاء الوجه الوطني العروبي للفن السابع، ممّا شكّل كارثة للسينما في مصر، لأن المواهب الوطنية كانت تفتقر إلى الحرفية الفنية.

في السينما لا تكفي النوايا الثورية لوحدها في عمل أفلام جيدة.

فيلم آخر حقق نجاحاً هائلاً لدى الرجال في القامشلي ولسينما كربيس ونيشان بطبيعة الحال.

فندق الأحلام لدريد لحام وصباح كضيفة شرف. ليس بسبب نكات دريد لحام ونهاد قلعي وابن القامشلي سليم حانا المُتأتأ الأبدي، بل لأن صباح تظهر في أحد المشاهد، لبضع ثوانٍ، وبعد أن تخرج من مياه مسبح الفندق، يلتصق ردائها المبلّل الشفّاف على حلمتي صدرها.

استمر عرض الفيلم لعدة أشهر، في البداية كانت دار السينما مكتظة على مدار اليوم، فيما بعد كانت شبه خالية طيلة الفيلم، سوى بضع دقائق قبل وبعد مشهد حلمتي صباح.

الرجال كانوا يعرفون، بخبرة كبيرة، اللحظة تلك، فكانوا يشترون بطاقاتهم ويدخلون الصالة، أكثرهم واقفاً، منتظرين ذلك المشهد الإباحي الذي أخذ بعقولهم. سيقان وأثداء وعري بريجيت بارود لم يكن بأهمية حلمات صباح.

المشهد الذي استغرق بضع ثوانٍ، أزيل الآن وقَصّتهُ رقابة الحشمة في القنوات الفضائية.

في تلك السنة حاولت أيضاً تعلم العزف على الأكورديون بعد إنتهاء الدوام المدرسي وبمساعدة زميل لي كان يجيد العزف على أية آلة موسيقية، بيد أنني فشلت وتأكدت أن الخوض في هذا المجال مُحال.

صديقي وجاري الهادئ الودود عبد القادر كان في وقت مبكر من ذلك العام قد عاشر إبنة الجيران بهيّة في لحظة شبقة من أيام مراهقته. وحينما شاع الخبر، أجبرته عائلة الفتاة على الزواج منها، بصمت ودون عرس وتطبيل ورقص.

كان السبّاق من جيلي ولم نعرف تماماً كيفية التعامل معه، فهو كان صديقاً وزميلاً ورجلاً متزوجاً أيضاً.

كان يذهب مبكراً في كل صباح من ذاك الشتاء القارس الجاف إلى طرف النهر، يتعرى ويرمي بنفسه في المياه المتجمدة تلبية لأصول استحمام الجنابة.

هل كان يُعاقب نفسه على الخطيئة التي ارتكبها، أم أراد أن تكون صولاته الليلية سرّاً على عائلته؟

في تلك السنة أيضاً شهد شارع مروان حادثاً مروعاً أمام أنظار المارة والأطفال اللاهين وأمهاتهم. حسين، سائق الشاحنة، كان منحنياً على إطار شاحنته الأيسر الأمامي وينفخ فيه الهواء بمنفاخ كبير مخصص لهذه الغاية.

ويبدو أنه بالغ في الأمر واسترسل كثيراً، لأن الإطار بسمكه المطاطي الكبير انفجر بدوي قنبلة في وجهه ليرديه قتيلاً في لحظة.

منير المجيد