كتاب في حلقات

قامشلو … سيرة روائية لــ منير المجيد / الحلقة الأخيرة

1
بقلم نبض شرقي

 

(٢١)

في العراق قام العسكر بانقلاب، سُمي بثورة كما جرت العادة، على عبد الرحمن عارف، الذي كان قد تسّلم الحكم بعد حادثة مقتل أخيه عبد السلام في طيارة مروحية، وكان عبد السلام قد تسلم الحكم بعد عبد الكريم قاسم، الذي بدوره كان قد دبّر مع ثلة من الضباط الإنقلاب على النظام الملكي. إذاً، الثورة الأخيرة جاءت بحزب البعث إلى سدّة الحكم، فذهبنا في رحلة مدرسية إلى الموصل.

لم يكن هناك حاجة لجوازات سفر وغيرها، فنحن في طريقنا إلى بلد شقيق.

مشوار الباص لم يكن مريحاً، لأن مفاصله المعدنية كانت تصتك تاركاً وراءه غمامة سوداء من الدخان مثل المدرعات التي كنّا نراها في أفلام الحرب العالمية الثانية.

سمة مميّزة لباصات القامشلي.

حينما دخلنا مدينة الموصل قام أحد زملائنا، فرحاً على غرار الأعراس مقلداً العادة المتبعة بإطلاق النار، فأخرج يده من إحدى نوافذ الباص حاملاً مسدساً بلاستيكياً، ولم تمض لحظات إلا وكانت عدة سيارات من الشرطة وحافلات اخرى توقفنا وتحيط بنا.

أحتجزنا لحوالي ثلاث ساعات بعد أن تمّ تفتيش الباص من الأسفل حتى السقف الخارجي، ونحن واحداً واحداً رافعين أيدينا إلى الأعلى. إنتهى كل هذا  بمصادرة المسدس البلاستيكي.

 

أقمنا في فندق وسط المدينة بدون أسرة وغفونا على فرشات رُميت بإهمال على أرضيات الغرف الفسيحة، كانت الصراصير تسرح في الغرف والممرات والمرحاض الوحيد في ذلك الطابق.

رائحة الفندق ومنتصف المدينة كانت مريعة، وقالوا لنا أن المدينة تفتقر إلى نظام صرف صحي.

زرنا الجامعة في مدينة الزاهرة، وهي حي حديث فيه بيوت جميلة بحدائق وأسوار تتكئ عليها نباتات وورود.

بعد الظهر شاهدنا فيلم كاوبوي من بطولة ستيڤ ريفيز، الذي كنت أعرفه فقط كبطل مفتول العضلات وفارساً من فرسان روما.

حينما عدنا إلى الفندق كان التيار الكهربائي مقطوعاً، وسمعنا حديثاً عن هجوم شنته قوات البيشمرگه الكردية على محطة توليد الطاقة.

طيلة الليل سمعت أصوات الصراصير بحفيف خافت ناعم أصابني بسرعة بنعاس شديد، ناسياً قذارة المكان وروائحه.

كنّا نذهب إلى المركز الثقافي أكثر من قبل.

قرأنا كتباً كثيرة، كنّا نقوم بملء إستمارة الإستعارات ويقوم أمين المكتبة الأمي بالتوقيع عليها بهدوء ورويّة.

كنّا نقرأ أيضاً المجلات والصحف بشكل يومي.

تابعنا المحاضرات والأمسيات الأدبية التي كانت في معظمها قراءات شعرية.

كان محمد نديم حينذاك كاتب القصة القصيرة الوحيد في القامشلي.

الأمسيات المسرحية كانت ممتعة أيضاً، وعلى وجه الخصوص حين كان سليمان، بائع المكسّرات المتجول، وعمر بصمجي المكوجي الوحيد في القامشلي، يقومان بأداء قفشات كوميدية بعد الفراغ من العمل.

شاركت في معرض مشترك في المركز الثقافي بعدة لوحات زيتية، واحدة لشارع القوتلي وفي نهايته ثانوية العروبة اشترتها إدارة المدرسة، وواحدة لياسر عرفات اشتراها مدير منطقة القامشلي، واخرى لشي غيفارا اشتراها المحافظ.

انتقل المعرض بعد ذلك إلى الحسكة بمشاركة من فناني المدينة بينهم عمر حمدي.

بعد مضي كل هذه السنوات، قررت أخيراً في تلك الفترة أن أبوح بحبي لجورجيت، فجلست، وقلبي يقفز في قفصي الصدري، أخطّ لها رسالة قضيت وقتاً طويلاً في كتابتها. في اليوم التالي صباحاً، اعترضتُ طريقها وهي ذاهبة إلى ثانوية القادسية للبنات ورميت الرسالة أمامها دون أن أنبس بحرف، ثم تابعتُ.

إلتفتُّ وكانت رسالتي مازالت هناك وجورجيت تجاهلتها. سارعت بالتقاطها وذهبت إلى المدرسة محبطاً، وكان قلبي قد تشظى إلى ألف قطعة.

حينما عدت إلى البيت، عزلت نفسي في الغرفة وكتبت قصة قصيرة تدور حول حب شاب لفتاة تقوم برفضه فيواجه خيبته بسماع أغاني سميرة توفيق، وفي اليوم التالي أرسلتها إلى الصفحة الأدبية لجريدة الثورة في دمشق.

ترقبت نشرها عدة أيام، وكنت أشتري الجريدة كل يوم من مكتبة أنيس مديواية آملاً أن أجد قصتي منشورة.

في اليوم الذي نشرت فيه قصتي شعرت أن القامشلي باتت صغيرة.

في غرفة الصف، لم أحسن إخفاء الواقعة فأريتها لزميلي في جواري على المقعد، الذي نشر النبأ فوراً، ولم يتمالك نفسه، حينما دخل مدرس اللغة العربية فسارع بعرضها عليه.

كان صبحي قبلئذ شاعراً عرفه روّاد المركز الثقافي من بعض الأمسيات الشعرية، وكان قد صنع لنفسه إسماً أدبياً في دمشق وبيروت من خلال مجلة سهيل إدريس «الآداب» العريقة.

في إحدى الأيام، كنّا صبحي وأنا في طريقنا إلى المركز الثقافي حينما سألنا زميلنا في الصف سليم بركات عن وجهتنا. إلى المركز الثقافي، قال صبحي. هل بوسعي المجئ معكما؟ بعدها كنّا نقابله كل يوم هناك، وبحسبي أنه قرأ مكتبة المركز الأدبية كلها في فترة زمنية قياسية.

أحياناً كان يرافقنا في مشاوير شارع القوتلي.

سليم كتب الشعر أيضاً وصار ينشر في صحف دمشق.

١٠٧٦١، هذا كان رقم تلفوننا، الوحيد حينذاك في شارع مروان.

إحدى إنجازات أخي الكثيرة، بعد إمدادنا بالتيار الكهربائي، وترميم وتحديث البيت. انتشر الخبر بسرعة في الحي، وصار الناس يتوافدون طالبين استعماله، وفي المكالمات الدولية أيضاً.

أحياناً كان أناس لا نعرفهم يهتفون من تركيا أو بلدان اخرى ويطلبون بيت فلان الفلاني، وأنا كنت أهرول إليهم وأخبرهم أنهم مطلوبون على التلفون.

حين لم نقم بأداء هذه الخدمات الهاتفية، كنّا، أخي وأختي وأنا نحادث أصدقائنا، وصرت أيضاً أتلقى مكالمات ماجنة من فتيات رفضن الإفصاح عن هوياتهن.

في أحد الأيام رنّ جرس الهاتف على نحو متواصل ولفترة طويلة مما أقض مضجع والدتي، التي اعتبرته منذ البداية ترفاً لا ضرورة له، فقالت بصوت عالٍ من الغرفة الثانية: هذا الهاتف على وشك أن تتمزّق طيزه.

عبارة أمي هذه رويناها لمعارفنا وأصدقائنا، وكانوا يسألون أمي أن تعيدها على مسامعهم حين كانوا بزيارتنا.

حضرّت لإمتحانات الشهادة الثانوية، بنفس الطريقة وذات الأسلوب. تأبُطِ الكتاب ومن ثمة الذهاب سيراً إلى المحطة والعودة.

الفتاة التي كانت تنتظرني كل يوم قبل ثلاث سنوات كانت قد تزوّجت وانتقلت مع زوجها إلى شارع آخر.

ظهرت نتائج الشهادة الثانوية الوطنية في صحف دمشق.

كنت أتمنى أن أدرس السينما، إلا أن هذه الدراسة لم تكن متاحة في سوريا.

اخترت كلية الفنون الجميلة، فأراد أخي أن أدرس شيئاً يوّفر لي مهنة، وليس قضاء الوقت جالساً في مقهى بفرشاة في جيب سترتي وطاقية شاپّو فرنسية وألعب دور فنّان.

تمّ الإتفاق على كلية الأدب الإنكليزي، لأن العائلة هي مموّل إقامتي في دمشق ولها الحق في تقرير مصيري.

هكذا حللنا المأزق.

في يوم خريفي دافئ، ساعدتني العائلة بوضع حوائجي في حقيبة، وحمّلوا لي فرشة ثقيلة ولحافاً ومخدة بعرض الفرشة على عربة، وذهبنا إلى كراج باصات حلب.

هناك كان صبحي أيضاً بجانب عربة تحتوي على حقيبة وفرشة ولحاف ومخدة.

حمّلوا لنا عتادنا على سطح الباص وربطوه بحزم مع عتاد وحيوانات بقية المسافرين، وجلسنا في الباص الذي سعل محركّه عدة مرّات قبل أن يصدر الصوت المعروف الصادر عن باصات حلب.

(إنتهى الجزء الأول (قامشلو) من هذه السيرة الروائية، الجزء الثاني يحمل عنوان «شام»)

منير المجيد