مدونات-جرائد

طلاس وساويرس ضمن المتورطين …. أولسن ‘خليفة’ لافارج الذي استثمر مع ‘خليفة’ داعش

_151317478612
بقلم نبض شرقي

 

 

اعتقد رجل الأعمال الأميركي الفرنسي أن مجرد استقالة يقدمها من منصبه، سوف تهدئ من الزوبعة التي نتجت عن اتهامات خطيرة وجهت إليه. إلا أن ذلك لم يحدث. فقد وقع إيريك أولسن المدير العام السابق لشركة لافارج هولسيم، مع اثنين من كبار مسؤولي الشركة في عهده، تحت وطأة اتهامات القضاء الفرنسي بدعم جماعات جهادية وتهديد أرواح المدنيين.

تلك الاستقالة التي أعلنت في يوليو الماضي، لم تكن كافية لتزيح عنه الاتهامات التي وجهها له القضاء الفرنسي، قبل أيام قليلة فقط، بتمويل مخطط إرهابي على خلفية دعم تنظيم داعش الإرهابي بصورة غير مباشرة في سوريا والعراق.

في عام 2013 أعلنت كبرى الشركات متعددة الجنسية نيتها مغادرة سوريا، بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة، واندلاع الحرب الأهلية فيها. ما يهدد وجود مثل تلك الشركات وعلى رأسها شركات النفط والغاز التي استثمرت في سوريا لعقود طويلة.

إلا أن شركة لافارج لم تغيّر سياساتها واستمرت في العمل رغم “المحيط الجهادي” الذي عاشت فيه الشركة، حتى غرقت في نهاية الأمر في صفقات مشبوهة مع تنظيم داعش الذي سهل لها البقاء والعمل مقابل الحصول على ما يقارب 5.6 مليون دولار بين عامي 2012 و2014 بحسب تقرير أعده مكتب “بيكر ماكنزي” الأميركي في أبريل الماضي، بطلب من شركة لافارج هولسيم نفسها.

 

وهم إعادة الإعمار

تقرير “بيكر ماكنزي” جعل مسؤولي لافارج تحت وطأة الاتهامات التي لم تخب في نهاية المطاف، حين فجرت صحيفة “لوموند” الفرنسية في عددها الصادر في يونيو من العام الماضي مفاجأة كبيرة حول تعاون الفرع السوري للشركة الفرنسية لصناعة الإسمنت مع داعش في سوريا.

إذ تذكر المعلومات أنه وبعد انطلاق العمل في الشركة بستة أشهر اندلع النزاع في البلاد، لتُخرج الشركة موظفيها الأجانب مبقية العمل قائما بأيدي الموظفين المحليين، إلى أن دفعها استيلاء داعش على مدينة منبج إلى اتخاذ خطوات استباقية للحفاظ على سير عملها في ظل الحرب، متوصلة مع رؤوس التنظيم في مدينة الرقة إلى اتفاق قضى بدفع رشى مقابل الحصول على تصاريح تسهل دخول شحنات المصنع والوقود عبر الحواجز التابعة للتنظيم الإرهابي.

وثائق فرنسية نشرت في أكتوبر الماضي تؤكد تورط وزير الخارجية الفرنسي السابق فابيوس، والسفيرين شوفالييه وجيليه في قضية شركة لافارج، إضافة إلى كل من نجيب ساويرس وفراس طلاس

أولسن يؤكد أنه لم يشارك في أيّ مخالفة من مخالفات فرع الشركة السوري القائم على مدينة الجلابية قرب عين العرب “كوباني”، ولم يكن حتى على دراية بما حدث من تعاون بينها وبين التنظيمات الجهادية، ويدعمه موقف الشركة الفرنسية السويسرية التي أكدت أن ما حدث في سوريا يصنف تحت بند الأخطاء غير المقبولة. إلا أنها رجحت أن أولسن ليس مسؤولا عما حدث من تجاوزات، ولا تعتقد أنه على دراية بأي مخالفات تم الكشف عنها في إطار المراجعة لعمل الشركة في تلك المنطقة.

القضاء الفرنسي وجه تهمة تمويل مخطط إرهابي لأولسن مع مسؤولين آخرين في الشركة، هما برونو لافون الرئيس التنفيذي لشركة لافارج قبل دمجها مع هولسيم السويسرية، وكريستيان إيرو وهو مسؤول تنفيذي سابق في الشركة، في إطار تحقيقات مستمرة حول دعم داعش.

كما تم وضع الأشخاص الثلاثة تحت مراقبة قضائية بحسب وكالة “فرانس برس”، ليكونوا قيد تحقيق رسمي كما أفاد مكتب الادعاء الفرنسي، حيث وجهت إليهم عدة تهم بشأن نشاط الشركة متعددة الجنسيات في سوريا. ولد أولسن في شيكاغو في الولايات المتحدة، ودرس في جامعة كولورادو ليحصل بعدها على الماجستير في إدارة الأعمال من كلية الدراسات العليا التجارية في باريس.

وفي بداية حياته عمل في شركة ديلويت قبل أن ينضم إلى لافارج أميركا الشمالية في العام 1999، حيث أمضى خمس سنوات لتتم ترقيته لمنصب المدير المالي للشركة، وبقي يصعد في سلّمها الإداري معيداً تنظيم الشركة في العام 2012 وليتوج نشاطه ذاك بتولي مهمة الرئيس التنفيذي للافارج في العام 2013.

وتذكر لأولسن إنجازات هامة في لافارج على رأسها دمج الأخيرة مع شركة هولسيم، إضافة إلى أبراج تقدر بـ30 مليار دولار أدخلها إلى خزينة الشركة. وقد شغل في العام 2014 منصب المدير العام للمدرسة الأميركية في باريس، بعد حصوله على الجنسية الفرنسية.

إن ما أعلنه فريدريك جوليبوا مدير المصنع الفرنسي في سوريا في يونيو من العام 2014 حول كون الحكومة السورية لم تعد تسيطر على محطات التكرير، وأن الشركة باتت تشتري النفط من منظمات غير حكومية بشكل مخالف للقانون تماما، يثبت صحة الادعاءات الموجهة ضد القائمين على الشركة وعلى رأسهم أولسن.

 

شركة لافارج لم تغيّر سياساتها الاستثمارية في سوريا

حيث يشير تقرير صحيفة لوموند إلى أن الرسائل الإلكترونية بين مندوب الشركة والتنظيم كانت تصل أيضا إلى مدير أمن الشركة في باريس جان كلود فييار، ما يثبت أن لافارج كانت موافقة ضمنيا على التعاون مع داعش وتمويله عبر الرشاوى التي كانت تمرر من خلال كشوف مالية مزورة.

لقد كانت رغبة مسؤولي الشركة في تصدر عملية إعادة الإعمار في سوريا أقوى من امتناعهم عن ارتكاب تجاوزات قانونية تخالف أعراف الشركة. حيث أكد مسؤولون فيها أن تفكيرهم كان منصبا على البقاء في سوريا ليكون لهم الصف الأول في إعادة إعمارها عند نهاية الحرب.

وبالتالي كان عليهم قبول دفع الرشى للتنظيم الإرهابي مقابل ضمان البقاء الذي لم يستمر، حيث انسحبت العملاقة “لافارج هولسيم” في 19 سبتمبر عام 2014 تاركة وراءها معمل الإسمنت الأشهر في سوريا والذي فجره تنظيم داعش في 24 من شهر فبراير 2015، منهيا حقبة سوداء من عمل الشركة في سوريا قبل أن يعيد التحقيق ما جرى من تجاوزات خلال أربع سنوات من العمل تحت غطاء الحرب.

 

ورطة شخصيات كبيرة

تتوسع ورطة لافارج لتشمل شخصيات كبيرة كانت ضالعة بحسب التحقيقات الفرنسية في التعامل مع التنظيمات الإرهابية، ولعل أبرزها نجل وزير الدفاع السوري الأسبق فراس طلاس الاسم السوري المثير للجدل، المتنقل بصفاته بين رجل أعمال وصاحب أكبر مصنع للإسمنت في سوريا، إلى شريك للافارج وممثل أول لرئيس النظام السوري بشار الأسد، قبل أن يدخل في الشراكة أيضا رجل الأعمال المصري المعروف نجيب ساويرس وشقيقه ناصف. حيث اتفقت تلك الأطراف على تشييد مصنع “السورية للإسمنت” بشراكة مع طلاس قبل أن تندمج لافارج وأوراسكوم.

وتؤكد التحقيقات الفرنسية أن طلاس، الذي تم توقيفه لاحقاً في دولة الإمارات العربية المتحدة على خلفية تلك التحقيقات، كان يدفع ما بين 80 إلى 100 ألف دولار شهريا لداعش وتنظيمات أخرى بين 2012 – 2014 كثمن للبقاء واستمرار أعمال شركته في سوريا.

 

شركات تغذي الحرب

ولكن الأمر لم يقف عند طلاس وحده، ففي 13 أكتوبر الماضي نشرت جمعية شيربا الفرنسية غير الحكومية وثائق تؤكد تورط وزير الخارجية الفرنسي السابق لوران فابيوس، وسفير فرنسا السابق في سوريا إيريك شوفالييه، ومبعوث فرنسا إلى سوريا فرانك جيليه في قضية شركة لافارج.

الشركة استمرت في العمل رغم “المحيط الجهادي” الذي عاشت فيه، حتى غرقت في نهاية الأمر في صفقات مشبوهة مع تنظيم داعش الذي سهل لها البقاء والعمل مقابل الحصول على ما يقارب 5.6 مليون دولار بين عامي 2012 و2014

وتقول الجمعية المعنية بمكافحة الفساد إن القضاء الفرنسي استدعى المسؤولين الثلاثة لاستجوابهم على خلفية تلك الوثائق، الأمر الذي تؤكده محاضر اجتماعات داخلية للشركة، حيث يشير رئيس شركة لافارج كريستيان هيرو إلى أنه كان يجتمع كل 6 أشهر مع السفير الفرنسي (جيليه) الذي كان يؤكد له دوما أن وزارة الخارجية الفرنسية معنية باستمرار المصنع في الرقة مفتوحاً، لأنه يعد أكبر استثمار لفرنسا في سوريا، الأمر الذي يعني أن عمل المصنع استمر بعلم المسؤولين الفرنسيين المعنيين بشؤون سوريا.

تدفع الطريقة التي عملت بها لافارج إلى التأكيد على أن عمل الشركات متعددة الجنسيات في المناطق التي تشهد اضطرابات يمكن أن يغذي النزاعات المسلحة، كما تقول مديرة القسم القانوني في المركز الأوروبي ميريام سعاج معاب إن ”حالة لافارج في سوريا تبين كيف أن الشركات المتعددة الجنسية العاملة في مناطق تشهد اضطرابات، يمكن أن تغذي النزاعات المسلحة، وتساهم في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان”.

لافارج التي تشغل أكثر من 2500 مصنع في 90 بلدًا حول العالم، يعمل بها ما يقارب 115 ألف شخص، تفوق أرباح إنتاجها لـ387 مليون طن سنويًّا 32 مليار دولار، بينما فرع الشركة في سوريا تقدر طاقته الإنتاجية بما بين 2.5 و3 ملايين طن سنويا، وهو أضخم وأهم الاستثمارات الفرنسية في البلاد.

لقد انتهى الأمر بتقديم جمعية شيربا الفرنسية والمركز الأوروبي للدفاع عن الحقوق الإنسانية والدستورية وقدامى موظفي لافارج شكوى ضد الشركة متهمين إياها بتمويل الإرهاب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتهديد حياة الآخرين، لتكون الشركة بمسؤوليها وفي مقدمتهم أولسن وشركاؤها السوريون والعرب على رأس قائمة الاتهام بدعم داعش وسببا رئيسيا في استمراره، لتصبح هذه التحقيقات بوابة لمعرفة الآلية التي كان يحصل فيها التنظيم على تمويله خلال السنوات الماضية، من خلال تورط أولسن وغيره من الشخصيات الاقتصادية والسياسية الكبيرة في أنحاء العالم ربما عمل بعضها بقرار ذاتي منه، وربما كان البعض الآخر ينفذ أجندات قوى دولية وإقليمية للعبث بالشرق الأوسط.

عبد السلام الشبلي

جريدة العرب اللندنية