تاريخ

جايلر فريزر يكتب : لِمَ يزداد الإقبال على الدين ؟ لان الفقراء يلجؤون إلى الله

3432-720x320
بقلم نبض شرقي

 

 

كان “سادة الشك” نيتشة و ماركس وفرويد يعتقدون أن الدين سيتلاشى و يموت في القرن العشرين، فيما صفق آخرون غيرهم بحماس لفرضية العلمانية، كان الدين يحتضر فلقد ثقب التنوير سفينته وكانت تغرق فكريًا. و من ثم حدث العكس بطبيعة الحال: ازدهر الدين، ففي عام 1900 (العام الذي مات فيه نيتشة) كان في إفريقيا ثمانية ملايين مسيحي، أما الآن فيوجد قرابة 335 مليون مسيحي، ولا يزال العدد في تزايد مستمر، عبادة الله لم تمت، لقد ولدت من جديد. في الواقع كان القرن العشرين –بعيدًا عن كونه القرن الذي ابتعد فيه الدين- القرن الأكثر نجاحًا لكل من المسيحية والإسلام منذ صلب المسيح و إلقاء محمد خطبة وداعه على جبل عرفات، فبحلول عام 2010 كان هناك 2.2 مليار مسيحي في العالم و 1.6 مليار مسلم، مِم يشكل 31٪ و 23٪ من سكان العالم، إن أطروحة العلمانية أسطورة أوروبية وهي جزء من قصر النظر وضيق أفق التفكير لدينا إذ لاتزال تبين مدى قصر نظرتنا للعالم.

ولكن بين الحين والآخر تحصل هذه الأطروحة على صدى واسع من قبل بعض الأخبار المحلية، ففي هذا الأسبوع ظهر استطلاع يفيد بأن عدد اللادينين الآن يفوق عدد المسيحيين في انكلترا وويلز، وهذا صحيح طبعًا فالتدين يتناقص في المملكة المتحدة، وذلك ليس لأن الإلحاد يلتف حوله بعض الهيتشنزيين (نسبة لكريستوفر هيتشنز وهو كاتب وصحفي إنجليزي-أمريكي معروف بإلحاده ونقده للأديان) المهوسين بالصحوة الدينية، ولكن لأن مجتمعنا الغربي يعد أقل عددًا من المجتمعات الأخرى و لدينا ترابط اجتماعي أقل أيضًا من المجتمعات الأخرى. والدين لا يبدأ مع الميتافيزيقا وإنما مع المشاركة و الانتماء للاعتقاد مسبقًا؛ وهذا هو السبب في أن الروح الدينية تتناقص في الأماكن التي تزدهر فيها النزعة الليبرالية الفردية. و إلا فلماذا ينمو الدين نفسه في الأماكن التي تفشل فيها الفردية الليبرالية؟ هذا هو الصدام الحقيقي للحضارات: مركز التسوق (الآن انتقل على الانترنت) مقابل المعبد، معركة بين أولئك الأغنياء بما فيه الكفاية للتفكير بالفردية البحتة وأولئك المجبرين على التفكير الجمعي. هنالك عولمتان فقط: عبادة الله وعبادة المال، ولن يوفق المرء بينهما تمامًا، تخيل رجل بلا دين يغني على ستينواي أبيض قيمته تبلغ 800 ألف دولار، و تخيل رجل بلا ممتلكات يغني أيضا، على الرغم من أنه من الواضح أن إحدى الخيارين أصعب قليلاً من الآخر إلا أنه في الواقع الإمكانيات التي يوفرها الله تبدو أفضل بكثير من تلك التي يوفرها المال.

وتشير التوقعات من مركز أبحاث بيو إلى أنه بحلول عام 2050 سوف ينمو تعداد المسحيين إلى ما يقارب 2.9 مليار نسمة والمسلمين إلى 2.8 مليار نسمة، و مع انخفاض أسعار النفط و انفجار فقاعة المِلْكيّة و نبوءة الكثير من الاقتصاديين بانهيار آخر لسوق الأسهم، أود القول: أن الله على ما يرام و هو في وضع مبُشر ضد عدوه القديم، و على ذلك فإن حتى جوهريات الإلحاد الجديدة ليست دليلا مستقبليًا ضد الصحوة الدينية. يَشق على متن القوارب عدد كبير من الفقراء المتدينين عُباب البحر الأبيض المتوسط مخاطرين بكل مالديهم للارتحال إلى أوروبا و ليشاركونا الثروة التي اكتنزناها منذ زمن طويل، فمثلاً في مخيم كاليه للاجئين يبدو جليًّا أن هنالك معركة كارتونية متواربة بين الكنيسة و المسجد و فرنسا العلمانية التي تقف حائرة تمامًا أمام عودة ظهور القيم الدينية المتخبطة منذ قرون، من فافيلاس في البرازيل إلى اتحاد الأمهات في الحزام الإنجيلي جنوب الصحراء الكبرى و إلى أرخبيل الإسلام في اندونيسيا يلجأ كل أولئك الفقراء إلى عبادة الله، و قد أنجب هؤلاء الفقراء المسلمون مزيدًا من الأطفال إذ سيشكل عدد المسلمين 10٪ من سكان أوروبا بحلول عام 2050.

تحتضر المسيحية حاليًا في أوروبا وقد تحذو الولايات المتحدة حذوها تدريجيًا، فبيو للأبحاث يتنبأ بانخفاض عدد المسيحيين الأمريكيين من كونهم يشكلون ثلاثة أرباع السكان الآن ليصبحوا عام 2050 ثلثي السكان فقط. لقد ظلت المسيحية موجودة منذ قرون و لا تزال حتى الآن أكبر مجموعة أيديولوجية عرفها العالم و هي لن تموت أبدًا، فقد تحولت ببساطة من كونها مركز الجذب في الجنوب والشرق ليكون الجذب هو المستقبل: الصين. ما مات في أوروبا هو حلقة دافئة بين الكنيسة والدولة التي أنشأها لأول مرة الامبراطور قسطنطين و هذا هو الخلاص الجيد، يظل هذا الارتباط (ارتباط الدين بالدولة) يشوب القضية طالما ارتبطت عبادة الله بالطبقة الحاكمة؛ إذ مع أنه لو تحررت عبادة الله من ذلك الارتباط ستكون خيارًا  يفضله الفقراء ،فلا تدع الركود الالحادي الموضعي يخدعك ،لايزال الدين هو المستقبل .