ملاعب

قصص وأسرار ألقاب لاعبو السامبا

Pele at Vila Belmiro Stadium in Santos, SP, Brazil, on Friday, April 25, 2014.
بقلم نبض شرقي

 

 

هناك سمة مشتركة تميز مباريات كرة القدم في البرازيل عن غيرها من البلدان، ويمكن ملاحظتها سواء كان اللعب في الشاطئ أو في المدرسة أو في الشارع أو في الملاعب المستطيلة الخضراء. إذ لا يُذْكَرُ اللاعبون أبداً، أيا كان المستوى أو المنطقة أو الطبقة الاجتماعية، بأسمائهم الشخصية أو أسماء عائلاتهم، بل دأب عشاق الكرة البرازيلية ومتتبعوها على إطلاق الألقاب عليهم، من قبيل فورميجا وكاريوكا وميتشيريكا … وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأوساط الكروية في البرازيل اعتادت على الأقل على إضافة أداة التصغير في اللغة البرتغالية “إينيو” لأسماء اللاعبين الذين يقل طولهم عن 175 سنتيمتراً، وأداة التفخيم “آو” لأسماء اللاعبين الذين تفوق قامتهم 180 سنتيمتراً.

ويفسر البعض هذه الظاهرة بأن أعداد لاعبي كرة القدم في البرازيل أكبر وأكثر من أعداد الأسماء الموجودة، بينما يقر البعض الآخر أن هذا الأمر جزء من رغبة شعب هذا البلد في ممارسة هذه الرياضة وسط أجواء خلاقة ومرحة ودون شكليات، ويبقى الأكيد أن الألقاب جزء لا يتجزأ عن الثقافة الكروية في هذا البلد المتوج خمس مرات بلقب كأس العالم. ولا يتعلق الأمر هنا بلاعبين ذاع صيتهم واشتهروا بأسمائهم وكناهم الحقيقية ثم أطلق عليهم بعد ذلك لقب ما، كما كان شأن القيصر فرانز بيكنباور والفتى الذهبي دييجو أرماندو مارادونا، بل بنجوم شاركوا في أكبر المسابقات الكروية العالمية، وعلى رأسها نهائيات كأس العالم

، وعُرِفُوا وسط الجماهير والعشاق بألقابهم فقط، ولا يَذْكُرُهُم أحد اليوم بأسماء سواها.

تكفي مراجعة لوائح اللاعبين المتوجين مع كتيبة السيلساو بكأس العالم

حتى يتبين لنا اختلاف مصادر الكُنى والألقاب وتنوع مشاربها. إذ تسود وسط المتوجين بكأس أم البطولات كنى قصيرة مستمدة من أبرز المقاطع الصوتية في الاسم الأصلي للاعب، وينطبق هذا الأمر على حالة النجم ديدي، واسمه الأصلي فالدير بيريرا، وعلى هداف كأس العالم 1958

، فافا، واسمه الأصلي إدفالدو إيزيديو نيتو، وأيضا على صاحب جائزة أفضل لاعب في العالم

لسنة 2007، كاكا، الذي يحمل اسم ريكاردو إزيكسون دوس سانتوس لييتي.

 

ألقاب وحكايات

ولكن الألقاب التي تثير الفضول حقاً هي تلك التي لا تعتمد على مجرد المقاطع الصوتية، بل تستمد ذاتها من قصص وحكايات غريبة وعجيبة. وهناك مثالان واضحان على هذا الأمر ويخصان نجمين من أكبر نجوم الكرة العالمية على الإطلاق.

وأول مثال هو إيدسون أرانتيس دو ناسيمنتو، الذي اشتهر بثلاثة ألقاب. حيث أطلقت عليه أسرته الصغيرة لقب “ديكو” عندما كان صبيا، ثم التحق بفريق سانتوس سنة 1956، وأطلق عليه المدافع ويلسون لقب “جازولينا”، قبل أن يذيع صيته ويشتهر بلقب ثالث أصبح بعد ذلك على كل لسان. إذ كان والد إيدسون، دوندينيو، لاعباً في صفوف فريق فاسكو دي ساو لورينسو، واعتاد الابن على مرافقة والده إلى التمارين ليشاهد الحارس الرائع “بيليه” (Bilé). وعندما كان الصبي يخوض مبارياته في الشارع، كان يُصِرُّ على الإضطلاع بدور حارس المرمى، وكان يصيح في رفاقه وزملائه بين الحين والآخر: “بيليه، بيليه”، وهو الإسم الذي دخل به هذا اللاعب تاريخ كرة العالمية، كما كان ينطقه هو بصوته الطفولي، لا حارساً بل هدافاً من الطراز الرفيع، فهل عرفتموه؟

أما المثال الثاني عن الكنى البرازيلية التي تجاوزت حدود البلد واشتهرت في العالم بأسره فَمُسْتَلْهَمٌ من اسم أحد الطيور المنتشرة بكثرة في منطقة بيتروبوليس الجبلية، حيث نشأ وترعرع مانويل دوس سانتوس. إذ دأبت أخته على تسميته جارينشا بالنظر لنحافته وحركاته غير الرشيقة. ونما ذلك الصبي النحيف، ولم تتغير طباعه ولا بنيته الجسدية كثيرا، بيد أنه أصبح واحداً من أفضل الأجنحة في تاريخ كرة القدم، وواحداً من اللاعبين الأكثر شعبية على مر العصور.

كما يعود أصل لقب رفيق درب بيليه في كأس العالم 1970، إدواردو جونزالفيش دي أندرادي، إلى جسمه النحيف. حيث أطلق عليه أطفال ومراهقو إقليم ميناس جيرايس اسم توستاو تشبيهاً له بأصغر قطعة نقدية متداولة في ذلك الوقت.

إن الكنية أسلوب ودي وحميمي في التخاطب، وشاهد حي على روح الدعابة والمرح التي تميز البرازيليين. وما مثال كابتن السيليساو في نهائيات كأس العالم 1994

إلا دليل صادق على هذا الأمر. حيث أطلقت جماهير الأماريلينيا على كارلوس كايتانو بليدورن فيري لقب دونجا تشبيها له بواحد من أقزام حكاية بياض الثلج والأقزام السبعة الشهيرة. بينما تبقى حالة الظهير ماركوس أندريه باتيستا سانتوس، بطل العالم في نهائيات كوريا الجنوبية واليابان 2002، فريدة من نوعها. حيث أطلق عليه زملاؤه عندما كان صبيا لقب “كابيتا” (الشيطان) بالنظر لقبحه الشديد، ثم بدأوا يسمونه “فامبيرو” (مصاص الدماء) بعد أن فقد أسنانه اللبنية الأمامية. وأصبح لقب اللاعب بعد ذلك فامبيتا بعد المزج بين اللقبين.

 

قل لي من أين، أخبرك من أنت

يشكل الإنتماء الجغرافي مصدراً لكثير من الألقاب والكنى في البرازيل علاوة على الخصائص الجثمانية. إذ تضم الأندية جميعها لاعبين من أقاليم وولايات أخرى، وهو ما يفسر وجود أسماء من قبيل جونيور باهيانو (نسبة إلى إقليم باهيا) ومارسيلينو كاريوكا (نسبة إلى إقليم ريو دي جانيرو) … وقد تألق بعض اللاعبين الملقبين بأسماء مناطقهم الجغرافية، ودخلوا عالم النجومية من أوسع أبوابه، ومن بين هؤلاء اللاعب جونينيو بيرنامبوكانو، أنطونيو أوجوستو ريبيرو رييس جونيور، الذي نشأ في ولاية بيرنامبوك ولعب لفريقها سبورت ريسيفي. وعندما حط الرحال عند فاسكو دي جاما أُطْلِقَ عليه لقب جونينيو حتى مطلع الألفية الثالثة، عندما تعاقد الفريق مع لاعب آخر يحمل لقب جونينيو، وهو أوزفالدو جيرولدو جونيور، القادم من ميدلزبره الإنجليزي. حيث أصبح لقب القادم الجديد جونينيو باوليستا، وهو لقب لم يدم طويلاً، بينما حمل الآخر اسم جونينيو بيرنامبوكانو، وهو الإسم الذي احتفظ به اللاعب بعد ذلك، واشتهر به في فرنسا وفي قطر.

وقد تكرر الأمر السالف الذكر مع أشهر لاعبين يحملان اسم رونالدو عبر العالم. حيث اعتاد الجمهور والصحفيون على استعمال اللقب المصغر رونالدينيو للحديث عن رونالدو الظاهرة، في بداياته. وقد استمر هذا الأمر حتى التحاق شاب جديد من فريق جريميو بالسيليساو سنة 1999، إذ حمل اللاعب الجديد لقب رونالدينيو جاوتشو تفاديا للخلط واللبس. ثم فقد رونالدو اللقب المصغر مع توالي السنوات، وأصبح الجميع يذكر اللاعب الجديد باسم رونالدينيو فقط.

 

رغم ذلك لا يجب الوثوق ثقة عمياء بصحة ومصداقية الإنتماء الجغرافي في الألقاب البرازيلية. إذ لا ينتمي الظهير مينيرو مثلاً، الذي شارك في نهائيات كأس العالم  2006

لإقليم ميناس جيرايس، بل هو من أبناء إقليم ريو جراندي دو سور، وبالتحديد من مدينة بورتو أليجري. بينما لا يمت الظهير ريكاردو روجيريو بريتو، المشارك في نهائيات 1986 و1990، بأي صلة لألمانيا رغم أنه يحمل لقب أليماو (الألماني)، بل أطلقت عليه هذه التسمية بالنظر لبشرته البيضاء الفاتحة، وهو أمر يكفي لكي يكون المرء “ألمانياً” في البرازيل.

كما توجد أسماء لها علاقة بالانتماء الجغرافي، لكنها غامضة ويقع فيها بعض اللبس أحياناً، كما في حالة اللاعب أليكسندر باتو، الذي لم تتم مقارنته قط بطائر البط بالبرتغالية كما يعتقد الكثير من الناس جهلاً، بل ولد فقط في مدينة باتو برانكو في إقليم بارانا. بينما تبقى حالة اللاعب باولو هنريكي جانسو مختلفة تماماً، إذ اعتاد مدرب فريق سانتوس تحت 20 سنة على دعوة اللاعبين قائلاً: “تعالوا هنا يا قطيع الإوز” أو جانسو بالبرتغالية، وقد أعجب باولو هنريكي كثيرا بهذه التسمية واحتفظ بها لقباً لنفسه. كما تشبه حالة جانسو حالة اللاعب هولك، مهاجم فريق أف سي بورتو واسمه الأصلي جيفانيلدو فييرا دي سوزا، الذي أطلق عليه ذلك اللقب تشبيهاً له ببطل الرسوم المتحركة العملاق.

كما أن حمل اسم ذي وقع كبير أمر مغر لجميع اللاعبين، وهو ما جعل اللاعب إدينالدو باتيستا ليبانيو، الذي كان معروفا باسم “دينا”، يعجب باسم جرافيتي وهو يلعب مع فريق ماتونينسي تحت قيادة المدرب إستيفام سواريس، الذي أطلق عليه هذا الإسم بعدما لاحظ الشبه بينه وبين لاعب سابق كان يدعى “جرافيتي” بسبب نحافة ساقيه اللتين تشبهان قلمي رصاص. هذا وقد اشتهر الإسم المستلهم من أوجه التشابه مع لاعب سابق في حالة واحدة من اللاعبين الأكثر تتويجاً بكأس العالم

. ويتعلق الأمر هنا بماركوس إيفانجيليستا دي موراييس، الذي كان يسمى في شبابه كافورينجا تشبيها له بلاعب أتليتيكو مينيرو السابق، ثم أصبح اسمه بعد ذلك كافو مع توالي السنوات والألقاب.

ولا حدود للخيال عند ابتكار واستلهام الألقاب والكنى في البرازيل، بدءاً بالحيوانات: بافاو (الطاووس)، وإيدسون سيجونيا (اللقلاق)، وكلاوديو بيتبول، وإدواردو راتينيو (الفأر الصغير)، وأرانيا (العنكبوت)، وخورخي بريا (أحد فصائل خنزير غينيا)، ومروراً بالأطعمة: كوكادا (جوز الهند)، وإدواردو أروز (الأرز)، وأديمير سوبا (الحساء)، وتريجينيو (القمح)، ووصولاً إلى الأشياء والأدوات: فيولا (الكمان)، وبالاو (البالون)، وتيسورينيا (المقص الصغير)، وألفينيتي (الدبوس)، وفالدير بابيل (الورقة).

جمال عبد الحميد / مصر /