أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب عن : آريانام

19732344_10155461686042288_5824761916286324324_n
بقلم نبض شرقي

 

 

الريح التائقة إلى التمدّن والتي نسمت من أرض العرب ذات يوم، لم تكن روح شرّ تهدم. بل أقبلت على الآخر، تبنيه وتبني ذاتها معه. تجوهره من جديد وتقدمه لذاته وللعالم متألقاً متعدد الثقافات. كذلك فعلت مع الشعوب التي عاشت تحت قبة الحضارة العربية، ومن بينها ثقافات الأقوام العديدة التي تسمى اليوم بالشعوب الإيرانية.

ويكفي استعراض مشهد المسرح السياسي الإيراني الذي كان حتى وقت قريب يضج بالجنون، لمعرفة ما وصلت إليه الأمور. فقبل شهور قليلة ظهر فجأة الشيخ أبوالقاسم الخاكي، وهو حارس مصنع بلاط تحول إلى رجل دين، مرشحاً نفسه لمنصب رئيس الجمهورية في مؤتمر صحافي، معلناً أنه قد اكتشف الحل النهائي لأوضاع الناس الصعبة في إيران.

قال الخاكي “عندما نسمح بتعاطي مادة الأفيون فسوف تنتهي حالات الإعدام وتتراجع حالات الطلاق في البلاد، فقبل الثورة لم تكن لدينا مشكلة كحالات الطلاق”. وسجل أكثر من 807 رجال و56 امرأة أسماءهم مع الخاكي، للترشح للانتخابات الرئاسية، ما اضطر السفير الإيراني في لندن، والمفاوض النووي السابق، حميد بعيدي نجاد إلى الخروج عن هدوئه معلقا على ما سماه “تحول الانتخابات الإيرانية إلى مسرح للنكت والضحك والسخرية”.

من يتذكر اليوم الفيلم السينمائي البديع “آرغو” الذي لعب بطولته وأخرجه الممثل الأميركي الشجاع بن أفليك؟ عن لحظات اندفاع الهمجية بانتصار الخميني وحرسه الثوري واستيلائه على الحكم في “آريانام” القديمة.

أراد أفليك أن يدين الغرب أكثر مما أراد إدانة نظام الولي الفقيه. حين صور المهمة الأميركية وهي تنحصر فقط في إنقاذ الرهائن من السفارة. وليس إنقاذ عشرات الملايين من الإيرانيين الأبرياء من نظام سيغيّر وجه منطقتنا لعقود تالية، وينشر عدوى التشدد العابرة للطوائف والحدود. فقبل وصول الخميني لم يكن لدينا في الشرق ما يسمّى “صراع الطوائف”. لكن الثورة التي جاء بها من باريس، اعتبرت أن مهمتها الداخلية قد انتهت بمجرد وصوله إلى مطار طهران. وبدأت من لحظتها مرحلة “تصدير الثورة” وهو ما بلغ مداه الأقصى باحتلال أربع عواصم عربية مؤخرا.

صحيح أن الإسلام السياسي قد أسقط الشاه رضا بهلوي وغيّر النظام إلى نظام جمهوري (شكلي)، إلا أنه أبقى على النزعة الإمبراطورية الشاهنشاهية الإيرانية، فسحق الشعوب التي هيمن عليها، وابتلع وأراد ابتلاع شعوب أخرى.

هذه كانت إيران ما قبل الأيام القليلة الماضية، أما إيران اليوم فمفتوحة الآفاق نحو كل الاحتمالات. بينما لا يفعل الغرب شيئاً سوى “آرغو” جديد كل مرة. سيناريو مختلق ينقذ به العالم مصالحه، لا غير.

إبراهيم الجبين

جريدة العرب اللندنية