فضاءات ثقافية

حوار مع الشاعر الكبير ( محمود درويش ) قبل رحيله …

Dgk5i74d
بقلم نبض شرقي

محمود درويش لـ »الدستور«:

* الجمال هو الرد على قبح الراهن العربي وعلى قبح العالم وبالشعر الجميل نسند أرواحنا من الانكسار

* لا توجد فكرة تستحق ان تستعبد صاحبها فالانسان المتحرر هو الذي يتحرر من عبء افكاره عليه

* البحث عن تعريف يميز الشعر عن النثر ما زال صعب المنال

* الحب أحد أشكال البحث عن صورة الذات في الآخر وبقدر ما هو اتحاد والتحام هو شكل من أشكال المنفى

* الشعر العالمي الآن شعر غنائي تعددت وتنوعت فيه الذوات الكاتبة

حاوره: تيـسـير الـنـجـار وجهـاد هـديب

 

 

محمود درويش شاعر الملايين من العرب. هو شاعر جماهيري يحتشد لسماعه عشرات الآلاف في كل مدينة عربية. لكنه في الوقت نفسه شاعر صعب يلتقط منه جمهوره بعض الخيوط ـ المفاتيح ليفهم بعض الدلالات التي ينطوي عليها شعره. إنه شاعر إشكالي في علاقته بقرائه ما فتئ يطور نفسه منذ سنوات طلوعه الشعري الأولى على أرض فلسطين في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.

اليوم وفي تمام الساعة الثامنة مساء في قصر الثقافة بمدينة الحسين للشباب هو على موعد مع جمهوره الكبير في افتتاح مهرجان الشعر في جرش.

بهذه المناسبة التي لا تتكرر إلا قليلا حاورت الدستور درويش وحاولت التعرف على رأيه في الحال العربي الراهن، وعلاقة الشعر بالواقع، وموقع الشعر العربي من الشعر العالمي، ودور الشاعر في أزمنة الانهيار.

* »لا أكره أعدائي ولا أحب الذين أدافع عنهم«. الى أي حد يمكن ان يكون المرء أسيراً لفكرته؟

ـ هذا السطر أولاً لـ ييتس الشاعر الايرلندي الكبير عن طيار ايرلندي يريد ان يقول انه لا يحب النظام الذي يدافع عنه ولا يكره ضحاياه، الانسان تتلبسه فكرة يؤمن بها فيحملها، وهو لا يمكن ان يكون أسيراً دائماً لها، فالأفكار تتحول بقدر ما الانسان ايضاً يتحول. ولا توجد فكرة تستحق ان تستعبد صاحبها. الانسان المتحرر هو الذي يتحرر من عبء افكاره عليه. ولكنني لا أعرف عن أية فكرة تتحدث، ولا أعرف ماذا تقصد بالضبط.

* أسأل عن الحب في ديوانك »سرير الغريبة«، هل كشفت عن غريبتك الكاملة أمام آخرك؟

ـ الحب أحد أشكال البحث عن صورة الذات في الآخر. والغربة في السياق الذي تحدثت عنه هي غربة غريبين في حالة حب، وأعني بالغربة أن يبقى الحب جانباً محجباً غير مخترق، لأنه اذا انكشفت كل أسرار الكائن، ومن الصعب ان تنكشف، فسوف تقل حريته حينها، وتقل ذاتيته واستقلاله الذاتي عن طرفه الآخر، وبالتالي اعتقد ان الحب بقدر ما هو اتحاد والتحام فهو شكل من أشكال المنفى.

* قلت ذات حوار معك ان المرأة لا تحتفظ بسرها بل بسر الرجل أيضا. السؤال عن الأنثى التي تحتفظ بسرك الآن؟

ـ لست متأكداً ان عندي سرا يمكن ان تحتفظ به امرأة، فأنا انسان مفضوح وسري موجود في نصي الشعري، وليس لدي سر يمكن ان أخبئه عن أحد ويمكن ان تحتفظ به امرأة ما، لأن سيرتي العاطفية والعامة مكتوبة في شعري.

* هل تشعر انك حر كشاعر؟

ـ هذا سؤال بالغ الجدية، ولا يوجد عندي جواب واحد عنه، اذ في كل مرحلة تتغير الاجابة بتغير الظرف الذي يطرح فيه السؤال. الشاعر حر وغير حر. حر بمعنى أنه يخلق عالمه المتخيل، ويسمح لذاته الفردية الكاتبة ان تتخيل وجوداً أو عالماً متخيلاً مستقلاً نسبياً عن الواقع العيني أو التاريخي. هذا وهم الشاعر. ولكن ليس حراً بمعنى انه ألف الغيرية، والذاتية غير ممتلئة بأناه الخاصة بقدر ما هي أنوات أخرى يوجد بها آخرون، ومهما ادعينا الانفصال عن الآخر أو الابتعاد عنه أو عدم التأثر به لا نستطيع الا ان نكون جزءاً من الآخر، الآخر ليس بمعنى النقيض، بل بمعنى ثنائية الأنا والآخر.

السؤال يطرح أيضاً في وقت الأزمات فالشاعر يشعر انه مطالب بأن يعبر عن فكرة أو حالة أو عن وضع تاريخي. اعتدنا في السابق القريب ان نقول إن على الشاعر أن يلتزم برسالة ما، وان عليه ان يستجيب دائماً لتحريض الواقع اليومي. أعتقد اننا انصرفنا إلى تحديد مفهوم الالتزام بشكل انعكاسي، أي ان علينا ان نرد على كل حدث بقصيدة. لكن الشاعر الآن يتحرر من عبء الرد اليومي، وأصبح مقبولاً ان عالم الشعر مختلف عن المتطلبات الاجتماعية التي يطلبها المجتمع من الشاعر. احياناً يوجد توافق في ان الشاعر ليس معبراً عن وضع سياسي، وأنا أقول انني لست مراسلاً في جبهة لكي أقدم يوميات عن المعركة أو أخباراً. يستطيع الشاعر ان يقوم بهذا الدور ولكن ليس بالضرورة من خلال نصه الشعري، بل من خلال مناطق أخرى. القصيدة الآن أصبحت تبحث أكثر عن ادبيتها مما كانت في السابق.

أنا اعتقد اننا لا نستطيع ان نفصل بين ما يقوله الشعر وما يكونه، فالشعر يعرف بما يقوله أي ببنيته الداخلية، وبما يكونه معاً.

* قلت مرة ان قصيدة النثر من أهم انجازات الشعر العربي في القرن العشرين، والسؤال عن منطقة التوتر بين النثر والشعر داخل الشعر العربي عموماً؟

ـ الشعر دائماً يبدأ من النثر، وهو يشق طريقه بالنثر، ودائما كل همه ان يحقق تعريفاً خاصاً به في المجال النثري الذي يكتب ضمنه، أي أنه مهموم بكيف يصبح هذا الكلام شعراً. هذا التوتر بين الحالة الشعرية والنثرية، بين الحالة الايقاعية والحالة الساكنة، هو الذي يسمح لنا بالتمييز بين الشعر والنثر، وهذا التمييز صعب جداً. كيف نعرف الشعر؟ يقال ان الشعر استعارة، لكن النثر أيضاً استعارة، ويقال ان الشعر تخييل على التخييل، والنثر فيه ظاهرة تخييل. يقال ان الشعر يتحقق بالايقاع، وكذلك النثر له ايقاعه الخاص به. اذن البحث عن تعريف يميز الشعر عن النثر ما زال صعب المنال حتى الآن وخاصة ان هناك آلاف التعريفات للشعر حتى الآن. برأيي ان الشعر هو الكلام الذي يجعل قارئه يقول هذا شعر، ورد فعلك الغريزي الفوري يجعلك تقول ان هذا الكلام لا يشبه الكلام العادي وهذا الكلام أسمه شعر. يدخل ايضاً في تعريف الشعر الوزن والقافية كعلامات مميزة، لكنها ليست محددة للتمييز بين الشعر والنثر.

* ألا يظل تعريف الشعر غائما في ما قلته؟

ـ حتى الآن لا يوجد عندي تعريف للشعر، فكل تعريفات الشعر القديمة والحديثة يشترك فيها النثر ايضاً، فالاستعارة، والتخييل، والايقاع كلها يشترك فيها النثر. وذلك ما يعطي الشرعية لما يسمى الآن قصيدة نثر، بمعنى انها غير موزونة، وانها غير مبنية على العروض ولا زالت تبحث عن ايقاعها حتى الآن، ونحن غير قادرين على تحديده بمعايير ايقاعية. كل قصيدة تحمل ايقاعها الخاص. وأسأل ما هو الايقاع؟ الايقاع برأيي هو طريقة تنفس كل شاعر، فالأوزان كما سجلت هي لاحقة للقصائد، والعروض علم لاحق على الشعر. لكن في قصيدة النثر الايقاع غير معرف وهذا ما يخلق الالتباس والغموض.

* ما سر غرامك بالنثر؟

ـ أحب النثر وأمجده، وأحب النثر أكثر من الشعر، ولا أعرف لماذا شعراء النثر يخافون من توصيف النثر. النثر جنس أدبي نبيل جداً وأرستقراطي.. عالي الارستقراطية. وعندما تقول قصيدة نثر ما نقيض هذا التعريف وهو ضد ماذا: ضد قصيدة شعر؟ من يكتب قصيدة نثر يضع هذه القصيدة بمواجهة مع ماذا؟ واذا كان من يكتب قصيدة نثر يعتبر ما يكتبه قصيدة نثر فما الذي أكتبه أنا؟ هل هو قصيدة شعر؟ إذن كيف يرضى كاتب قصيدة النثر على نفسه مثل هذا التعريف السلبي؟

كل هذه التساؤلات لا تعني انني لا أحب النثر، وقصيدة النثر، أو الشعر المنثور أو الشعر النثري، سمه ما شئت.

* ما سر كل هذه الحياة لشعرك خارج لحظة كتابته؟

ـ لست أنا من يمكنه ان يفسر ان كان هناك سر. لكن طموح كل شاعر ان يزيد رصيد قصيدته بالجماليات والاستقلال الجمالي وان يزود قصيدته بحياة جمالية تجعلها صالحة لأن تعيش بشرط آخر وزمن آخر. اذا كانت بعض قصائدي قد حققت هذه الامكانية، فأنا سأكون سعيدا جداً، لأن أخطر شيء على الشعر هو الراهن، فالراهن سريع الزوال. فكيف تزود قصيدتك بحياة ثانية خارج حياتها الأولى؟ إن العملية الجمالية هي التي تسمح للشعر ان يكون قادراً على البقاء.

* ربما الشعر الملحمي هو الأكثر قدرة على البقاء؟

ـ أكبر نص كتبته هو »الجدارية«، وفيه تناغم بين اللغة الملحمية واللغة الغنائية. النص الطويل يسمح للشاعر أن يستخدم كل أدواته الأسلوبية والايقاعية والثقافية والفكرية داخل نص واحد. اعتقد ان النص الطويل يستوعب أكثر من خيار جمالي واحد. كما ان التزاوج بين النفسين الغنائي والملحمي صلب مشروعي الشعري وجعله يتضمن سياقا سرديا كذلك.

* هل هذا الشكل عابر للزمن في رأيك؟

ـ لا يوجد عندي ضمان للشكل الذي يمكن ان يكون أكثر بقاء. أولاً الملحمة انتهت، كتبت سيرة الرحلات والشعوب وانتهت، ولم يعد هناك ملاحم. وليس ممكنا الآن التحدث عن الملحمة الشعرية بالمعنى الكلاسيكي، وانما يمكن ان نتحدث عن غنائية ملحمية، أي نفس ملحمي داخل القصيدة الغنائية. أما ان تكتب ملحمة بالمعنى الكلاسيكي فذلك غير ممكن في زماننا الراهن، والشعر العالمي الآن هو شعر غنائي، بمعنى الشعر الذي تكتبه ذوات كاتبة، عدة ذوات سواء من خلال علاقتها بخارجها أو بالآخر. الشعر العالمي الآن شعر غنائي تعددت وتنوعت فيه الذوات الكاتبة. أما الشعر العربي فلم ينتقل كما حصل مع الشعر الغربي من الملحمي والمسرحي الى الغنائية، بل انتقل من غنائية الى اخرى.

* اللحظات الراهنة سياسياً هل تطالبك بموقف شعري أخلاقي ازاء ما يحدث؟

ـ دائماً الواقع التاريخي يدفع الشاعر أن يطالب نفسه بموقف اخلاقي، ولكن السؤال كيف يتجلى هذا الموقف الاخلاقي وهذا الارتباط والاصغاء في النص الشعري. كان الرد في السابق بسيطا وشبه ساذج، وكأننا نجيب على كل حدث بقصيدة، وكأن الشعر تعويض عن الفعل.

الآن أشعر باستقلال أكثر في طريقة تعبيري عن هذه الأزمات، فأولاً يجب ان تتوفر مسافة ما ويجب ان أضع الحاضر في سياقه التاريخي، اذ يجب ان لا أفصل اللحظة الراهنة عن سياقها التاريخي. ويمكن أن تلاحظ أنه عندما يتسلل صوت لحدث ما الى شعري فإنه يحمي نفسه من الذوبان ويتسلل بحجاب أسطوري أو بحجاب تاريخي. وبرأيي ان أي شعر لا يحمله تاريخ، ولا يحمله مكان، فمشكوك في امكانية ان ينبت أو يزهر.

اللحظة السياسية التاريخية العربية ركيكة جداً، واللغة لا تتحمل هذه الركاكة، ولا تدعوك الاّ الى الهجاء. أفضل للشعراء ان يهجوا الواقع العربي الحالي المرير بمقالات ومظاهرات. لكن الشعر لم يعد يتحمل فقد تعب من هذه المتابعة اليومية للسقوط اليومي المستمر.

* لماذا كلما وقع حدث جلل اتجهنا نحو القصيدة؟

ـ كلما وقع حدث جلل طرح السؤال التقليدي ما دور الشاعر في هذه الأزمة. الشاعر لا يستطيع ان يكون بديلاً عن الفعل السياسي الحقيقي بمعناه العميق وهذا الصدى لعقلية سحيقة في القدم تمثل بأن الشاعر هو صوت القبيلة وأن مفعول القصيدة هو مفعول السيف، فالقبائل لا تتحرك لغزو قبائل أخرى الاّ اذا كان حاديها شاعراً. هذه النظرة القبلية قد انتهت في العالم العربي.

أرى ان دور الشاعر الأساسي هو ان يكتب شعراً جميلاً،فالجمال هو الرد على قبح الراهن العربي وعلى قبح العالم، والشعر الجميل يعيد الى الانسان ثقته بانسانيته، ويحرره من التماس مع كل هذا القبح. اذن بالجمال نرد على القبح، وبالشعر نسند أرواحنا من الانكسار.

* ما رأيك في المشهد السياسي العربي الراهن؟

ـ أي مدقق في المشهد السياسي العربي سيرى التمثيلية تتكرر، والنص أصبح غير صالح للعرض، والممثلين شاخوا، ولا أحد في القاعة. انها خالية، ومفهوم الاستقلال الوطني لم يعد يعني الآن سوى الانفصال عن المشروع الوطني القومي، وهو دفاع الاقليمي باستقلاله عن القومي. هذا هو الاستقلال الوطني الآن اذ ان كل وطن مشغول بالدفاع عن مصالحه الوطنية. واذا أردنا ان ندقق في هذا المصطلح فسنجد انه لا يعني أكثر من الاستقلال عن الفكرة القومية العامة، والأمر لا يحتاج الى ذكاء خاص لمعرفة ذلك. لكن السؤال الصعب هو ماذا يستطيع الشارع ان يفعل؟ لقد هجونا كثيراً، ولم نصب السلطات بسوء، بل أصبنا الشعر بسوء. الاصابات كلها كانت ضد جماليات الشعر. لكن هذا لا يعني ان الشعر لا علاقة له بالواقع بل إن طريقة تعبيره عن واقعيته يجب ان تكون شعرية. ما أقوله ليس مرافعة لفصل الشعر عن الواقع السياسي، لكنني أدعو ان يقوم الشعر بدوره بأدوات شعرية، لا بأدوات سياسية. كل شاعر يكتب الشعر بطريقته اذ يوجد أقنعة كثيرة للشعر، وتوجد رمزيات كثيرة، و يمكن ان تحيا واقعة تاريخية معينة عبر قصيدة جميلة تكون هي الرد على الواقع الحالي، ربما من خلال قصيدة حب تعيد للانسان ثقته بانسانيته وبالمنطقة الحرة في داخله. يمكن لتلك القصيدة ان ترد على محاولة احتلال قلبك أو تحديد لغتك الشعرية. مشكلتنا الآن هو أن الاسرائيلي هو الذي يحدد ما الذي يمكن ان نقول شعرياً، بالضغط اليومي، وكأنه لا يريد لنا الاّ ان نكتب هذا النوع من الثناء، ومن هنا فإن الكتابة عن قصة حب يمكن ان تكون نوعا من المقاومة.

* أليس الوعي السياسي في صلب سياسة الشعر؟

ـ كل شعر له سياسة، سياسته الشعرية، سياسته الجمالية، سياسته التعبيرية، سياسته الايقاعية، وسياسته في علاقة هذا الشعر بتاريخه وزمنه ومجتمعه. ليس أخلاقياً القول ان الشعر لا علاقة له بالسياسة، لكن السؤال هو كيف يعبر عن هذه العلاقة. من العار القول ان لا علاقة بين الشعر والسياسة، لكن السؤال هو عن شكل التعبير الجمالي الجديد عن تطور الشعر والذائقة والوعي الجمالي في سياق الوعي الراهن.

وضعنا الآن ينطبق عليه شعر الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات، أي الشعر الحماسي، الهجائي. لكن هل نستطيع قول ذلك الشعر مرة أخرى. أسهل شيء ان تقوله، لكن ذلك يضيف الى الهزيمة السياسية هزيمة ثقافية، فالاستمرار بنفس القول، وبنفس الأسلوب الشعري القديم المستهلك يشكل هزيمة شعرية ثقافية عربية. لكن يكفينا هزائم لغوية، وسياسية، وثقافية.

* ماذا عن سحر الاستقبال الذي يمنحه شعرك للمتلقي؟

ـ توجد مسائل تتعلق بالحظ، اذ يوجد شعراء لديهم »كاريزما« وشعراء لا يوجد لديهم. قد يكون لدي شيء من ذلك في علاقتي مع الجمهور. قد يكون لي صورة تخلط بين عدة مستويات تجعل لحضوري الشعري هذا المذاق الخاص.

لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك، فمن العيب ان أواصل الحديث عن نفسي.

* علاقتك مع الجمهور استفاد منها الشعر، بمعنى ان الشعر ظل موجوداً وحاضراً؟

ـ أنا سعيد بذلك، وليس عيباً ان أسهم في إبقاء العلاقة بين الناس وبين الشعر علاقة حية. إنني اعتبر هذا انجازا. حين يحظى شاعر معين بثقة القارئ، فهذه الثقة تسمح للشاعر ان يطور نفسه، ويقدم اقتراحات متجددة شعرياً دائماً، كما تسمح لقارئ الشعر ان يتطور معها. اذن الفائدة متبادلة فالقارئ يشجع الشاعر على التطور والشاعر يرفع الذائقة العامة لمواكبة الاقتراحات الجديدة أو التجديد والتجريب في الشعر المعاصر. اعتقد ان القراءة الشعرية المباشرة ضرورية جداً، وهي تتطور الآن في اميركا وأوروبا من خلال المهرجانات الشعرية التي تزدهر في الغرب وتنقص في العالم العربي، بسبب احساس الغربيين ان النص الشعري ليس فقط شيئاً مكتوباً وانما يجب ان يكون نصاً شفهياً ايضاً، بمعنى ان قراءة الشعر وحده لا تكفي وانما يجب ان تسمعه. إن قارئ الشعر يحول السطور الجامدة الى أصوات وايقاعات، وذلك ما يجعل الأمسيات الشعرية الآن تزدهر في العالم كي تعيد ربط الصلة بين السمعي والبصري.

* الشعر العربي في التسعينيات والثمانينيات أقرب الى الصمت وأبعد عن المنبر. لكن، هناك حضور للموسيقي مع الشاعر في بعض الأمسيات؟

ـ إعادة خلق صلة مباشرة بين النص المكتوب والنص المسموع، واحياء هذه العلاقة قد يروج للشعر أكثر وقد يكون حضور الشعر أقوى في النسيج الاجتماعي أكثر من الكتاب وعلى الأخص في ظل انتشار الوسائل الاعلامية المتعددة.

* والمنبر؟

ـ المنبر تعرض الى هجاء كاف، وحين تريد ان تشتم شاعرا فأنت تقول عنه هذا شاعر منبري. لكن تدعو بهذا الكلام إلى ضرورة أن تكون العلاقة بين الشعر والقارئ علاقة عزلة وهامشية. يعني كلما زادت عزلة الشاعر وقل عدد قرائه كان شعره أفضل. هذا هو أحد مقاييس جودة النص الشعري في النقد العربي، أي ان المنبر مضاد للشعر، ومجرد ان تتحدث في الميكروفون فأنت ضعيف شعريا. هذا وأد للشعر وقتل له. أرجو بعد ان تغير الغربيون ان نتغير نحن لأن مرجعيتنا دائماً غربية.

لكن ألا تقدم الموسيقى الكلاسيكية على المنبر، والمسرح الراقي ألا يقدم على المنبر لا في غرف النوم أو الحمامات؟ فلماذا نجرد الشاعر من ان يكون له صوت مسموع؟ الجريدة اسمها منبر فلماذا ينشرون فيها شعرا؟

لعل اللغط خف حول هذا الموضوع الآن.لكننا نجد ان الشعراء المعادين للمنبر يقفون على المنابر ويهجون الجمهور بعد ذلك. لو أن جمهورهم زاد لما فعلوا ذلك، لكن لأن جمهورهم قليل فإنهم يشتمون الجمهور. من هنا لا يوجد معيار واضح للحكم على الأشياء. الموضة الشائعة هي القول انه كلما زاد عدد جمهور الشعر تم ذلك على حساب الشعر. لكن الشعراء الذين يقولون ذلك يسعون لخلق شعبية ومنبرية وجماهيرية.

هناك عدم نزاهة في الموضوع.

* شعرك حوّل فلسطين الى مجاز شعري كبير والسؤال عن نبض ذلك المجاز في الغرب؟

ـ ليس بامكاني ان أقيس مدى استجابة القارىء الغربي لشعري. توزيعي ممتاز في الغرب، وأنا من أكثر الشعراء توزيعاً بالانجليزية والفرنسية والاسبانية. لكن لا نستطيع ان نعرف فيما إذا كان شعرنا العربي موجودا في نسيج الثقافة الغربية أم انه مجرد زائر سياحي. علينا ان نكون دقيقين في موضوع عالمية أدبنا العربي من خلال الترجمة. لكن علينا ان نكون جزءاً من مشهد الشعر العالمي وان نحتل موقعنا فيه.

* هل يمكن للنص الشعري ان يفيض عن التاريخ؟

ـ لمعرفة ذلك ننظر الى التراث الأدبي العالمي. نحن نعرف الكثير من البلدان والحضارات من خلال النصوص الأدبية بشكل عام، فحرب طروادة يمكن ان تكون حربا خلاف ما صورها النص الهوميري، والنص الهوميري يؤكد لنا انها حرب تاريخية. لكن كم هي حقيقية تلك الحرب، لا نعرف. لكن النص أصبح أكبر وهو يفيض عن الواقعة التاريخية. في النصوص الأدبية الكبرى لا تعرف هل النص انعكاس للواقع أم ان الواقع انعكاس للنص. وفي بعض البلدان يغريك البحث عن أمكنة النص الشعري، أو النص الروائي، ويصبح المكان وكأنه انعكاس للكتابة. هذه هي قوة النصوص الكلاسيكية، أما النصوص المعاصرة فلم يتم اختبارها لأننا بحاجة الى قراء بعد ألف سنة كي يختبروها. عندما تقرأ النصوص الكبرى عن فلسطين القديمة لا تعرف أين النص و أين الواقع. أحياناً الأسطورة تبتلع الواقع وتهيمن عليه، وتصبح أكثر واقعية من الواقع، ويصبح الواقع أسطوريا، والأسطورة هي الواقع. هذه هي قوة النص التوراتي حتى ان بعض المؤرخين اليهود لا يقبلون ان تكون التوراة المرجعية لقراءة تاريخ فلسطين، ويعتبرون هذا الكتاب كتاب أساطير وكتاب آداب، وتأتي قوة النص لتثبت في مخيلة آلاف وملايين من القراء ان هذا واقع تاريخي!

* قلت انك لو خيرت لاختصرت أعمالك الشعرية لخمسة أعمال فقط ما السبب؟

ـ لأنني ببساطة كاتب شعر متطلب ووعيي الشعري يتطور باستمرار وقصيدتي الشعرية تتغير باستمرار، واطلاعي على الشعر في العالم يجعل النظرة الى الشعر العربي في تغيير مستمر. واذا استطاع شاعر ما ان يضمن حياة ما لمائة صفحة من شعره فعلينا ان نرحج كفة النوع على الكم في الشعر العربي، لأنه كمي متراكم والنوعي فيه قليل جداً. بشكل عام الشعر دائماً قليل في تاريخ الشعر العربي الذي وصلنا، حتى كبار شعرائنا، مثل المتنبي، يمكن اختصارهم في مائة صفحة. الشاعر اذا كانت لديه حاسة نقدية عميقة تجاه نفسه فعليه أن يختصر شعره.

* حاسة النقد هل خدمت شعرك وقصيدتك؟

ـ اننا نفتقر الى ريادة نقدية في التجربة الشعرية العربية، ولا أعرف ما الذي حصل للنقد. قد يكون ذلك جزءا من أزمة الثقافة العربية، والساحة النقدية ليست خالية تماماً اذ توجد اجتهادات نقدية لدى بعض الشباب. لكن لا توجد علاقة جيران بين النقد والشعر، ولا يوجد تيار نقدي كجزء من الحركة الثقافية العامة. لدينا فوضى ونقص في المواكبة النقدية للتجربة الشعرية. لذلك على الشاعر ان يكون ناقداً،وأنا أكتب شعري وأنقد نفسي، أي انني ابني وأهدم.