فضاءات ثقافية

فلاش باك من القامشلي /الحلقة 13/ مواسم الغرباء لا تنتهي …

IMG_0074
بقلم نبض شرقي

 

كانوا يأتون من الناحية الغربية للقرية و كأنه طريق مخصص للغرباء فقط  قبل ان يتوجهوا شمالاً.

لهم مواسم محددة و خرائط ثابتة و محطات متكررة مثل الطيور المهاجرة تماما فقد كان وقتنا في نيسان عندما ركضنا جميعا نحن الاطفال تجاه خيّال توقف في ساحة القرية بالقرب من الطاحون التي كان صوتها الوحيد طاغياً في سمائنا الصغيرة شديدة الزرقة تاركين خلفنا منظراً سئمنا مراقبته منذ الصباح الباكر فقد كان شباب القرية و شيبها منهمكون في تكتيف الاغنام و القائها ارضاً ببراعة تنبئك بأنه عمل مكرر لعشرات المرات قبل ان يتوغل في جسمها مقصٌ عملاق  يسموه ” الزّو ”  يزداد حدة كلما بصقوا عليه !!! كنّا نظن للوهلة الاولى انه دخل في أحشائها ليظهر مجددا من مكان اخر من النعجة  المستكينة الملقاة ارضا و قد جزّ صوفها بالكامل في قطعة واحدة تكوم لاحقاً بشكل اسطواني يسمونه ” الجزّة ” ليتباهى بعدها كل شاب بعدد الجزّات التي انهاها في نهاية اليوم فهو موسم الصوف قبل ان يهلّ عليهم موسم الصيف الحار .

أحطنا حول الخيّال و الذي كان رديفه سعداناً وفقا للهجتنا بينما اللغة العربية الموقرة تبجله بكثير من المصطلحات منها ” القرد” فقد كان يطلب من السعدان اداء التحية لنا و كان يفعل وسط موجات من الضحك الهيستري الطفولي اللامنتهي فقد كنّا ننتظر بشغف مشهد اعطاء السعدان سيجارة و قد حفظنا عن ظهر قلب مشاهد العرض قبل ان يختفي البغل و السعدان و صاحبهما في سراب الطريق المتجه شمالاً و قد امتلئ خرج البغلة بجزات الصوف .

يأتي الخريف و معه ناس غريبة الاطوار يرشون ادوات الطهي شديدة السواد بمادة ساخنة  فتتحول بحركة يدوية سريعة الى لون ضوئه المنعكس يؤلم اعيننا الصغيرة بينما تنفرج اسارير نسوة القرية فرحاً و ابتهاج بمستوى البريق و النظافة الوهمية لاوانيهم البالية . و البعض الوضيع من شباب القرية يبتسم ابتسامة لامعنى لها ليريك السن الذهبي الذي قام بتركيبه للتو على يد فتاة حسناء من قوم الغرباء و اغلب الظن ان مطمعه لمسة حانية غير مقصودة  على خده اثناء التركيب ليس الا .

لايلبثون الا القليل من الوقت حتى يبتلعهم طريق الشمال فهو بوابة الخروج لتلك القرية

حتى تأتيك هدلا و ابنها دوقو و هي امرأة اربعينية تبرأ منها لسانها تجر خلفها ابن معاق يحمل في يده عصفورا ميتاً في كل زيارة !! و يأبى ان يرميه فقط يلوح به لاخافتنا و تسمع من هدلا كلمات توسل و تهديد ووعيد سماوي ان لم تمتثل لطلباتها التي لا تنتهي فهي تخبرك بكمية الموسم الذي رزقك الله به و عدد المواشي في حوش البيت تأخذ المقسوم منك بالتدرج اولها النقود و بعدها الملابس البالية و من ثم الطعام قبل ان تكتشف لاحقا اختفاء غرضاً قيماً من البيت .

ماتت هدلا و بقي دوقو ابنها المعاق و بقيت روحها في كل مكان تتسول بقوة و ارهاب  ليس من السماء هذه المرة بل من اشياء( اخرى ) بفتح الالف .

انه زمان هدلا و دوقو تدفع دون مقابل …

فيصل القعيط