مدونات-جرائد

ملكون ملكون يكتب : جورج ويا نجم ملاعب الكرة يخوض مباريات السياسة رئيساً

p1000-page-012

 

 

 ملكون ملكون  

تعيش منطقتنا العربية، هذه السنوات، أسوأ الظروف وأقساها، إذا ما فكرنا فيها كبيئة لتربية الأطفال. فالعنف المتصاعد والإرهاب الديني والشقاق الطائفي والعنصري والتفكك الحاصل في المجتمعات، كل تلك العوامل تعتبر مناخا بشعا جدا ينمو فيه وعي الصغار، الذين سيكبرون وستكون عليهم قيادة مجتمعاتنا قريبا. حينها سيجني صانعو العنف ما زرعت أيديهم.

ولكن وفي مجتمعات مماثلة، شهدت حوادث وأعواما دامية كالتي نشهدها نحن العرب اليوم، تخرج استثناءات تؤكد أن الأجيال الجديدة حمالة للمفاجآت أيضا، ولا تكتفي بأن تكون رد فعل على ما يطبق عليها اليوم عبر كافة وسائل التأثير.

جورج ويا واحد من هؤلاء الذين كلما نظرنا إليهم فكّرنا في أطفال الشرق الأوسط؛ نشأ وعاش في بيئة حروب ومجازر وكوارث، ولكنه فاجأ الجميع في النهاية.

وعلى غير المعتاد في نهاية المسيرة الرياضية لنجوم كرة القدم اختار النجم الليبيري ألّا يبقى أسيرا للأجواء الرياضية بعد الاعتزال. فلم يختر طريق التدريب أو الإدارة أو العمل في الفيفا.

قرّر ويا أن يخوض غمار السياسة لعله يقدم لبلده في مجال الحياة العامة ما عجز عن تقديمه في مجال كرة القدم، إذ لم يتمكن من تحقيق حلم ليبيريا بالتأهل لنهائيات كأس العالم نظرا إلى المستوى المتواضع للمنتخب الليبيري قياسا بعمالقة القارة السمراء، لكنه الآن حقق حلمه واعتلى سدّة رئاسة الدولة طامحا في تقديم الرفاه والتقدم لشعبه.

 

الفقر والعنف

أمضى ويا مسيرة شاقة ومضنية، إلى أن حقق نجاحات باهرة في عالم الكرة والسياسة. فبعد ولادته في العام 1966 عاش وترعرع في كنف جدته بعد انفصال والديه، وليام ويا الذي كان يعمل ميكانيكيا، وأمه آنا كوايويه التي عملت بائعة.

حياة صعبة تلك التي عاشها ويا في حي “كلارا تاون” أحد أكثر الأحياء فقرا في العاصمة الليبيرية مونروفيا. وكانت كرة القدم ملاذه الوحيد، ليصرخ في وجه الفقر معلنا طموحاته وأحلامه الكبيرة.

وإلى جانب شغفه بكرة القدم عمل ويا كمشغل تحويلة في شركة الاتصالات الليبيرية، وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره تابع بدهشة تفاصيل الانقلاب العسكري على الرئيس الليبيري الأسبق ويليام تولبيرت عام 1980 الذي تم قتله على يدي قائد الانقلاب صامويل دو.

وبعد تسعة أيام فقط شاهد الفتى اليافع العشرات من مؤيدي تولبيرت وهم يقتلون في الشوارع برصاص الجيش الليبيري، مما ترك شرخا في أعماقه وهو يخطو خطواته الكروية الأولى مع فريق “يانغ سرفايفرز” أو “الناجون الصغار”.

وكعادة الفرنسيين الذين يقتنصون كل ما هو مميز في أفريقيا، فقد توسم المدرب الشهير أرسين فينغر في ويا الصغير الموهبة الكروية المتفجرة. أخذه إلى نادي موناكو الفرنسي في عام 1988، ليبدأ نجمه الكروي بالبزوغ.

 

 

عام 1992 انتقل ويا إلى نادي باريس سان جيرمان، قبل أن يخطو خطواته الأبرز والأهم في عالم كرة القدم بانضمامه إلى نادي ميلان الإيطالي عام 1995 النادي الذي حقق معه ألقابا عديدة، حين نال لقب أفضل لاعب في أوروبا والعالم.

بعد ذلك تحرك ويا بين أندية تشلسي ومانشستر سيتي الإنكليزيين وكذلك نادي مرسيليا الفرنسي قبل أن ينهي مسيرته الكروية الحافلة في دولة الإمارات العربية المتحدة مع نادي الجزيرة عام 2003.

ما بين بيرلسكوني ومانديلا

حين قرر ويا خوض غمار السياسة، كان ينظر إلى شخص بعينه، معتبرا إياه ملهمه في المجالين الرياضي والسياسي. فكان قريبا من أفكار وتعليمات رئيس الوزراء الإيطالي ورئيس نادي ميلان سيلفيو بيرلسكوني الذي وضع له الأسس التي يجب أن يتبعها في رحلته السياسية الشائكة في بلد ينتظر عملية انتقال سياسي على أسس ديمقراطية منذ أكثر من ستة عقود.

أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية بعد أن أسس حزب “مؤتمر التغيير الديمقراطي” معتمدا على تاريخه الكروي المميز وعلى عدم تورطه في الصراعات الدموية الداخلية لإقناع الناخبين بانتخابه. لكن منافسته إيلين جونسون سيرليف الخبيرة الاقتصادية والتي شغلت مناصب مهمة دوليا داخل البنك الدولي، استثمرت قلة خبرته السياسية وفازت بالانتخابات.

لم يستسلم ويا لليأس. خاض الانتخابات الرئاسية مرة ثانية عام 2011 لعله يعيد الأمل إلى ليبيريا التي مزقتها حرب أهلية استمرت أربعة عشر عاما، وأسفرت عن مقتل ربع مليون إنسان، ثم ضربها وباء الإيبولا في كارثة إنسانية مريرة، ولكن سيرليف الحائزة على جائزة نوبل فازت مرة أخرى بالرئاسة.

خاض ويا غمار الانتخابات الرئاسية للمرة الثالثة ففاز بالدورة الأولى بأكثر من 38 بالمئة من الأصوات، وفي الدورة الثانية التي أجريت في السادس والعشرين من ديسمبر الماضي حقق فوزا كبيرا بـ61.5 بالمئة من الأصوات مقابل 38.5 بالمئة لخصمه جوزف بواكاي، فأصبح أخيرا رئيسا لليبيريا التي سيتولى مهامه الرئاسية فيها يوم الثاني والعشرين من يناير الحالي.

الرئيس الجديد تعهد في مؤتمره الصحافي الأول بعد الفوز بتحسين حياة الليبيريين، مؤكدا أن الطريقة المثلى للاحتفال هي بتنمية حياة الشعب، وقال “سنبني على التقدم الذي حققته السيدة سيرليف لتحسين حياة الليبيريين، ويمكنني القول علنا إن الطريقة الفضلى للاحتفال بالليبيريين هي بتحسين حياتهم، واليوم أعلن ان تحسين حياة الليبيريين هي مهمة استثنائية”.

وتابع ويا “إن الذين سيتم اختيارهم في الحكومة سيكونون مكرسين لفكرة العمل من أجل الفقراء والتحول الاجتماعي… إن الليبيريين هم الأبطال الحقيقيون لهذا النصر”.

وتكشف صحيفة “الغارديان” البريطانية أن الفضل في زرع فكرة الاتجاه إلى السياسة واستثمار نجاح ويا الرياضي يعود إلى الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا الذي استقبله وحثه على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2005 مؤكدا له أن ذلك هدف عظيم لنجم اعتبره مانديلا “فخر أفريقيا”.

بعد ذلك اللقاء مع مانديلا تغيرت لغة ويا وأعلن في حملته الانتخابية آنذاك “يمكنكم ان تثقوا بي لأنني أعرفكم وأنتم تعرفونني. علينا أن نشيّد من جديد بنيتنا التحتية. وعلينا إعادة أطفالنا إلى المدارس، شعبنا يحتاج إلى الخروج من الظلام الدائم”.

مصطلحات رياضية في السياسة

ويا الذي يقود أول انتقال ديمقراطي للسلطة في ليبيريا منذ العام 1944 مع نائبته جويل هاورد تايلور الزوجة السابقة لتشارلز تايلور قائد التمرد السابق ثم رئيس الدولة بين عامي 1997 و2003، تنتظرهما مهام صعبة، ولكنه يتكّئ على مصطلحات حياته الرياضية ويقول “لقد شاركتُ في مباريات صعبة جدا وخرجتُ منتصرا. لذا، أعرف أنني لن أُهزم. فالشعب الليبيري بجانبي”.

ولكن شعبيته لا تكفي، بحسب منتقديه، الذين دائما ما يشيرون إلى افتقاره للتعليم الرسمي ولقلة خبرته السياسية في قيادة البلاد. ومع ذلك فإن جيل الشباب في ليبيريا لا يخفي تفاؤله بفوز ويا، ويطمح إلى أن تتقلص تكاليف التعليم وأن يحصل على التعليم المجاني وأن تنخفض أسعار السلع.

الكثير من المحللين السياسيين في ليبيريا يتوقعون لويا النجاح، رغم المشاكل المزمنة التي تواجهها البلاد كانقطاع الكهرباء وترك معظم مناطق البلاد من دون طاقة. بالإضافة إلى أن معظم طرق المناطق الريفية بحاجة إلى إنشاء وإصلاح. إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز الرعاية الصحية وتوفير المرافق الأساسية، ومشكلات البطالة وانخفاض أسعار صادرات البلاد الرئيسية، وخام الحديد والمطاط، وانخفاض المساعدات الخارجية، وانكماش اقتصاد البلاد في العام الماضي، حيث خفّض صندوق النقد الدولي الشهر الماضي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعامي 2017 و2018 مشيرا إلى مؤشرات مثل تباطؤ أسعار السلع الأساسية وسحب بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

ومع ذلك يقول المحلل روبلت نايجاي بايلي “إن نجاح ويا يتلخص في الفريق الذي سيقوم بتشكيله. إنه يحتاج إلى أشخاص يتمتعون بنزاهة ومهارة لتنفيذ التغيير، عليه التركيز على عنصرين أو ثلاثة من برامجه. إذ لا يمكنه القيام وحده بكل شيء. هذا من المستحيل”.

كان ويا طيلة الوقت فاعل الخير المبادر. فزملاؤه في نادي سان جيرمان الذين كانوا يطلقون عليه لقب “المستر جورج” يشهدون كيف أنه كان يساعد الجميع، ويحرص على تقديم المعونات للمشردين في شوارع باريس. وكذلك لا يتردد في تقديم المساعدة لأبناء بلده، حتى أنه في يوم من الأيام قام بدفع أجور العاملين في سفارة ليبيريا بفرنسا.

يوم الاثنين القادم سيؤدي ويا القسم الرئاسي في العاصمة مونروفيا. وسيجري حفل تنصيبه ونائبته جويل هوارد بالمركب الرياضي صامويل كانيون دو بباينسيفيل، وسيشهد الحفل حضور عدة زعماء أفارقة ونجوم كرة قدم معروفون. وعلى هامش حفل التنصيب سيجري لقاء كروي بين “نادي ويا” وجنود القوات المسلحة الليبيرية بباركلي.

نجح جورج ويا في التغلب على بيئته، وتمكن من قهر كل الظروف الصعبة التي نشأ فيها، فهل سينبت في أرض الشرق أطفال مثل ويا ذات يوم، ينجحون في مجالاتهم العلمية والرياضية والفنية وينتقلون إلى إصلاح عالم السياسة العربي المتهاوي؟

جريدة العرب اللندنية