أفكار متقاطعة

علي جمعة الكعـود يكتب :القامشلي ليستْ مدينةً فقط !

معروف عازار
بقلم نبض شرقي

 

 

أثارتْ القامشلي منذ ظهورها في بدايات القرن العشرين جدلاً واسعاً لكونها مدينة استثنائية في تنوعها السكاني والبنائي والجغرافي .. فمن حيث التنوع السكاني نجد فيها مكونات مختلفة من عرب و أكراد و سريان و آشور و يزيديين ويهود وكلدان وأرمن وهذا التنوع السكاني أعطاها بُعداً زمانياً لجهة تطورها بسبب تعانق عادات وثقافات عديدة تصب في مصلحة التطور العقلي والذهني فانتقال الذهنية الواحدة إلى مرحلة الانصهار في ذهنيات أخرى تكرس ظاهرة جديدة تكمن في قابلية الانتقال لتطبيق الإيجابيات الموجودة في العادات الثقافية لدى الشريك الجغرافي ونبذ السلبيات الموجودة في عاداته وسلوكياته المتوارثة و هنا نصل إلى خصوصية جديدة تسم نشوء العقل البشري المصفى فنرى سموّاً في التفكير والتعامل بين المكونات و من جهة أخرى لا نستطيع تجاهل ظاهرة التقليد غير المباشرة وما تشكله من هاجس لدى الكثيرين نتيجة الإعجاب بعادة أو بظاهرة وتقليدها حيث تنم ظاهرة التقليد عن تكرار يحولها إلى قاعدة عرفية تندرج تحت بند السلوك الدائم كما تشكل علاقات الصداقة التي تعتبر امتداداً لعلاقات الزمالة في المدرسة أو في العمل ارتقاءً في نبذ الفوارق السلوكية و التوحيد بين تقاليد المنزل بما يشمله من طقوس احتفالية ومن مأكولات تسعى إلى التشابه نتيجة الولائم و التبادل بإرسال هذه المأكولات بين الأُسر التي تنتمي إلى مكونات مختلفة و حيث لا توجد تسمية لهذه المأكولات لدى الأسرة المستقبلة فيتم استعمال الاسم الموجود لدى الأسرة الأم و هنا نجد ظاهرة جديدة هي توحيد بعض الكلمات وجعلها خاصة بمفردات أهل القامشلي يتداولها الجميع بروح واحدة وبلسان واحد .. وكذلك من ناحية اللباس و لو إلى حد ما مما يشكل سعياً في نبذ الخلافات البسيطة التي تتفرد بها المكونات ولا ننسى توحيد الرؤى الفكرية من خلال المناقشات الجادة و الحثيثة و توحيد الرؤى و المواقف تجاه موضوع معين سواءً كان سلبياً أم إيجابياً وتقوم عمليات إهداء الكتب الخاصة بالتراث مقام الاطلاع المجاني على ثقافة كل شعب وتحديد مكامن الاعجاب و تسجيل أهم النقاط التي يمكن لمسها في تلك الدراسات التراثية من الناحية الإيجابية .. أما من حيث التنوع البنائي فنجد البيوت الطينية والبيوت الإسمنتية وكذلك البيوت الإسمنتية بسقوف خشبية و غيرها حيث تشكل هذه البيوت سمة مشتركة من جهة عدم انحصار كل شكل منها عند فئة معينة فنجد عند كل مكون من هذه المكونات عائلات تمتلك بيتاً ينتمي إلى الأشكال الثلاثة وهذا يشكل عاملاً نفسياً يتجلى بعدم التوزيع الطبقي حسب المكونات و إنما يتوزع على الجميع فالطبقة الغنية تشمل جميع المكونات وكذلك الوسطى و الفقيرة مما ينتفي معه عامل الإحساس الفردي الخاص بكل مكون بأنه ينتمي بمجمله إلى إحدى الطبقات الآنفة الذكر وهذا عامل آخر يصب في مصلحة توحيد المكونات من جهة الفاعلية الاقتصادية والمجتمعية فالكل فاعلون بدون استثناء في المدينة والكل شركاء في رأس المال و الكل شركاء في العمل حسب ظروف كل شخص .. أما من ناحية التنوع الجغرافي فنرى الزراعة مثلاً محصورة في القمح والقطن والشعير والعدس و غيرها و تقوم سائر المكونات بزراعة ذات المزروعات وهذا عامل آخر لا ندركه يتمثل بالغيرة المشروعة وهذه الغيرة بين مكون و بين مكون آخر تحقق ذهنية التفكير الواحد وعدم التعالي على الآخرين و لا ننسى الماء المشترك والهواء المشترك وكل ما يجمع بين المكونات و كذلك التراب و البيئة التي تسهم بشكل فعال في تقريب ملامح الوجوه القاطنة في مدينة القامشلي مع احتفاظ كل مكون بأشكاله الخاصة و أتكلم هنا من الناحية العامة فالعامل الجغرافي والبيئة يؤثران في رسم ملامح الإنسان فأبناء الصحراء لهم ملامحهم الخاصة وكذلك أبناء الساحل الذين يعيشون على أطراف البحار وأود التأكيد على أن القامشلي ليست مدينة فقط من ناحية الجذور التاريخية لأبنائها فالعرب ينحدرون إلى قبائل كثيرة ومنهم عدنانيون ومنهم قحطانيون أما السريان و الآشوريون والكلدانيون فجذورهم ممتدة إلى حضارة ما بين النهرين الضاربة الجذور في المنطقة وكذلك الأكراد الميديون الذين كان لهم الحضور الكبير منذ أيام الحضارة الآشورية وأيضاً اليهود الذين رحلوا وبقيت آثارهم دالة عليهم أما الأرمن فجاؤوا إلى المنطقة بعد عام 1916 حيث تعرضوا لمذابح قامت بها الدولة العثمانية ونجحوا في مدينة القامشلي بإثبات وجودهم لكونهم يمتازون بالذكاء والمهارة في العمل.. فالقامشلي كما أسلفتُ ليست مدينة فقط بل هي تركيبة فريدة من شعوب راقية بفكرها وانتمائها وهذا يُحسب لها كمدينة متفردة .

علي جمعة الكعـود