أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب :مشكلة شيدر

19732344_10155461686042288_5824761916286324324_n
بقلم نبض شرقي

 

سقط النصيف، وارتعد القراء، وتعطلت لغة الكلام، وخاطبت عيناه الزرقاوان في لغة الهوى أعينهم، وتناثر التعصّب العرقي في الشتاء عناقيد من الغضب فوق لون بشرته الداكنة. كل هذا حصل حين كشف العلماء عما تقوله صراحة جينات شيدر.

وشيدر هذا هو أقدم إنسان عاش في كهف “غوف” على الجزيرة البريطانية في منطقة حمل اسمها لاحقا بمقاطعة سومرست. قال علماء في كلية لندن، حسبما نشرت الصحافة قبل يومين أو ثلاثة، إن جميع النتائج تؤكد أنه كان أسمر اللون. وحتى يبرئ العلماء الأوروبيون ساحتهم، قالوا إن أجداد شيدر هاجروا إلى أوروبا في نهاية آخر عصر جليدي. أي أنه لم يكن من السكان الأصليين لأوروبا. اقتضى التنويه.

ملأت سيرة بشرة شيدر الداكنة وكالات الأنباء والصحف والمنابر، لكن ما لم ينقله الصحافيون كان تجربة مهمة أجراها أحد العلماء قبل اثنين وعشرين عاما.

فقد اشتغل بريان سايكس على ضرس من أضراس شيدر نفسه، وحاول أن يجري ربطا ما بينه وبين السكان الحاليين لقرية شيدر. وكانت النتيجة مفاجئة، إذا بعد أن أجرى سايكس اختباراته على 20 جينوما مأخوذة من 20 شخصا من أهالي القرية، اكتشف أن شخصين منهم يتقاسمان نفس الحمض النووي لشيدر الإنسان القديم. أي أنهما من أحفاده ومن سلالته.

ماذا يعني هذا؟ بالنسبة لي يعني ضيق أفق هائل. فلو تخيلت أنك تعيش اليوم في هذه البقعة من الكوكب، وأنه وبعد مضي عشرة آلاف عام سيبقى أحفادك يعيشون في ذات البقعة. فكم سيكون هذا محبطا؟ ألم يفكروا طيلة هذه الفترة بالسعي في أرض الله الواسعة والحركة هنا أو هناك. وليست المشكلة هنا وحسب، بل المشكلة في أنهم أحفادك، إذ بمجرد حكمك عليهم بالغباء وانعدام الحيلة والمخيلة، يجعلك تنتقد نفسك وأنت الذي نقلت إليهم تلك الصفات عبر جيناتك.

كان شيدر بشعره الأسود المتماوج، يصيد السمك في قريته، وبعد عشرة آلاف عام بقي أحفاده يصيدون السمك في القرية ذاتها! يا للخيبة.

إن اختلاط الثقافات وتضافرها الحضاري لا يحصلان بالمكوث في مكان واحد، لا ماديا بالفعل ولا معنويا، فالحركة أساس التغيير وسبب التطور، ألم يقل الشافعي “إِنِّي رَأَيْتُ وُقُوفَ المَاءِ يُفْسِدُهُ/ إِنْ سَالَ طَابَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ”.

تغتني النفس بالآخر، المكان والإنسان، وتسمو فوق جميع العقد والأمراض التي عششت في مكانها الأول. أما من يبقى في موضعه، فسيصدأ مع الوقت ويصبح مجرد مادة لمختبرات الباحثين، حاله حال أهالي قرية شيدر.

إبراهيم الجبين 

جريدة العرب اللندنية