أفكار متقاطعة

آلان حسن  يكتب عن : كُرد سوريا .. ربع الساعة الأخيرة

U.S military vehicles and Kurdish fighters from the People's Protection Units (YPG) drive in the town of Darbasiya next to the Turkish border, Syria April 28, 2017. REUTERS/Rodi Said
بقلم نبض شرقي

 

الاصطفافات الإقليميّة والدوليّة الحادّة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط عامّة، وسوريا بشكلٍ خاصّ، وَضَعَت الكُرد السوريين على مفترق طُرُق، في موقفٍ يُعيدُ إلى الأذهان اتفاقيّة سايكس بيكو، ومعاهدتي سيفر، ولوزان.

وكما في كلِّ مفصلٍ استثنائيّ، يكثر الحديث عن مدى أصالة انتماء الكُرد للبلدان التي يقطنون فيها، وهل لديهم مشاريع انفصاليّة. ففي الحالة السوريّة مثلاً يكون السؤال المطروح بقوّة: الكُرد في سوريا، هل هُم كُرد سوريون، أم كُردستانيون؟

وقد يشكّل هذا التساؤل هاجساً لدى الدول المجاورة لسوريا مِمّن لديهم نفس القضيّة “المشكلة”، وأعني بذلك كُل من العراق، تركيا، وإيران.

القضيّة الكُرديّة تشكّل أرضيّة اتفاق مشترك بين تلك الدّول، رغم الخلافات السياسيّة والإثنيّة، والعَقَائديّة بينها، ونَجد في إقليم كُردستان العراق خير مثال على ذلك، فالدّول الأربعة اتّفقت على رَفض الاستفتاء الذي أُجْرِيَ أواخر العام الماضي، وبالتالي منع قيام دولة كُرديّة. حيث أعادت القوات العراقيّة ، بصحبة قوات الحشد الشعبيّ المدعومة إيرانيّاً ، السيطرة على مدينة كركوك الغنيّة بالنفط، وعلى جميع المناطق المتنازع عليها بين الحكومة العراقيّة وحكومة إقليم كُردستان.

حركة المجتمع الديمقراطيّ هي إحدى أهم الكيانات الكُرديّة في سوريا، وتضمّ تنظيمات عسكريّة، وأمنيّة، ومجتمعيّة، وسياسيّة، منها حزب الاتحاد الديمقراطيّ، الذي يعتبر الأكثر فعالية في المشهد السياسيّ الكرديّ السوريّ، وكذلك “وحدات حماية الشعب” (العماد الرئيسيّ لقوّات سوريا الديمقراطيّة). وتُعْتَبَر “الحركة” امتداداً فكريّاً لحزب العمال الكُردستانيّ (التركيّ) في سوريا، ولزعيمه عبد الله أوجلان، المسجون في جزيرة إيمرالي التركية منذ عام 1999. لديها مشروع لا مركزيّ في سوريا، بدأتْهُ بإعلان الإدارة الذاتية مطلع العام 2014 واتبعتْهُ بالفيدرالية المجتمعيّة، بالاشتراك مع عدد من مكوّنات المنطقة، وذلك في مقاطعات الجزيرة، والفرات، وعفرين، وتعمل في سبيل ذلك على قَضم سلطات الحكومة السورية شيئاً فشيئاً في مناطق سيطرتها.

الحكومة السوريّة تحالفتْ مع “الحركة” في بداية الحرب السوريّة عام 2011

أما الطرف السياسيّ الآخر فيقوده المجلس الوطنيّ الكُرديّ في سوريا (تحالف أُنشِئ عام 2011 ويضمّ عدّة أحزاب كُرديّة سوريّة) وبالتحديد الحزب الديمقراطيّ الكُردستانيّ – سوريا، والذي يتلقى الدعم من سلطات إقليم كُردستان العراق، وبالتحديد من رئيسه السابق مسعود البارزاني. ويتبنّى “المجلس” قوّة عسكريّة هي “بيشمركه روج آفا” درّبتها سلطات إقليم كُردستان العراق، وشاركتْ في معارك الموصل ضد تنظيم “الدولة الإسلاميّة”.

الحكومة السوريّة تحالفتْ مع “الحركة” في بداية الحرب السوريّة عام 2011، وسمحتْ لها بإنشاء قوّة عسكريّة (وحدات حماية الشعب) وأمنيّة (الأسايش)، وتقاسمت معها النفوذ في المناطق ذات الغالبيّة الكًرديّة.

ما لبثَت أنْ وسّعت “الحركة” من نطاق سيطرتها على مناطق النفوذ المشتركة بينهما، وأصبحتْ لديها بعد معركة كوباني (عين العرب) تحالفات مستقلّة، وبالتحديد مع التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، تحالفٌ تطوّر إلى درجة اتخاذ قوّات سوريا الديمقراطيّة (إطار عسكريّ يضمّ وحدات حماية الشعب وعدّة فصائل عسكرية أخرى) الحليف الرئيسيّ لقوّات التحالف في معاركه ضد تنظيم “الدولة الإسلاميّة”، والذي حقّق انتصارات نوعية تمثّلت بالسّيطرة على منبج، والرقة، وتل أبيض، وجزء من دير الزور مستكملة السيطرة على كامل شرق الفرات، وهو ما اعتُبِرَ ضمن منطقة النفوذ الأمريكيّ، مقابل سيطرة الجيش السوريّ وحلفائه على غرب الفرات.

الحكومة السورية ترى أنّ “حليفها” الكُردي يقيم – شيئاً فشيئاً – كياناً مستقلاً قد لا ينتهي طموحه إلا بالانفصال. تجلّت خلافات الطرفين في اشتباكات بين الجيش السوري ووحدات حماية الشعب في كل من مدينتي القامشلي، والحسكة، استخدمت فيها الحكومة السورية سلاح الطيران لأول مرة، في إشارة إلى عمق الخلاف بينهما. هذا الأمر أدى لـ “تحالف الضرورة” الذي حصل مؤخراً بين الحكومتين السورية والتركية في مسعى مشترك – وبرعاية روسية إيرانية – لمنع قيام إقليم كًردي على الشريط الحدودي بين البلدين.

حكومة الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان، وبعد أنْ كانت طموحاته تتمثل في شرق أوسط جديد بشعارات علمانية، وطابع إخواني حداثي، أصبحت تنكفئ على نفسها، واضطرت للدفاع عن حدودها، لمواجهة الخطر الكرديّ المتمثل بفيدراليّة شمال سوريا بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطيّ المرتبط فكرياً بحزب العمّال الكردستانيّ، والذي يخوض صراعاً مسلّحاً مع الجيش التركيّ منذ ثمانينات القرن الماضي، ودخول الولايات المتحدة الأمريكيّة في تحالف مع قوات سوريا الديمقراطيّة (الذراع العسكريّة للفيدراليّة) والتخوّف من مشروع تقسيمي أمريكيّ يكون الكُرد فيها رأس حربتها، وهو ما يشكل خطراً لأمنها القوميّ.

امتناع حلفاء الأمس عن مساندة “الوحدات” لاسترجاع المدينة، اضطرّها للاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكيّة

وحيال ذلك فقد دخلت القوات التركيّة، بالتعاون مع حلفائها من المعارضة السورية إلى مناطق جرابلس، والباب، العام الماضي في مسعىً لفصل مقاطعتي كوباني وعفرين، بالإضافة لتدخلها المباشر، وبالتعاون مع عدد من فصائل المعارضة السورية في مدينة عفرين الأمر الذي يمنع قيام الفيدرالية الكردية، ومنع وصولها إلى منفذ بحري يخلق منها كياناً قابلاً للحياة.

أمّا إيران فقد تحالفت، وحليفتها الحكومة السوريّة بشكلٍ تكتيكيّ مع حزب الاتّحاد الديمقراطيّ، وذراعه العسكريّة وحدات حماية الشعب (الكرديّة) في بدايات الأزمة السوريّة، وأخذَ هذا التحالف ينكمش تدريجياً بعد معارك استعادة السيطرة على مدينة كوباني/عين العرب، وامتناع حلفاء الأمس عن مساندة “الوحدات” لاسترجاع المدينة، ما اضطرّها للاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، وهو ما شكّل بداية التحالف بينهما.

إيران التي شاركت بكل ثِقَلِها في الحرب السوريّة، لن تقبل بحكومة معادية لها، وبالتالي ستدخل ساحة صراع أخرى مع واشنطن التي تَضَع قَطِع التواصل بين الحدود العراقيّة والسوريّة هدفاً رئيسيّاً لها، وبالتالي منع خط طهران – بغداد للوصول إلى البحر المتوسط، مروراً بدمشق والضاحية الجنوبية في بيروت (المعقل الرئيسي لحزب الله اللبنانيّ)، وسيكون الحليف الموضوعيّ لها في هذه الحالة هو قوّات سوريا الديمقراطيّة، ومن الصعوبة بمكان أنْ تقوم الأخيرة بهذه المهمة في ظل العلاقة القويّة بين حزب العمّال الكردستانيّ وبين إيران، من جهة عداء “الكردستانيّ” لتركيا.

المشروع الفيدراليّ المُعْلَن يلاقي رفضاً مشتركاً لافتاً من جهاتٍ متصارعة، ولأسبابٍ متناقضة، فَمِن المرّات القليلة التي يجتمع فيها موقف الحكومة السوريّة، ومعارضات الرياض، موسكو، والقاهرة، ومن المجلس الوطنيّ الكُرديّ. فالحكومة السوريّة والمعارضات تتّهم “المشروع” بنزوعه نحو الانفصال، ويعتبرونه مخطّطاً تقسيمياً برعاية أمريكيّة.

وعلى النقيض من ذلك، فإنّ المجلس الوطنيّ الكُرديّ يَصِفِهُ بأنّه بعيدٌ كل البُعد عن الحلم القوميّ الكُرديّ، ويتّهم القيّمين عليه، وخصوصاً حركة المجتمع الديمقراطيّ، بأنّه لا يملك مشروعاً قومياً كُردياً، ويكتفي بمشروع الأمّة الديمقراطيّة الطوباويّ، مِن وجهة نظر المجلس.

مصير المشروع الفيدرالي المُعْلَن، مرتبط بالتفاهمات الإقليمية والدوليّة التي تجري حول سوريا، فالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة، والاتحاد الروسيّ وحلفائه من جهة أخرى يقودان دفّة العالم، ويتقاسمان ملفّات المنطقة، ومن ضمنها الملف الكُرديّ، لذا فإن الخطوات المتّخذة بصدد قيام إقليمٍ فيدراليّ لا يمكن اعتباره أمراُ واقعاً ما لم تَكُن جزءاُ من الاتفاقات الدولية.

ربما ستنزع “حركة المجتمع الديمقراطيّ” إلى التفكير بواقعيتها السياسيّة التي استندت إليها في نظريات زعيم حزب العمّال الكُردستانيّ عبد الله أوجلان، الذي نادى بحلّ مشاكل الشرق الأوسط ذو التعقيدات الدينيّة والمذهبيّة، عن طريق مبدأ الأمّة الديمقراطيّة، والبحث عن صيغ عمليّة لإبقاء مشروعهم قابلاً للحياة.

ولكن في الأزمات الكبرى تبقى لمفاوضات المراحل النهائية ظروفها وأحكامها، فإمّا أنْ نجد إقليماً كرديّاً بمباركة دوليّة، أو سيكون هناك “لوزان” أخرى.. بشروط أخرى.

آلان حسن – موقع نوى