تاريخ

طائفة الحشاشين / 1/

c643c2e2-d986-466b-b195-789e5eb7e01b
بقلم نبض شرقي

 

طائفة إسماعيلية (عبيديه) فاطمية نزارية مشرقية، انشقت عن الفاطميين لتدعو إلى إمامة نزار بن المستنصر بالله ومن جاء مِن نسله. أسسها الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة آلموت في فارس مركزًا لنشر دعوته وترسيخ أركان دولته. وقد تميزت هذه الطائفة باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية ودينية متعصبة.

وكلمة الحشاشين: Assassin دخلت بأشكال مختلفة في الاستخدام الأوروبي بمعنى القتل خلسة أو غدراً أو بمعنى القاتل المحترف المأجور.ونشأت الدعوة الإسماعيلية النزاية بصورة خاصة في المشرق الإسلامي، وكان أنصارها يعرفون كذلك بالباطنية والحشيشية أو الحشاشين، وتعود جذور الدعوة النزارية إلى أواخر القرن الخامس هجري/الحادي عشر ميلادي« حين توفي الخليفة الفاطمي المستنصر دون أن يبايع لابنه الأكبر نزار رغم أنه أبدى رغبته في ذلك في أواخر أيامه إلا أن الحاشية وعلى رأسها أمير الجيوش الوزير بدر الجمالي حالت دون ذلك، وقد بويع بعد وفاة المستنصر ابنه الأصغر المستعلي بالله » وبذلك انشقت الدعوة الإسماعيلية إلى شقين النزارية والمستعلية …

 

بين الحقيقة والخيال

لطالما كانت فرقة الحشاشين التي ظهرت في حقبة حرجة من التاريخ الإسلامي مصدرا للكثير من القصص والحكايات التي تراوحت بين الحقيقي والخيالي، وذلك بسبب الطبيعة الغامضة للفرقة التي سيطرت على المشهد منذ أواخر القرن الحادي عشر حتى القرن الثالث عشر الميلادي، ونسجت الكثير من الخيالات حول مؤسسها حسن الصباح وقلعة آلموت الحصينة التي اتخذها معقلا له.

1- الحشاشون لا يتعاطون الحشيش !

يعتقد الكثيرون أن لفظ الحشاشين يرتبط بمخدر “الحشيش”، لكن الحقيقة أن النصوص الإسماعيلية والنصوص الإسلامية المعاصرة لم تشهد بالاستعمال الفعلي للحشيش من قبل أتباع الحشاشين. وحتى المؤرخين الرئيسيين للنزاريين مثل الجويني الذين نسبوا كل أنواع الدوافع والمعتقدات الخبيثة للإسماعيليين فإنهم لا يشيرون إليهم “بالحشاشين” والمصادر العربية التي تشير إليهم بذلك لا تشرح البتة هذه التسمية من جهة استعمال الحشيش، لتبقى آراء أُخرى حول الأصل الاشتقاقي للكلمة منها: أساسان أي القتلة أو الاغتياليون حسب اللفظ الفرنسي، أو حساسان نسبة إلى شيخ الجبل حسن بن الصباح الذي أوجد هذه المنظمة، أو عساسون المشتقة من العسس الذين يقضون الليالي في قلاعهم وحصونهم لحراستها والدفاع عنها، أو أساسين المأخوذة من الكلمة الأصلية المؤسسين نسبة لتأسيس قوتهم في قلعة آلموت.

2 – بناء نموذج للجنة في قلعة آلموت: كذبة !

لا صحة للقصص التي تداولها البعض عن قلعة آلموت، وأشهرها ما تحدث عنه الرحالة ماركو بولو، فقد قال أن القلعة فيها حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وبنات جميلات يغنين ويرقصن ويعزفن الموسيقى، حتى يوهم شيخ الجبل أتباعه أن تلك الحديقة هي الجنة وأن الفتيات حوريات، وذلك لتشجيعهم على تنفيذ العمليات المطلوبة منهم مستعينا بمخدر الحشيش، و هذا كذب ببساطة لأن قلعة ألموت أُحرِقت سنة 1256 بينما ولد ماركو بولو سنة 1254 أي سنتين فقط بعد ولادته، كما أن الطبيعة المناخية لقلعة ألموت التي تغطيها الثلوج طيلة 7 أشهر بالسنة يجعلها غير صالحة لزراعة الحدائق الموصوفة في كلام الرحالة.


– مناوشات وعداء شديد بين فرقة الحشاشين وصلاح الدين الأيوبي

كان العداء شديدا بين الحشاشين وصلاح الدين الأيوبي، فوقعت أول محاولة لاغتياله سنة 1174 بينما كان يحاصر حلب، فتمكن بعض الحشاشين من التسلل إلى معسكر صلاح الدين وقتل الأمير أبو قبيس، لكن صلاح الدين نفسه لم يصب بأذى، وحدثت محاولة أخرى سنة 1176 عندما كان صلاح الدين يحاصر عزز حيث تمكن بعض الحشاشون المتنكرون بزي جنود جيش صلاح الدين من التسلل لمعسكره ومهاجمته، وتمكنوا من قتل العديد من الأمراء، ولكن صلاح الدين نفسه لم يصب سوى بجروح بسيطة بفضل الدروع التي كان يرتديها، وقد اتخذ على إثر هذه الأحداث احتياطات واسعة للحفاظ على حياته، فكان ينام في برج خشبي أقيم خصيصا له، ولم يكن يسمح لأحد لا يعرفه شخصيا بالاقتراب منه، وفي السنة ذاتها تقدم صلاح الدين في أراضي الحشاشين تحدوه الرغبة في الانتقام، وضرب حصارا حول قلعة مصياف في الشام، ولكنه لم يلبث أن فك الحصار وانصرف، و يمكن إرجاع هذا العداء إلى الخلافات المتجذرة بين بقايا الفاطميين وطائفة الإسماعيليين من جهة وصلاح الدين الأيوبي الراغب في توحيد الراية من جهة ثانية.

– عندما تلتقي المصالح السياسية، لا مكان عندئذ للعداوات !

في 28 أبريل 1192 تمكن الحشاشون من توجيه ضربتهم الكبرى باغتيال المركيز الصليبي كونراد مونفيراتو ملك بيت المقدس بينما كان في صور، حيث تخفى مغتالوه في زي رهبان مسيحيين وشقوا طريقهم إلى خلوة الأسقف والمركيز وعندما سنحت الفرصة طعنوه حتى الموت، ولأن السياسة لا تعترف بأصدقاء أو أعداء دائمين، فقد ذكر بعض المؤرخين أن هذه العملية كانت ثمرة تعاون بين صلاح الدين والحشاشين، وتجدر الإشارة إلى أنه بعد مرور أربعة أشهر على الاغتيال حصلت هدنة بين الحشاشين وصلاح الدين.

حسن الصباح : المؤسس والعقل المدبر

وصل حسن الصباح مؤسس فرقة الحشاشين إلى أصفهان سنة 1081 بعد قضائه مدة في مصر درس خلالها عقائد المذهب الإسماعيلي، وعمل بشكل دؤوب على نشر مبادئ المذهب، ووجد لدعوته أتباعا في أقصى الشمال الفارسي، واتخذ من قلعة آلموت الحصينة والمقامة فوق طنب ضيق على قمة صخرة عالية في قلب جبال البورج، والمسيطرة على وادٍ مغلق صالح للزراعة يبلغ طوله ثلاثين ميلًا وأقصى عرضه ثلاثة أميال والمرتفعة أكثر من 6000 قدم فوق سطح الأرض، معقلا له، لإبعاد أتباعه عن الخطر السلجوقي، خصوصا أن القلعة منيعة جدا ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر طريق ضيق شديد الانحدار، وقد دخلها هو سنة 1090، ولم يغادرها لمدة 35 سنة قبل وفاته.

حيث كان جل وقته يقضيه في القراءة ومراسلة الدعاة وتجهيز الخطط. وكان همه كسب أنصار جدد والسيطرة على قلاع أخرى. لذلك استمر بارسال الدعاة إلى القرى المحيطة برودبار المجاورة، ويرسل المليشيات لأخذ القلاع عن طريق الخدع الدعائية، وإن فشلوا بذلك فإنهم يقتلون الناس ويرتكبوا المجازر، وقد أخذوا الكثير من القلاع والأماكن الصالحة لبناء القلاع الحصينة.