تاريخ

  طائفة الحشاشين  / 2/

15e40c92-3b1f-4678-beee-50f0b18402e7
بقلم نبض شرقي

 

قلعة أَلَمُوت، قاعدة الحشاشين

 

لم يكن كل هم حسن الصباح في تنقلاته هو نشر دعوته وكسب الأنصار فحسب، بل أيضاً للعثور على مكان مناسب يحميه من مطاردة السلاجقة ويحوله إلى قاعدة لنشر دعاته وأفكاره، وقد عزف عن المدن لانكشافها، لذا لم يجد أفضل من قلعة أَلَمُوت المنيعة. فهي حصن قديم فوق صخرة عالية وسط الجبال على ارتفاع 2,100 متر (6,900 قدم). وبنيت بطريقة أن لا يكون لها إلا طريق واحد يصل إليها ويلف على المنحدر مصطنع (المنحدر الطبيعي صخوره شديدة الانحدار وخطرة), لذلك أي غزو للحصن يجب أن يحسب له لخطورة الإقدام لهذا العمل.

 

لم يعرف الباني الأساسي للقلعة، ويقال أن من بناها هو أحد ملوك الديلم القدماء واسماها (ألوه أموت) ومعناها عش العقاب ، ثم جددها حاكم علوي عام 860، وبقيت في ايديهم حتى دخلها طائفة من الإسماعيلية ويسمون الباطنية بواسطة أميرهم حسن الصباح بتاريخ 7 رجب 483 هـ / 4 سبتمبر 1090 فطرد الحاكم منها.

 

وقصة دخول حسن الصباح هي كما ذكرها ابن الأثير: أن الحسن الصباح كان يطوف على الأقوام يضلهم فلما رأى قلعة أَلَمُوت واختبر أهل تلك النواحي، أقام عندهم وطمع في اغوائهم ودعاهم في السر وأظهر الزهد ولبس المسح فتبعه أكثرهم وكان العلوي صاحب القلعة أحسن الظن به فكان يجلس إليه يتبرك به فلما أحكم الحسن أمره دخل يومًا على العلوي بالقلعة فقال له ابن الصباح : اخرج من هذه القلعة فتبسم العلوي وظنه يمزح فأمر ابن الصباح بعض اصحابه بإخراج العلوي فأخرجوه إلى دامغان واعطاه ماله وملك القلعة.. وقيل أنه اشتراها منه ب 3000 دينار ذهب.

 

– استراتجية الحشاشين

كانت الإستراتيجية العسكرية لحسن الصباح وأتباعه من فرقة الحشاشين مختلفة تماما عن السائد في العصور الوسطى، فقد تجنب المواجهات المباشرة مع الأعداء، والتي تؤدي دائما إلى سقوط الآلاف من القتلى، واعتمد على الاغتيال الانتقائي للشخصيات البارزة في دول الأعداء، وكان الفدائيون مدربين بشكل احترافي على فنون التنكر والفروسية واللسانيات والإسيتراتجيات والقتل. وكان أكثر مايميزهم هو استعدادهم للموت في سبيل تحقيق هدفهم. وكان على الفدائيين الاندماج في جيش الخصم أو البلاط الحاكم حتى يتمكنوا من الوصول لأماكن إستراتيجية تساعدهم على تنفيذ المهمات المنوطة بهم.

وكانت هذه الهجمات تشن غالبا في الأماكن العامة على مرأى ومسمع الجميع لإثارة الرعب. ونادرا ما نجا الفدائيون بعد تنفيذ مهامهم، بل إنهم لجؤوا في بعض الأحيان إلى الانتحار لتجنب الوقوع في أيدي الأعداء.

في سنة 1092 بدأ السلاجقة في مواجهة حسن الصباح عسكرياً، فبعث سلطانهم ملكشاه حملتين، واحدة على قلعة ألموت، والثانية على قهستان لكن ميليشيات حسن الصباح تصدت للسلاجقة بمساعدة الاهالى المتعاطفين معهم في روبارد وقزوين فانسحبت القوات من قهستان بعد وفاة السلطان ملكشاه سنة 1092.

بعدها ضرب حسن الصباح ضربته باغتيال الوزير نظام الملك نفسه في 16 ديسمبر 1092 (485 هـ)، في منطقة ساهنا في إقليم نهاوند، عن طريق فدائى (تسمية الباطنيين لمن يقوم بعمليات الاغتيال) متنكر في زى رجل صوفى.

حسن الصباح خطط لاغتيال نظام الملك بعناية. يقول المؤرخ رشيد الدين إن السيد حسن الصباح نصب شباكه وفخاخه لاصطياد هدف كبير مثل نظام الملك لكي يشتهر ويذيع صيته وهو من أرسى أسس الفدائية، وبعدما نجحت العملية قال حسن الصباح: ” قتل هذا الشيطان هو بداية البركة “. اغتيال نظام الملك كان من أولى عمليات الاغتيال الكبرى التي قام بها الحشاشون (الباطنية) ، وكانت بداية لسلسلة طويلة من الاغتيالات التي قاموا بها ضد ملوك وأمراء وقادة جيوش ورجال دين والتي استمرت حوالي القرنين من الزمان.

– نهاية فرقة الحشاشين

كانت النهاية في بلاد فارس على يد جحافل المغول ففي سنة 1256 سارع المغول إلى تسلّق جدران قلعة آلموت التي بقيت صامدة بوجه أقوى الغزوات، وأبدى هولاكو إعجابه بمعجزة البناء العسكري للقلعة. ثم أمر جنوده بهدمها، ولم يستثنِ المكتبة، التي التهمتها النيران على مدى سبعة أيام ضاعت خلالها مصنفات لا يُحصى عددها، ثم قام المغول بجمع أعداد كبيرة من الإسماعيليين بحجة إحصاء عددهم، فقُتلوا جميعا. واستمروا بإقامة المذابح الرهيبة في كل مكان وجدوا فيه الإسماعيليين، فضلا عن هدم قلعة آلموت. لينتهي بذلك وجود الإسماعيليين في فارس.

أما في الشام فقد شارك الإسماعيليون غيرهم من المسلمين في التصدي للتهديد المغولي، وحاولوا كسب ثقة المماليك وزعيمهم الظاهر بيبرس بإرسال السفارات والهدايا، لكنه أمر في عام 1265 بجمع الضرائب والرسوم على الحشاشين ولم يكن باستطاعة هؤلاء أن يبدوا مقاومة تذكر خصوصا بعد التقتيل الذي لحق بإخوانهم في بلاد فارس، واستولى بيبرس عام 1271 على قلعتي العليقة والرصافة ثم سقطت قلعة الخوابي فيما بعد لتسقط بقية القلاع وينتهي بذلك وجود الحشاشين في بلاد الشام.