مدونات-جرائد

ملكون ملكون يكتب :نيكول باشينيان يوقظ هواجس الكرملين ثم يسعى لطمأنة بوتين

11009-page-008

 صحافي يقود ثورة تغيّر وجه أرمينيا بلا قطرة دم واحدة

 نيكول باشينيان يوقظ هواجس الكرملين ثم يسعى لطمأنة بوتين

** ملكون ملكون

ليلة 22 نوفمبر من العام 2004 هز انفجار وسط مدينة يريفان، نتج عن تفجير سيارة خارج مقر صحيفة “هايكاكان زاماناك”. السيارة كان من المفترض أن يقودها رئيس تحرير الصحيفة نيكول باشينيان الذي، وبالصدفة وحدها، تأخر في الخروج من مبنى الصحيفة يومها.

احترقت السيارة بالكامل وباشينيان نجا. بينما عزت الشرطة الأرمينية التفجير إلى ماس كهربائي في بطارية السيارة. لكنّ المتابعين لما كانت تنشره الصحيفة حينها عن الفساد وأباطرته ورجل الأعمال الثري المقرب من الحكومة خاجيك تساروكيان وصفقاته المريبة، سيدرك أن التفجير لم يكن بريئا.

من خطط للتفجير بالتأكيد انتابه الغضب لفشل المهمة يومها. لكنه لم يدرك أن ما سيلي ذلك سيكون مختلفا وأن الذي أفلت من محاولة الاغتيال سيصبح علامة فارقة في ذاكرة أرمينيا.

باشينيان ولد في أرمينيا في الأول من يونيو عام 1975. ولكن ولادته الهادئة لم تحاك مسيرة حياته الصاخبة في ما بعد، فالطريق الذي اختاره ليبدأ شغبه في الحياة لم يكن سهلا ولا يسيرا.

 

حسابات موسكو

في جامعة يريفان وفي قسم الصحافة كان صدامه الأول مع السلطة التي أصدرت قرارا بطرده، نظرا لنشاطه السياسي المخالف لتوجهات الحكومة، لكنه بعناد الأرمني وإصراره وتصميمه، لم يتخل عن حلمه الصحافي. فدخل الوسط الصحافي متسلحا بموهبته الصحافية، وبعد محطات مهنية عديدة تولى رئاسة تحرير صحيفة “أرمينيا اليوم” الليبرالية. ثم تجرأ وأسس صحيفة “أوراغير” التي عارضت وهاجمت جميع الحكومات المتعاقبة.

بروز اسمه وصعود شعبيته دفعاه للترشح عام 2008 للانتخابات الرئاسية، ورغم فشله إلا أن خصومه أرادوا تحطيمه سياسيا، فلوحق سياسيا وأمنيا وقضائيا حتى حُكِمَ عليه بالسجن لسبع سنوات بتهمة قيادة المظاهرات وتنظيمها وإثارة أعمال الشغب. لكنه خرج بعفو عام عائدا لعمله المعارض الذي قاده هذه المرة عام 2012 إلى عضوية البرلمان التي شكلت بداية جديدة له في مسيرته المعارضة.

وعندما تلونت الجمهوريات السوفييتية السابقة بلون الثورات في السنوات الأولى للألفية الثالثة، أرادت جورجيا وأوكرانيا أن تخرجا عن الوصاية والسيطرة الروسية لتضج وتصخب الساحات في البلدين. ما أثار غضب روسيا التي شعرت بأن رجليها إدوارد شيفاردنادزه في جورجيا وفيكتور يانوكوفيتش في أوكرانيا في خطر، لتتدخل موسكو مباشرة وتحاول حماية مصالحها بالإبقاء على قبضتها الحديدية على البلدين.

بعد أكثر من عقد من الزمن كان على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يعيد حساباته كثيرا ويفكر مليّا قبل أن يكرر فشله السابق في إعادة الثائرين في ساحات جورجيا وأوكرانيا لمنازلهم. فالاحتجاجات التي اجتاحت شوارع وساحات أرمينيا، خلال الأسابيع القليلة الماضية، أثارت الخوف لدى الروس الذين لديهم نفوذ كبير في هذا البلد الصغير والفقير، والذي يعتمد بشكل كبير في اقتصاده على روسيا، إضافة إلى وجود قاعدتين عسكريتين روسيتين في أرمينيا التي تشتري الأسلحة من روسيا أيضا، وتحتاجها في الصراع الدامي مع أذربيجان التي، ويا للمفارقة تقوم روسيا ذاتها، ببيع الأسلحة لها أيضا.

لكن الخوف الروسي لم يكن كافيا لإنقاذ حليفها القوي سيرج سركيسيان الذي واجهته احتجاجات ومظاهرات عارمة احتجاجا على تعيينه رئيسا للوزراء وبصلاحيات واسعة بعد فترتين رئاسيتين.

الحراك الشعبي الواسع والسلمي بقيادة باشينيان لم يترك مجالا لسركيسيان الذي يعتبره المحتجون يسعى للاستحواذ على السلطة، وأنه فشل في التعامل مع جملة من المشاكل كالفساد والفقر وتزايد نفوذ الفئة الثرية الحاكمة، لذا لم ينفع إيقاف باشينيان من قبل الشرطة الأرمينية، مع نائبين آخرين في المعارضة بتهمة ارتكاب أعمال تشكل خطرا على المجتمع ، ولكن الضغط الشعبي أجبره على إطلاق سراحهم، والقبول بلقاء مع باشينيان تنقله كاميرات التلفزيون .

وبالفعل التقى الرجلان. لكن سركيسيان لم يتحمل أن يحاور معارضا على الملأ، فغادر الاجتماع بعد بدئه بقليل قائلا “هذا ليس حوارا بل ابتزاز”. مهددا باشينيان الذي طالبه بالاستقالة والعودة إلى الأطر القانونية وإلا سيتحمل عواقب ذلك.

وبعد عشر سنوات من توليه الرئاسة في أرمينيا وجد سركيسيان نفسه في وضع صعب وهو يصغي لباشينيان الذي كان  يقول “أنتم لا تدركون الوضع في أرمينيا. السلطة الآن بين أيدي الشعب”.

خرج باشينيان ليخاطب المواطنين، وجدد بثقة أكبر المطالب الشعبية “أولا، يستقيل سركيسيان. وثانيا، ينتخب البرلمان رئيسا جديدا للوزراء يمثل الشعب. وثالثا، يشكل حكومة مؤقتة. ورابعا، يتم تحديد تاريخ للانتخابات البرلمانية. سركيسيان الآن جثة سياسية”.

عندما دُرِسَ ملف باشينيان بهدوء وروية وتعمق في موسكو، كانت إشارات الاستفهام والتعجب كثيرة، فهذا الرجل معروف عنه توجهاته الغربية وتأييده لتقارب أرمينيا مع الاتحاد الأوروبي. ويلقي باللوم على روسيا وتدخلاتها في الشؤون الداخلية الأرمينية في تأخر أرمينيا ببلوغ توازن عسكري مع أذربيجان. معتبرا أن انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي قد تم بشكل قسري، ويصف العلاقات بين روسيا وأرمينيا بـ“العلاقة بين المتكلم والمستمع”.

كل هذه المعطيات المقلقة للكرملين لم تُخرج روسيا عن صمتها ومتابعتها عن كثب لمدة أسبوعين لما يحدث في العاصمة الأرمينية يريفان، وحتى عندما استقال رجلها سركيسيان وتولى باشينيان رئاسة الوزراء بعد تصويتين في البرلمان، فشل في الأول بعد حصوله على تأييد 45 نائبا، ونجح في الثاني فحصل على أصوات 59 نائبا ورفض 42 عضوا لترشيحه.

 

علاقة شائكة

باشينيان يسعى لتهدئة مخاوف موسكو، بإيفاد مسؤولين لطمأنة الروس على مستقبل العلاقة مع أرمينيا، وإلى أنه لن تكون هناك تغييرات جذرية أو تحول كبير في السياسة الخارجية، بل إنه ذهب بنفسه إلى سوتشي للقاء بوتين

باشينيان يسعى لتهدئة مخاوف موسكو، بإيفاد مسؤولين لطمأنة الروس على مستقبل العلاقة مع أرمينيا، وإلى أنه لن تكون هناك تغييرات جذرية أو تحول كبير في السياسة الخارجية، بل إنه ذهب بنفسه إلى سوتشي للقاء بوتين

التظاهرات لم تتوقف بعد تولي باشينيان لرئاسة الوزراء، وإغلاق الشوارع والطرق السريعة في يريفان وغيرها من المدن بقي مستمرا. فالمطالب الشعبية كثيرة وأنفاس الحرية تجتاح البلاد. وهذا يدل على أن مهمة زعيم المعارضة الذي تولى رئاسة الوزراء لن تكون سهلة. فالملفات الاقتصادية والأمنية والسياسة الخارجية تبدو ضاغطة.

كل ذلك دفع باشينيان لمناشدة الجماهير بإيقاف الاحتجاجات، ما جعل حليفه الخفي الرئيس السابق ليفون دير بيدروسيان  يسارع إلى التعبير عن قلقه قائلا “استمرار الاحتجاجات يهدد بتقويض سلطة باشينيان حتى لو كانت المطالب مشروعة إلى حد كبير. إن الوضع يهدد بانهيار جهاز الدولة ونشر الفوضى”.

لكن باشينيان تحرك بسرعة أيضا بعد أن تأكد من دعم حزب “الطاشناق” له، ومارس ضغوطا على الرئيس أرمين سركيسيان لإقالة رئيس الشرطة فلاديمير كاسباريان ومدير جهاز الأمن القومي جورجي كوتويان. وأوفد مسؤولين إلى موسكو لطمأنة الروس على مستقبل العلاقة مع أرمينيا، وإلى أنه لن تكون هناك تغييرات جذرية أو تحول كبير في السياسة الخارجية.

ثم ذهب باشينيان بنفسه لمقابلة بوتين في سوتشي على هامش المشاركة في الجلسة الدورية للمجلس الاقتصادي الأوراسي، وتبادل الرجلان عبارات دبلوماسية لتهدئة مخاوف روسيا التي تعتبر أكبر شريك تجاري اقتصادي لأرمينيا، حيث تتجاوز حصتها في التبادل التجاري الأرميني 25 بالمئة، وفي الاستثمارات 38 بالمئة.

كما تعتبر روسيا هي الرابط الحيوي بين أرمينيا والعالم الخارجي، وتستضيف أكبر عدد من السكان الأرمن خارج أرمينيا، وتعد أكبر مصدر للتحويلات المالية التي تشكل أكثر من خمس الدخل القومي لأرمينيا، وتحتكر روسيا بيع غاز أرمينيا الرخيص حتى عام 2043.

 

اللعب على التناقضات أو على المكشوف

موسكو الآن قلقة من باشينيان، لأنها تخشى أن يكون الرجل يراوغها فقط، ريثما يقوم بتثبيت أقدامه في السلطة. لذا فإن الصحافة الروسية عبرت عن قلقها بأكثر من مقال رأي.

الكاتب بوريس جيريليفسكي يعتبر أن باشينيان يناور من أجل كسب دعم روسيا، وبعدها لن يفكر حتى في الوفاء بما تعهد به. ومع ذلك، يجب على المرء أن يأخذ في الحسبان حقيقة أن أرمينيا بحاجة إلى روسيا أكثر بما لا يقاس من حاجة روسيا إلى أرمينيا.

ويضيف جيريليفسكي “في الواقع، بلدنا روسيا هي الضامن الوحيد لأمن هذا البلد، الواقع في محيط غير ودي. ولن يقدم أحد آخر مثل هذه الضمانات”.

أما صحيفة “فزغلياد” فقد عنونت صفحتها الأولى بالمانشيت “ماذا خسرت روسيا في أرمينيا؟”، ذكرت فيه أن أرمينيا لا يوجد أمامها بديل للتحالف مع روسيا في ظل مجاورتها لتركيا وأذربيجان “الخصمين التاريخيين للأرمن”. مشيرة إلى أن إقليم “قاراباخ” يمثل “قنبلة موقوتة”، ولكنها “لن تنفجر طالما ظلت يريفان حليفا عسكريا لموسكو”.

هذه الأجواء المتوترة والمشحونة تجعل زعيم أرمينيا الجديد قلقا من محاولة وضع قدم في أوروبا والقدم الأخرى في الميدان الروسي، فالجمع بين النقيضين في مرحلة متردية تعيشها العلاقات الروسية-الأوروبية يبدو محفوفا بالمخاطر، واللعب على التناقضات لم يعد يصلح في زمن اللعب على المكشوف، لذا فإن مهمة باشينيان تبدو صعبة، لكنها ليست مستحيلة لإعادة صياغة علاقة شائكة وغير متكافئة مستمرة منذ استقلال أرمينيا عن الاتحاد السوفييتي في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 1991.

لكن باشينيان ماض في تغييراته الجوهرية في بنية الدولة الأرمينية، فقد أعلن في جلسة الحكومة الأسبوع الماضي إقالة رئيس أركان القوات المسلحة موفسيس هاكوبيان. وهو تحول كبير يطال المؤسسة العسكرية ذات الارتباط الوثيق بروسيا.

ويصف باشينيان الثورة التي قادها خلال الأسابيع الماضية، بأنها بمثابة “عودة السلطة إلى الناس”، مؤكدا أن فيسبوك كوسيلة بديلة للاتصال لعب دورا مهما، وكان قناة فعالة لتدفق المعلومات. ويضيف باشينيان في لقاء مع قناة دويتشه فيليه الألمانية “لقد كان تغيير السلطة بضغط من الجماهير، ولكنها كانت ثورة (مخملية) شعبية دون عنف”.

 

وتلفت النظر دقة باشينيان في توصيف ما حدث في بلاده، بقوله “لم تكن (ثورة ملونة)، لأن مثل هذا التغيير في السلطة يتصور سياقا (جيوسياسيا) ضخما، بينما في حالة أرمينيا كانت عملية داخلية، وهي نابعة من قضية الكرامة الوطنية”.

ولا يبدو ما حدث في أرمينيا بعيدا عن المناخات الشرق أوسطية، التي بوسعها أن تستلهم دروسا في التغيير دون تفجير الاستمرار في تفجير المجتمعات وتفتيت الهويات الوطنية لصالح الهويات الضيقة الطائفية والعرقية وسواها.

/جريدة العرب اللندنية /