قامات سورية

جميل حتمل

p25_20141121_pic1
بقلم نبض شرقي

 

ولد جميل ألفريد حتمل في دمشق عام 1956 لأسرة فنية أدبية مشهورة في دمشق وحوران، والده ألفريد حتمل من قرية خبب الحورانية أحد مؤسسي الحركة التشكيلية في سوريا، تلقى علومه في دمشق وحاز على الثانوية العامة في ثانوية العناية الرسمية، وظهر ميله إلى الآداب والفنون في سن مبكرة، فقد أحاطه والده الفنان التشكيلي بالرعاية والتوجيه والاهتمام حتى نشأ نشأة أدبية وفنية متميزة.

توفيت والدته وهو طفل صغير، فعاش اليتم؛ ما انطبع لاحقاً على أعماله ونفسه الأدبي الموسوم بالحزن، ولكي يعوّض عن المرارة والأسى اتجه، وهو طفل، نحو المطالعة، وقراءة الكتب الأدبية والتراثية، ووجد في مكتبة خاله حكمت هلال الغنية والمليئة بآلاف الكتب والمجلات، فرصة سانحة لكي يقضي سنوات طفولته ومراهقته بالقراءة.

مطلع السبعينات من القرن الماضي تخرج في جامعة دمشق قسم اللغة العربية، وقبل دخوله الجامعة بدأ بكتابة القصة القصيرة وعن هذه الفترة يقول الكاتب والشاعر “شوقي البغدادي”: «قبل ما يقارب العشرين عاماً أطلعني أحدهم على قصة قصيرة يطلب رأيي فيها، وأذكر أنها سحرتني على الفور، وأنني سألت بعد فراغي من قراءتها: «من هو جميل حتمل هذا؟ إنني لم أسمع به من قبل!.. »، فقالوا لي وقتها إنه شاب في السابعة عشرة من عمره، فأبديت استغرابي وحين تعرفت إليه أدهشني أكثر بمنظره الوديع، ولهجته الخافتة في الحديث، وحيائه الذي يشبه حياء الأطفال، لكن نظرته المتفحصة المصحوبة بابتسامة حقيقة نبهتني منذ تلك اللحظة إلى أن رجلاً ناضجاً يكمن وراء هذا الإهاب الخجول الوديع، وفهمت لماذا أسماه بعضهم آنذاك الطفل المعجزة.

في عام 1977 تشارك مع «فرج بيرقدار- وائل السواح – رياض الحسين – حسان عزت – بشير البكر – خالد درويش – موفق سليمان – فاديا لاذقاني» في إصدار ما سمّي آنذاك ” الكرّاس الأدبي”، الذي توقّف بدورهِ بعد صدور تسعة أعدادٍ منهُ عقب اعتقال أكثر أعضائه.

عام 1981 أصدر أولى مجموعاته القصصية ” الطفلة ذات القبعة البيضاء ” التي حازت على استحسان نقدي واسع حفظ لكاتبها مكاناً بارزاً بين أقرانه.

عام 1982 اعتقل لنشاطه المعارض، وأطلق سراحه من المعتقل بعد عدة أشهر بسبب إصابته القلبية التي لازمته منذ طفولته، وقد طبعت تجربة الاعتقال عدداً كبيراً من أعماله أيضاً، ففي قصة “الغرفة التي تحت الدرج” يقدم حتمل وصفاً دقيقاً ليوميات المعتقل ومشاعره المتناقضة قائلاً: «عندما صحا منهكاً من الضرب الشديد، كان لا يعرف كم مضى عليه من الوقت، كان يعرف أنه متعب جداً، وحزين جداً. أعطوه ورقة ليكتب بها كما قالوا معلومات عنه، كتب: إنه يقطن في غرفة تحت الدرج، وإنه جاء المدينة هذا العام ليدرس في الجامعة، وكتب اسم قريته والمدرسة التي تعلم بها، واسم والده وأمه وأخته الصغيرة حتى، ورفاق المدرسة في القرية. لكنه لم يتحدث عن ابن عمه، ولا يدري لماذا يشعر الآن أنه يحبه كثيراً، وأنه يودُّ أن يحكي معه عن أشياء كثيرة».

عام 1982 أيضاً سافر إلى باريس لإجراء عملية صمام قلب، وسافر ثانية إليها في العام 1985، وأرغم على البقاء فيها حتى وفاته في تشرين الأول من العام 1994، وفي باريس عمل مراسلاً ثقافياً لأكثر من صحيفة عربية منها “الوطن الكويتية ” و”القدس العربي” كما كانت له مشاركات واسعة في الملتقيات والمؤتمرات الأدبية العربية، والتي لم يخفِ فيها آراءه اليسارية والديمقراطية ومواقفه المعارضة للنظام السوري.

عام 1994 وفي باريس وعلى فراش المرض توفي جميل حتمل بعد أن أثرى المكتبة العربية بخمس مجاميع قصصية “الطفلة ذات القبعة البيضاء، انفعالات، حين لا بلاد، قصص المرض قصص الجنون، سأقول لهم”، طبعت لاحقاً كأعمالٍ كاملة وقدم لها الروائي “عبد الرحمن منيف” قائلاً: «إن الصفة الأساسية التي تطبع أبطاله هي الحزن، الحزن الذي يرافقهم، ويحرمهم من أبسط الحقوق: الحب.. بقدر ما يبدو الحزن عاملاً سلبياً يفتق الروح والجسد، فإنه حين يستقر في القلب، لا يسوِّد نظرة الإنسان للحياة فقط، بل يصبح مستساغاً لذيذاً، وبعض الأحيان ضرورياً، لأنه يخلق توازناً بين النظرة والمعاناة، ويصبح انعكاساً للداخل، وهذا ما نجده مبثوثاً في ثنايا القصص الكثيرة التي كتبها جميل حتمل».

جاءت قصص جميل حتمل ومقالاته التي كتبها ولم تجمع حتى الآن، شهادة على العصر العربي الصعب،  كما يقول عبد الرحمن منيف، بكلِّ ما فيه من انكسارات وتحديات واحتمالات، يقول جميل في إحدى قصصه المتأخرة: «قلبي يؤلمني إلى الدرجة التي لن أستطيع بها خلع ملابس النوم لارتداء غيرها، أنا متعب، وقلبي يتقلّص، يذبل وجعاً»،