IT

ذكاء الإنسان يتدهور في العصر الرقمي

017
بقلم نبض شرقي

 

شهدت نسب الذكاء بين الشباب تراجعا ملحوظا بعد بداية ظهور اختبارات معتمدة عالميا بعد الحرب العالمية الثانية، حسب أول دراسة موثقة لهذه الظاهرة. ويعتقد أن هذا التراجع، الذي يعادل ما لا يقل عن سبع نقاط لكل جيل، قد بدأ مع مولد جيل عام 1975، والذي وصل إلى سن البلوغ في أوائل تسعينات القرن الماضي.ويقول باحثون إن تدهور معدلات الذكاء قد يكون بسبب التغييرات في طريقة تدريس الرياضيات واللغات، أو التحول من قراءة الكتب إلى قضاء وقت أطول أمام شاشات التلفزيون وأجهزة الكمبيوتر، وهو ما لعب دورا حاسما في تنامي هذه الظاهرة.

ومع ذلك، من الممكن أيضا أن تتغير طبيعة الذكاء البشري في العصر الرقمي بحيث لا يمكن أن تتماشى مع اختبارات الذكاء التقليدية. وتشير نقطة التحول إلى نهاية اتجاه معروف خاص بقياس الذكاء، وهو “تأثير فلين”، حيث ارتفع متوسط معدل الذكاء بمقدار ثلاث نقاط تقريبا لكل عقد خلال الستين أو السبعين سنة الماضية.

وقال ستيوارت ريتشي، وهو أستاذ في علم النفس في جامعة أدنبرة لم يشارك في البحث، “هذا هو الدليل الأكثر إقناعا حتى الآن على عكس تأثير فلين. إذا افترضتم صحة هذا النموذج، فإن النتائج ستكون مذهلة، ومقلقة للغاية في نفس الوقت”.

وكانت هناك علامات على أن معدل الذكاء قد انخفض منذ بداية الألفية. حيث اقترحت دراستان بريطانيتان أن الانخفاض تراوح بين 2.5 و4.3 نقطة لكل عقد. ولم يتم قبول تلك النتائج بشكل كبير بسبب محدودية الأبحاث حتى الآن. إلا أن الدراسة الحالية أظهرت أن معدل الذكاء لدى الرجال النرويجيين أصبح أقل بكثير اليوم مقارنة بآبائهم في نفس العمر.

وقام كل من أول روغبيرغ وبيرنت براتسبيرغ، من مؤسسة راغنار فيش للأبحاث الاقتصادية في أوسلو، بتحليل درجات اختبار الذكاء القياسي لأكثر من 730 ألف رجل أدوا الخدمة الوطنية بين عامي 1970 و2009، ونُشر البحث في مجلة بي.أن.آي. أس.

وأجري البحث على الغالبية العظمى من النرويجيين من الشباب الذين أدوا الخدمة الوطنية واجتازوا اختبار الذكاء القياسي عند انضمامهم. وأظهرت النتائج المنشورة أن الذين ولدوا في عام 1991 حققوا خمس نقاط أقل عن أولئك الذين ولدوا في عام 1975، وثلاث نقاط أقل من أولئك الذين ولدوا في عام 1962.

وهناك العديد من الأسباب محل الجدل التي تقف خلف “تأثير فلين” وانعكاسات هذه الظاهرة. حيث أرجع العلماء الارتفاع في معدل الذكاء إلى تحسين التعليم والتغذية والرعاية الصحية.

ويقترح بعض الأكاديميين أن التراجع الأخير في النقاط يمكن أن يحدث بسبب علم الوراثة، بحيث يستندون في حجتهم على أن الأشخاص الأقل ذكاء لديهم المزيد من الأطفال، وبالتالي مع مرور الوقت، تنتشر الجينات المرتبطة بالذكاء المنخفض.

ولكن تم إحباط هذه الاستنتاجات، إذ يمكن ملاحظة انخفاض معدل الذكاء داخل نفس العائلات، ومن غير المحتمل أن يكون ذلك نتيجة تحول ديموغرافي.

وقال روغبيرغ إنه من المعقول بشكل أكبر أن تكون التغييرات قد حدثت بسبب تغيّر طريقة تعليم الأطفال أو تربيتهم، مثل تقليل وقت القراءة وحل المسائل الرياضية.

كما شدد على أن النتائج لا تعني بالضرورة أن شباب اليوم أصبحوا أقل ذكاء من آبائهم. ولكن بدلا من ذلك، قد يكون تعريف الذكاء لا يزال بحاجة إلى تعديل ليتماشى مع مهارات هذا العصر الرقمي.

وأضاف روغبيرغ “يفرّق الباحثون في مجال الذكاء بين الذكاء السائل والمتبلور. أما عن الذكاء المتبلور، فهو الذي يتم اكتسابه من المواد الدراسية والتعليمية التي يتلقاها المتعلم، والذكاء السائل هو قدرة هذا الشخص على رؤية أنماط جديدة واستخدام المنطق لحل مشكلات جديدة”.

وتميل اختبارات الذكاء الكلاسيكية، مع تركيزها على التفكير الحسابي واللفظي، إلى تفضيل نوع الذكاء المتبلور الذي يعززه نظام التعليم التقليدي. وقال روغبيرغ “إذا كان هذا هو السبب الكامن وراء هذا التراجع، فلا داعي لأن يكون هذا الأمر مقلقا بهذا الشكل الكبير”.

وقال روبن موريس، أستاذ علم النفس العصبي في جامعة كينغز كوليدج بلندن، إن درجات اختبارات الذكاء ربما لاقت جدلا واسعا في الغرب، لكن لم يكن هناك أي سبب يدعو إلى القلق.

وأضاف موريس “أعتقد أن تأثير فلين الانعكاسي هو أمر حقيقي، لكنه يحث على الحذر من التعميم على أساس عينة واحدة. من المحتمل أن يكون هذا التراجع أثرا عاما في الدول ذات الدخل المرتفع حيث تستقر ظروف المشاركين في الاختبارات بشكل عام”.