أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب عن :الجيل الرابع من كل شيء

28471184_10156167023642288_571236688451481962_n
بقلم نبض شرقي

 

تستوقف المرء رغبة دفينة لدى سكان الكوكب اليوم في معرفة ما الذي سيقدمه الجيل الجديد من الأشياء التي عاصروا وخبروا أجيالها الأولى. فالأمور تتطور بسرعة هائلة، وهناك جيل رابع من كل ما تعرفه، تكنولوجيًّا وفكريًّا واستراتيجيًّا.

شبكات اتصالات الجيل الرابع أسرع بعشر مرات من شبكات الجيل الثالث والأجيال التي سبقته، وهي على النقيض من غيرها ليست مجرد شبكات اتصال بل شبكات بيانات.

أما الجيل الرابع من الحروب الذي تحب بعض أروقة الأمن والسياسة الحديث عنه بتفاخر، فهو حروب لا تشنّ بها أي حملات ولا تحرّك فيها أي جيوش وفيالق؛ إذ بعد أن كان الجيل الأول من الحروب معارك يُستعمل فيها السلاح الأبيض كالسيوف والخناجر، وكان أبطال تلك الحروب من الفرسان أصحاب الأخلاق النبيلة والشجاعة، ظهر الجيل الثاني الذي شهد ولادة الأسلحة القاذفة التي قال عنها سامويل كولت مبتكر المسدّس “الآن تساوى الشجاع مع الجبان”. أما الجيل الثالث من الحروب فهو جيل أسلحة الدمار الشامل.

لكن حروب الجيل الرابع كما يقول المبشرون بها، حروب “تترك العدو فيها يحارب نفسه” ولا تشترك أنت بالمرة، بل تؤدّي دور الحكيم الذي يبحث عن الحلول السلمية، بينما يلتهم عدوك ذاته بالطائفية وغيرها.

وكي تكتمل المنجزات، ظهر بعد الأعوام الدامية التي عرفها المشرق مؤخراً مفهوم “دساتير الجيل الرابع”، وهي دساتير اجتماعية مفصلة حسب السياسة، أي بالمقلوب.

وقد استولت عليّ ردحًا من الزمن، كما تقول العرب، القصة المعقدة لانهيار الرايخ الألماني الثالث، وكنت أقرأ مستغرباً، كيف يمكن لنظام سياسي اجتماعي اقتصادي ديمقراطي متقدم علميًّا وتكنولوجيًّا وفكريًّا (وهو ما تعنيه كلمة الرايخ) أن يتحول إلى نظام وحشي غرائزي ثم ينهار ويختفي تماماً؟

وكان كارل ساغان يدعم تساؤلي كلما ظهر مدافعًا عن العوالم الأخرى في الكون، مؤكداً أنه لا يمكن لتلك الحضارات أن تصل إلينا وتجتاز المجرات، دون أن تكون قد بلغت درجة رفيعة من التقدم العلمي تتناقض كليًّا مع تقديمها في شكل وحوش تأكل لحوم البشر كما يجري تصويرها في السينما.

وقد تقول أي دولة متمدّنة عن ذاتها ما تشاء، ويكون الواقع أمراً آخر؛ كما فعل أدولف هتلر حين اعتبر أن الأوان قد حان، فجأة، للانتقال من الرايخ الأول إلى الثالث دون العبور بأي رايخ يحمل المرتبة الثانية في التاريخ الألماني.  وفي الوقت الذي بدأ العالم يطرح فيه مصطلح “الجيل الخامس” في التداول، ننتقل نحن إلى الجيل الرابع اليوم في كل وجه من وجوه الحياة العربية، لنجد أنفسنا في مكان آخر غير الذي تؤشر عليه أجهزة تحديد الموقع التي نستعملها.

إبراهيم الجبين

جريدة العرب اللندنية