فضاءات ثقافية

محمود درويش.. نكتب لنشكرك

38700127_2015898115121158_7094172391051362304_n
بقلم نبض شرقي

 

آخر اهداء كتبته له كان: «… نكتب لنشكرك» تركت الكتاب على مقعد سيارته، متعمداً وخائفاً مما حسبته في حينها مبالغة، كان ذلك في بدايات الصيف وكنا نعبر ممر مقهى «فاتشي» الذي دلني عليه ثم اصبحت لنا مائدة فيه، البعيدة في الزاوية، المغطاة بمتعلقات الاسيجة وشجرة «بنسيان»، امامنا، وبعد ان تهبط ثلاث درجات شجرة أخرى تتهدل اغصانها مثل بكاء بعيد ومتصل، كنت رأيت شبيهتها في احدى بلدات الوسط الاميركي قبل سنوات، شجرة معمرة تتوسط نهراً صغيراً وكأنها نبتت في الماء او انها كانت قبل النهر، قال لي مرافقي ان اسمها «الأرملة الباكية» وقالت صديقة اميركية ان بعضهم يطلق عليها اسم «الهندية الباكية».. عندما سألت صاحب البستان في رام الله، قال انها شجرة غريبة، ليست من هنا، يسمونها في اسرائيل «العربية الباكية» نطق اسمها بـ«عبرية مشوشة».. كنا نتجه الى مائدتنا لنجلس امام «العربية الباكية»… تركت له اختيار المقعد فاختار ما يختاره دائماً وجلس.

في الليل سأقسم سلة تين صغيرة بيننا وسأرسل له حصته مع «نهاد» كان التين يسحره تماماً، وسنتجاهل في حديثنا، فيما بعد الكتاب والاهداء، وسيسهب في الحديث عن «التين» عن هشاشة الشجرة وبساطة الثمرة وسيذهب في الحديث ابعد ليقارن بين عدوانية «الصبار» وعناده وصداقة التين وتسامحه وتجاورهما معاً في مرجعية زراعة الفلسطينيين البسيطة!

كنت سألته ما الشجرة التي سيختارها لازرعها باسمه في حديقة بيتي في «كوبر» قال: الرمان، واكمل، زهرة الجولنار مدهشة.. هل حاولت مرة ان تتأملها؟

فيما بعد سيسألني عن احوال الشجرة عندما اثمرت للمرة الاولى، اتصل من باريس ليسأل هل الرمانة حلوة ام حامضة، قلت لم اعرف بعد، قال: اتركها تنضج ارجو ان تكون حلوة.

على طاولتي في البيت الآن حبة رمان مدللة لم اجرؤ بعد على فتحها او اختبارها!

صاحب المقهى واصل حجز المائدة، والفتيان اللطفاء الذين يقومون على الخدمة واصلوا تقديم خدمتهم، عندما دخلت الى المقهى مع فاتن ليلة تركناهم جميعاً على تلك التلة في جنوب المدينة، ربما للبحث عنه، كانت صورة كبيرة له على مقعده الخاص وكان كأسه على المائدة، وثمة شموع على طول السياج وكانت هناك باقة صغيرة، صفراء مشربة بالبياض، شخص ما وضعها دون بطاقة بينما (العربية الباكية) بعد ثلاث درجات من الممر تواصل تحديقها الأبدي في الارضية المبللة.

صانع الذكريات

في الشهور الاخيرة كان منهمكاً، تماماً، في الاعداد لموته وترتيب رحيله، بدأب كان ينظم مرورنا الاخير حول نومه، بدا معنياً بالتفاصيل اكثر مما يفعل عادة، اعاد لي الكتاب الاخير الذي استعاره، «حياة باي»، لا اذكر اسم المؤلف الآن، كان بترجمة سامر ابو هواش، وهاتف معظم اصدقائه وتذكرهم واحداً واحداً على تلك المائدة، ذهب الى قصر الثقافة في جنوب رام الله وأحيا آخر امسية شعرية له في بلاده، قرأ «لاعب النرد»، وقف امام جمهوره ليقدم اعتراف الشاعر وحكمته، كان أوصى المنظمين في بلدية رام الله بتوزيع بطاقات الدخول على الناس وليس على الخاصة، والتقليل، قدر الامكان، من الرسميين وساكني الصفوف الامامية، وكان معنياً بذلك، ذهب الى بيت العائلة في «الجديدة» نام في المنزل وحلق ذقنه على مرأى من اخوته،، التقى بصديق في حيفا وطلب منه ان يواصل الكتابة…

كان يرتب ذكرياته بدأب الذاهب تاركاً اشاراته في المكان معنياً بأن لا ينسى، وهو صانع الذكريات الأمهر، الاسماء والوجوه والضحكات التي رنت في غرف بعيدة، مغامرات المدن البعيدة، المغامرات الصغيرة التي اثثت حياته، ومنحت تلك المدن اسماءها وروائحها، الموتى والأحياء، الاصدقاء الذين صاروا خصوماً والمرارة التي يتركها المتعجلون في حواشي الحكاية…، كل هذا كان قابلاً لأن يجمع ويحزم ويحفظ.

خيط من الرضى لمع في صوته عندما سألته: «من سيذهب معك الى هيوستن» قال «اكرم.. وصديق قديم لا تعرفه اسمه علي»، قلت «هل حسم الاطباء أمر العملية؟» قال: «تركوا الامر لي» قلت «وماذا قررت» ضحك قبل ان يقول «أنا موافق ولكن الياس خوري لا يريد ان اجريها».

لم يكن معنياً في زيارته الاخيرة لـرام الله بالافكار الكبيرة والعناوين والاحكام المطلقة، كان مشغولاً حد الدهشة بالتفاصيل وكأنه يحاول تفسير خجله وتذكر اخطاء لم تحدث، اخطاء لم يرتكبها حقاً.. وكان يوزع اعذاراً على الآخرين، اعذاراً تمكنهم من العيش بعده دون ندم!

وبدا اننا نتبادل الادوار لمرة واحدة، كأن ارعاه لساعات قليلة وان أُنزل عن كتفيه، في هذه الامسية، أعباءنا جميعاً.

هل اخبرتك ان «أكرم» سيرافقني الى «هيوستن»، من جديد لمعت رنة الرضى في صوته، تلك التي تشبه اتكاءه على كتف، قلت: لا…

كان سعيداً، ايضاً، بايقاع قصيدة كتبها في الأيام الأخيرة، وعلى غير عادته، تماماً، بدأ يقرأ، كنا ثلاثة هو وزياد وانا وثمة امرأة رابعة تجلس وحيدة، دون سبب، تحت «العربية الباكية»، فيما صوته، صوته الذي يتراكم في ارواحنا منذ خمسين سنة مثل انحسار متتابع للعتمة، يرتفع.

بالزنبق امتلأ الهواء

كأن موسيقى ستصدح.

لـم يعد سراً

كان يجلس في المقعد الأمامي وكان يمكن تأمل وجهه من النافذة الجانبية مستغرقاً في قراءة الصحيفة، حينما توقفت السيارة السوداء بانتظار مرور موكب صاخب لعرس قادم من ريف رام الله، ذلك ما كانت تشي به باصات الفورد الصفراء المغبرة والمتعجلة أبداً وسيارات النقل الصغيرة وحافلة ممتلئة حتى الحافة بالأولاد الذين تبرق عيونهم خلف الزجاج، والنساء المخطوفات في غناء كأنه حيلة أو سلم نجاة.

سمح لي ذلك التوقف بأن ألمح من مكاني على الرصيف القريب من زجاج نافذته عنوان المقال الذي يقرأه، وياقة المعطف الكحلي والانسياب الجانبي لوجهه وباقة زهر أصفر ملقاة على المقعد الخلفي.

في ذلك اليوم المبكر من آذار قبل عيد ميلاده بأيام قبل سنتين او ثلاث كان مستغرقاً تماماً في قراءة الصحيفة، بينما عرس ريفي يطلق أبواقه في أحد منعطفات رام الله، قبل أن يواصل طريقه مبتعداً نحو شارع “السهل”.

لم أطرق على زجاج النافذة ولم ينتبه لوقوفي، بقيت الحادثة بالنسبة لي مثل سر شخصي لا مبرر له، وكأن مجرد سرده أو افشائه سيفسد المشهد برمته! ولكنه كان كافياً وضرورياً لأن أهتدي فجأة الى أننا نعيش في مدينة يمكن أن تصادف فيها محمود درويش في عبور سريع نحو منزله، أو وهو يصعد متمهلاً الدرجات المؤدية الى مكتبه في الطابق الثاني من مركز السكاكيني، او دخوله المتردد الى مائدته على المقهى وكأنما فاجأ نفسه هناك، أو وهو يتكئ متعباً ومبتهجاً على المنبر في قصر رام الله وخلف ظهره تتراكم العتمة على التلة التي سيصلها بعد أيام محمولاً وخجولاً إلى أبعد حد..!

المطر الخفيف الذي بلل الرصيف والمارة وسيارات العرس والرجل الواقف على الرصيف، محا كل شيء سوى “البروفيل” المستغرق خلف الزجاج الذي واصل مروره الاستثنائي في تلك الصبيحة، كأنما ليؤكد حدوثها، بينما تتبعه في الهواء النظيف باقة مبللة من الزهر الأصفر المشرب بالبياض!

*المقال كتبتها في خريف 2008. والصورة من آخر أمسية في باريس وقد أخذتها عن صفحة ايفانا مارشليان.

غسان زقطان / فلسطين /

مجلة فن