أفكار متقاطعة

آلان حسن يكتب : إيران المقبولة في سوريا

12968123_575099319325573_7321766640955904235_o
بقلم نبض شرقي

 

كَحالِ البطولات الكُرويّة في أرجاء العالم، يتبارى جميع المتنافسين للحصول على لقبٍ واحد، دخلتْ عديد القوى الإقليميّة والدوليّة الملعب السوريّ، سعياً منها للحصول على لقب استحواذها، كانت الولايات المتحدة الأمريكيّة والاتحاد الروسيّ لاعبَيها الرئيسيَين، وتبارتْ كلّ من فرنسا والصين وإيران وتركيا والسعودية وقطر، وإسرائيل بالطبع، لأخْذِ أدوارٍ تتناسب مع حجم تأثيرها في الداخل السوريّ.

يبدو أنّ الاتحاد الروسيّ قد حسم الأمور لصالحه، وباتَ يُعِدّ العُدّة لمستقبل سوريا كَكُلّ، من كتابة الدستور إلى حلّ قضية اللاجئين، وليس انتهاءً بإعادة الإعمار.

كُلّ ذلك يتمّ مع الأخذ بعين الاعتبار هواجس واشنطن وتل أبيب، والرياض من جهة إخراج إيران من سوريا، أو تحجيم دورها على أقلّ تقدير.

الولايات المتحدة الأمريكيّة وبعد (12) فيتو روسيّ (5) منها مزدوج مع الصين، أصبحت في قناعة تامّة أنّ بوتين لن يتنازل عن سوريا، ولن يقبل بالالتفاف على ذلك عن طريق قرارات إنسانيّة كما في ليبيا أو متعلقة بأسلحة غير تقليديّة كما حدث في العراق، ونتيجة لذلك فقد آثَرَ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب الإعلان عن قُرْبِ سَحْبِ قوّاته من سوريا بعد إنجاز مهمة القضاء على مسلحي تنظيم “الدولة الإسلاميّة”، وربط ذلك مؤخراً بخروج إيران من المشهد السوريّ.

الإعلان الأمريكيّ يَشِي بالرغبة في استدراج عروض من فرقاء الحرب السوريّة، وخصوصاً تركيا والسعوديّة، فأنقرة هي المتحمّس الأكبر لوأد المشروع الكرديّ المُعْلَن بصيغته الأولى كإدارة ذاتيّة مطلع العام 2014 ولاحقاً بالمشروع الفيدراليّ لشمال سوريا أواخر العام 2016 .

كانت تركيا قد قادت عمليتين في سوريا، أولاها تحت مسمى “درع الفرات” وتوجّتها بالسيطرة على كلّ من جرابلس وإعزاز والباب، واتبعتها بعملية “غصن الزيتون” مطلع العام الحالي وتمكنتْ فيها من السيطرة على منطقة عفرين منهيةً بذلك مشروع فيدراليّة شمال سوريا، والتي كانت تضمّ بالإضافة لها، كل من إقليميّ الفرات (كوباني وتل أبيض) والجزيرة، وأجبرتها على التموضع في شرق نهر الفرات (منطقة النفوذ الأمريكيّة) حيث كان هناك تفاهمٌ روسيٌّ أمريكيّ ينصّ على عدم عبور حلفاء موسكو إلى الضفّة الشرقيّة لنهر الفرات، باستثناء الذهاب إلى البوكمال والميادين، بالإضافة لـ تواجد عسكريّ وأمنيّ محدود للحكومة السوريّة في القامشلي والحسكة، مقابل موافقة روسيا، لحلفاء الولايات المتحدة السيطرة على مدينة الطبقة، وسدّها الاستراتيجيّ ومطارها العسكريّ، إضافة لمدينة منبج.

تحاول روسيا الاتحاديّة الحفاظ على مستوىً جيد من العلاقات مع المملكة العربيّة السعوديّة؛ لِما لها مِن ثِقَل اقتصاديّ كبير، ودينيّ مؤثّر، حيث يشكِّل المسلمون غالبية (7) جمهوريّات داخل الاتحاد الروسيّ، وما تأييد موسكو لقرارات مجلس الأمن لصالح التحالف العربيّ في اليمن، بقيادة المملكة العربية السعوديّة، إلا ترجمةً فعليّة للعلاقة القويّة بينهما.

رجل السعودية الأبرز محمد بن سلمان كان قد أقرّ بأنّ سوريا هي ضمن النفوذ الروسيّ، وأنّ نظام الرئيس بشار الأسد يجب أنْ يكون قويّاً لمواجهة النفوذ الإيرانيّ المتزايد في سوريا، حيث قال بكلّ وضوح: “أعتقد أنّ بشار باقٍ في الوقت الحالي، وأنّ سوريا تمثّل جزءاً من النفوذ الروسيّ في الشرق الأوسط لفترة طويلة جداً.. من الأفضل لروسيا أنْ تكون له قوة مباشرة وأنْ يمكنوا بشار، هذه المصالح قد تقلِّل من النفوذ الإيرانيّ بشكلٍ كبير“.

العامل الإسرائيليّ له أكبر الأثر، كذلك فإنّ علاقة تل أبيب مع موسكو في أفضل حالاتها الآن.

رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ينسِّق مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين في أدقّ التفاصيل، ويقرّ بالدور الروسيّ في سوريا، وببقاء الأسد؛ لكنّه يشترط إخراج إيران من معادلة الحلّ السوريةّ، ووزير دفاعه أفيغدور ليبرمان قالها بكل بوضوح حين وجه رسالة للأسد من الجولان السوريّ المحتل: “تخلّص من الإيرانيين.. تخلّص من قاسم سليماني وفيلق القدس.. إنّهم لا يساعدونك، إنهم لا يسببون سوى الضرر، تخلص من الإيرانيين وربما نستطيع أن نغيّر المزاج العام هنا“.

واتهمتْ إسرائيلُ، إيرانَ بإطلاق صواريخٍ عليها من سوريا نحو مرتفعات الجولان المحتلّة في سابقة هي الأولى من نوعها، وهو ما زاد من تصميم تل أبيب على إبعاد طهران من المناطق المحاذية للحدود المشتركة مع سوريا، وهذا ما حصل بالفعل حين انتشر الجيش السوريّ على طول الحدود، مقابل انتشار للشرطة العسكريّة الروسيّة، وأبعدت كلّ تواجد للميليشيات المقربة من إيران.

كانت علاقات سوريا في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد مع طهران تتّسم بالندّيّة، وبما لا يخالف الإجماع العربي، حيث كانت سوريا آنذاك تشكّل ثالثة أثافي المثلث العربيّ، مع السعودية ومصر.

أمّا في عهد الرئيس بشّار الأسد، فقد اختلف الأمر، بِدءاً من حرب العراق عام 2003، مروراُ بالضغوط الدوليّة التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ السابق رفيق الحريري عام ٢٠٠٥ ، وكذلك حرب تمّوز/يوليو عام ٢٠٠٦ بين إسرائيل وحزب الله (اللبنانيّ).

أمّا خلال الحرب السوريّة الممتدة منذ عام ٢٠١١ فالحال تغيّر أكثر من ذي قبل، نَجَمَ عن وحدة الحال التي عاشها البلدان معاً، في مواجهة خطر الزوال الناجم عن ما سُمِّيَ بالربيع العربيّ.

من الواضح أنّ هناك إجماعاً من أطراف الصراع السوريّ الرئيسيين على إنهاء، أو تقليص الدور الإيرانيّ المتعاظم في سوريا، والحِمْلُ الأكبرُ في هذه الحالة سيكون على الحكومة السوريّة التي لا بُدّ وأنْ تَجِدَ مَخْرَجاً من أزمتها هذه، وإيجاد صيغة للحفاظ على حليفها الاستراتيجيّ، دون أنْ يكون لها سطوة تُغضب الآخرين، وقد تكون العودة إلى نموذج علاقة الأسد الأبّ مع طهران هي الأمثل للوصول لحلٍّ سياسيٍّ مقبول إقليميّاً ودوليّاً.

 آلان حسن