أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب عن : الطب الفرعوني والمستقبل

28471184_10156167023642288_571236688451481962_n
بقلم نبض شرقي

 

كثيرا ما توقفت عند أسماء البشر. متأملا كيف يقرر شخص ما أن يمنح لآخر اسما سيصبغ حياته كلها. خاصة حين تكون تلك الصبغة سياسية أو ثقافية أو غير ذلك من الأمور الحساسة. وقد مرّ عليّ ستالين زميل الدراسة الذي كان يتعرض للضرب الشديد يوميا على يد أستاذ التربية القومية الذي يكره الشيوعيين، ولكن ستالين لم يكن شيوعيا كان أبواه كذلك فقط.

ومرّ عليّ هتلر الذي تورط والده وسماه هكذا قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يكن يعرف أن الفوهرر سيندحر. بعدها اضطروا إلى مناداة هتلر بـ”هتّور” تجنبا للإحراج، لكن الوقت فات فقد أصابته لعنة اسمه وتحوّل إلى تاجر سلاح وزعيم عصابة للغجر في أوروبا الشرقية لاحقا، الأمر الذي لم يعجب ابن عمه روميل.

ومرّ عليّ طبيب طويل ونحيف جدا وأصلع. يضع نظارات سميكة، لكن الابتسامة لم تكن تفارق وجهه مع عبوس وتقطيب متناقض للحاجبين. وفوق هذا كله كان اسمه فرعون عزاوي. لا أعرف إن كان قد نجا من دمار مدينته أم لا، ولا أعرف إن كانت داعش قد ألقت عليه القبض أم لا.

كان فرعون لا يرى المرض شيئا يستحق التوقف عنده. مع أنه طبيب. وكان يسخر من ضعف الإنسان أمام المرض. وأظنه كان يعتقد أن المرض حالة نفسية لا يجب الاستسلام لها. كان يقول للمريض “خذ هذا الدواء وعد بعد أسبوع فإن لم تكن اللوز قد تحسنت فسأجعلها تلعن الساعة التي قررت أن تسبب لك فيها ألما! خذ هذا المسكن لتشنج ذراعك، وعد غدا. فإذا طابت كان بها، وإلا كسرناها وأعدنا تجبيرها فتشفى!”. أو “ضع هذا المرهم لعينك، وإذا لم ترجع سليمة خلال أيام فسأفعل بها الأفاعيل وأقلعها انتقاما منها!”. وكان المرضى يتحسنون خوفا من فرعون وعقابيله لا بسبب الأدوية.

وأحسب أن الطبيب الإنسان سيعاني في المستقبل. فقبل أيام أعلنت شركة شنايدر إليكتريك أنها تستخدم تقنية إنترنت الأشياء للرعاية الصحية في المستشفيات، لرصد الأمراض وربط أجساد البشر بالشبكة، فيصبح متاحا تشخيص المرض ومواكبة الحالة ووصف الدواء، مع تعديلات هائلة في شكل المباني السكنية والبيوت لتصبح قادرة على مراقبة المريض. وأضافت مؤسسة غارتنر للأبحاث أنه سيكون هناك ما يزيد عن 20 مليار متصل بحلول عام 2020. حينها سنفتقد فقط إلى روح الطبيب الإنسان الذي يضفي نكهة على عالم المعالجة، كما كان يفعل فرعون.

الحياة كلها عارض عابر، بقياسات الكون هي أقل من ومضة أو رفة جفن. وربما لن يتذكر أحد ماذا كان اسم فلان أو حتى هل كان مريضا أم معافى. سيتذكرون ما فعله وما تركه وراءه وحسب.

 إبراهيم الجبين 

جريدة العرب اللندنية