أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب :الأمم المتحدة ومتلازمة “أليس”

28471184_10156167023642288_571236688451481962_n
بقلم نبض شرقي

 

يصعب أن ترى العلم سائرا وحده هكذا، دون أن يكون قد شبك أصابع يديه بأصابع يدي الخيال. فالاثنان ينبعان من عين واحدة فوارة بالفضول والنهم للاطلاع على المزيد.

غير أن بعض العلماء يبدون في بعض الأحيان، متأففين مترفعين على الخيال، خاصة حين يطلقون عليه تعبير “الخرافة”. فتجدهم يزدرون ما تقوله الخرافة وما تفتحه أمام العقل من آفاق.

قرأت مرة عن مرض مزمن، أو ما يمكن أن يسمى “متلازمة”. لكن هذه الحالة شديدة الغرابة، إذ لم يعثر لها العلماء على وصف إلا “متلازمة أليس في بلاد العجائب”.

وقد يظن المرء أن هذا المرض مرض نفسي يعتقد الإنسان معه أنه هائم في عالم العجائب، إلا أن المفاجأة أن هذا المرض عضوي بحت، يطلقون عليه أيضاً اسم “متلازمة تود”، وهي اضطراب عصبي يصيب المراكز المسؤولة عن الإبصار في الدماغ، حيث يرى المصاب تشوها في أشكال الأشياء، وفي حجوم الأشياء. فيرى بعضها في غاية الصغر وأخرى في غاية الكبر. وتحدث تشوهات في تشريح الأجساد، فيراها المريض متطاولة أو مفلطحة غير متناسقة، أما المسافات فتبدو أقرب أو أبعد. وهكذا حتى يتشكل من حوله عالم مثل عالم أليس مليء بالعجائب.

العجائب في الحقيقة ليست في الواقع المحيط بك، بل في خيالك الذي لم يستبق الأحداث ولم يتخيلها قبل أن تقع كما فعل آخرون حصلوا على أرقام أعلى في معدلات الذكاء. وحين تستعرض مدارس الفن من تكعيبية وتجريدية وسوريالية، ستدرك أن مريض متلازمة أليس لم يكن ألا فناناً بلا أدوات. يرى العالم كما يراه بيكاسو ودالي لكنه لا يتقن التعبير مثله.

مرت هذا الأسبوع أيام انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة بمفارقاتها، وضحك الزعماء والسفراء حين تحدث ترامب عن عامين من حكمه حقق فيهما إنجازات كبيرة. فعلق على ذلك بالقول “لم أكن أتوقع ردة فعل كهذه”.

 بالفعل. هو يرى أن ما فعله يعتبر إنجازا كبيرا على صعيد الاقتصاد والسياسة، وحين لا نرى نحن ذلك، فلا يحق لنا أن نتهمه بالبلاهة. أهدافه من الحكم مختلفة. فلسفته فيه مغايرة. الاتجاه الذي يقود إليه الولايات المتحدة وحضورها العالمي مختلفان عما في أذهاننا. بينما نحن نعيش في صورة نمطية صنعناها للأميركي، تبدأ عند الكاوبوي ولا تنتهي عند الكائنات اللطيفة التي رأيناها في سجن أبوغريب. لكننا لم ننظر أبعد من ذلك، حيث تتشكل قصة أخرى لا يمكنها أن تبني دون أن تهدم، حتى صار مشروعها الوجودي هدم الكيانات. ثم يحدثك الأميركيون ذاتهم عن نظرية المؤامرة. فمن المصاب بمتلازمة أليس الآن أيتها الأمم المتحدة على الخرافات؟

 إبراهيم الجبين

جريدة العرب اللندنية