شرق-غرب

قلعة حلب تنبض بالحياة وتطرد شبح الدمار

sy3_0
بقلم نبض شرقي

 

 لا يمكن لحلبي إلا أن يعتبر قلعة حلب رمزا لتحدي العصور بكبريائها، ففي هذه القلعة تاريخ المدينة الشهباء وحكايات عصورها عبر التاريخ.

سنون عجاف مرت على المدينة وقلعتها، فباتت في خطر وعزلة، ولكنها تقوم مجددا لتنفض ظلمة الموت عن معالمها وتخلق طيفا من الحياة والأمل.

كانت حلب خلال تاريخها الطويل حاضرة شمال الشام والعراق، ونقطة الوصل في طريق الحرير وآخر محطة له في آسيا قبل وصوله لربوع أوروبا عبر آسيا الوسطى ثم اليونان وما خلفها.

وتختزن قلعة سيف الدولة تاريخ منطقة حلب كلها من عمق بادية العراق والشام شرقا وحتى الساحل السوري واسكندرونة وما تلاها غربا.

وبعد انقضاء سنوات الحرب، يبدو الحلبيون راغبين في إعادة بناء مدينتهم بكل طاقتهم وإقبالهم على الحياة.

ففي ساحة سعدالله الجابري، أكبر ساحات المدينة، يتحرك الناس منذ الصباح الباكر طلبا للوصول لأعمالهم ومتاجرهم، وطلاب المدارس والجامعات في حركة نشيطة نحو مدارسهم وجامعاتهم.

مواطن سوري حلبي يحمل الجنسية الأميركية منذ ثمانينات القرن الماضي، لم يقاوم بعده عن مدينته الأم بعد الأحداث التي مرت بها، وهو يشاهد يوميا حجم الدمار الذي يزداد، فاختار العودة برفقة زوجته إلى حيث ولد وترعرع وترك أولاده هناك.

المهاجر الحلبي عاد بعد أن تجاوز السبعين بعام واحد، فأنشأ مطعما كبيرا في منطقة راقية، ليقدم كل أصناف الطعام الحلبي.

ولم يشأ صاحب المطعم والذي فضل عدم ذكر اسمه الحديث كثيرا في تفاصيل الموضوع، وردد جملة واحدة فحسب “ما قدمته لنا حلب أكبر بكثير مما قدمناه نحن.. وهذا أقل من الواجب لهذا الرحم الذي خرجت منه”.

أبوعلاء، صاحب متجر صغير في قلب حلب القديمة، على جوار حي (خان الوزير) ينظر إلى الغد بالكثير من الأمل، وهو يصر على أن ما حدث هو أمر طارئ، وأن المدينة ستعود كما كانت من قبل.

ويؤكد “أن المدينة خسرت الكثير من ناسها في هذه الأحداث المؤلمة، لكن بعضهم ممن ظل على قيد الحياة بدأ يعود الآن بشكل تدريجي. ويوميا أشاهد أو أعرف أن الناس تعود للمدينة لكي تبني مجددا تلك البيوت وتستقر بها”.

ويضيف أبوعلاء أنه يساعد بقدر استطاعته في ورشات الترميم التي يراها تعمل بشكل نشيط سواء في السوق الذي يعمل به أو في حيه الذي يسكنه، فـ”أهل حلب لحلب”.

وفي المقابل، لم يكن كمال صاحب سيارة للأجرة متفائلا كما الآخرين، فهو يرى أن الناس قد تغيرت “هنالك أشياء كنت أعرفها بين الحلبيين لم أعد أراها الآن، كانت الأمور أكثر دفئا، كنت أعمل قبل الحرب عشر ساعات يوميا، وكنت قادرا على تأمين حياة كريمة لأسرتي، أما الآن فالأمور صارت أصعب، أعمل أكثر من جهدي، أحيانا أعمل عشرين ساعة في اليوم، ولا أستطيع تأمين نصف احتياجات البيت، أرمم بيتي المدمر وأرسل أبنائي للمدارس، وما تبقى من فتات نعيش عليه جميعنا”.

ويعتبر الحلبيون قلعة المدينة رمزا لهم وبيتهم الكبير الذي يجتمعون فيه، فهي بجذورها التاريخية العريقة، كانت دائما منبرا للعديد من الفعاليات الثقافية والاجتماعية الكبرى التي يحرص أهل المدينة على إحيائها، وكأنهم يكــتبون سجل حياتهم على حجارة القلعة.

 

هذا الأمر تغير جوهريا منذ بداية عام 2012، حيث بلغت الأحداث الدامية في سوريا ذروتها، وحلت الحرب في أرجاء المدينة، فتعطلت الحياة بكل تفاصيلها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لمدة تقارب السبع سنوات، فانحسر عدد زوار القلعة إلى ما يقارب الصفر، وتوقفت تماما الفعاليات التي كانت تقام فيها.

وأثناء الحرب، شهدت القلعة جولات عنيفة بين طرفي النزاع، خاصة أن أحدهما كان داخل القلعة والآخر على حدودها الخارجية، وهذا ما خرب بعض الآثار الموجودة فيها نتيجة القصف والقذائف، لكن القلعة تعود إلى الحياة من جديد. وبحسب أحد المسؤولين عن القلعة، فإن الجهات المعنية قيمت هذه الأضرار فور عودة الحياة الطبيعية للمدينة، ثم بدأت بعمليات الترميم.

وخلال أقل من عام من عودة الحياة إلى طبيعتها لمدينة حلب، بدأت القلعة باستعادة نشاطها وحيويتها. ففي الفترة الأخيرة، استقبلت القلعة الكثير من الفعاليات الثقافية والفنية (نحت، رسم، حفلات غنائية وموسيقية وغيرها من الأنشطة) والتي حضرها جمهور أتى بالآلاف لكي يشاهد القلعة وأحوالها ويرفع من معنوياتها بحضور المهرجانات المقامة بها.

ويقول أحد الموظفين في القلعة “خلال الأعوام السابقة، لم تكن هنالك فعاليات ثقافية، وكانت القلعة فارغة ومعتمة وحزينة، يحيط بها السكون والظلام، فقط تصدر أصوات الحرب بعد أن كانت صاخبة بالغناء والموسيقى، والآن تعود لحياتها الطبيعية، الناس عادت لزيارتها، سواء من خلال حضور الحفلات والأنشطة الثقافية، أو لزيارتها بذاتها، حتى المقاهي والمطاعم المحيطة بها عادت تعمل بنشاط. ونحن نشاهد يوميا المئات من الأشخاص الذين يرتادون هذه المقاهي ليشاهدوا القلعة ويتذكروا مجدها”.

آخر فعالية احتضنتها القلعة في الموسم الصيفي، كانت لجمعية أهلية تسمى “جذور” تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، وقدم خلال ثلاثة أيام مهرجان “ليالي قلعة حلب” حفلات فنية في الموسيقى والغناء، ضمت فنانين من الشباب، منهم رنا معوض وفارس أحمر وعبود برمدا، ومطربين معروفين مثل صفوان العابد، وفي الغناء الشعبي الفنان محمد خير الجراح، وكان الختام مع أيقونة الغناء السوري الحديث ميادة بسيليس.

وفي المهرجان ازدادت رغبة أهل المدينة في زيارة قلعتهم، فحضر المهرجان في أيامه الثلاثة، الآلاف من الناس الذين أكد جمع منهم أنهم مندفعون لحضور فعاليات قلعة حلب تأكيدا على أن الحياة مستمرة في هذه القلعة التي قاومت عبر الآلاف من السنين موجات من الدمار والحروب، مؤكدين أنها ستقاوم مرة أخرى حالها الحزين، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها المستمرة.