فضاءات ثقافية

أحمد علاء الدين يكتب : ثالوث الحضارة بين الشرق الأوسط وأوروبا

42925560_989166924589348_3498626281388376064_n
بقلم نبض شرقي

 

وحش الوعي،ووعي الوحوش

تتعدد دلالات بعض المفردات اللغوية وبنفس الوقت تحتمل مغزى واحد يجعل الفعل الناتج عنها غير قابل للتهويم و التحريف ، كي تكون دلالة على مدلول فعلي ثابت في كل المواقع ، فمثلما تعطي كلمة ( مدنية ) مفاداً عن بقعة مطوَّرة ذات كثافة سكانية محمية شمولياً من قبل دولة مختصة بغض النظر عن الإنتماءات القومية أو الدينية أو الفكرية ، كذلك تعطي كلمة ( حرية ) مفاداً عن الاستقلالية العقلية الخالصة للفرد التي تنتج بدورها الأفعال المتفجرة عن التفكير بأسلوبية متساوقة تستند بالضرورة على مراعاة التوجهات الذاتية لمحيط ( الإنسان ) الحر .

المدنية ، والحرية ، والإنسان

بالإمكان تقديم هذه الشبكة الكلماتية – مصطلحاً – على أنها ثالوث الوجود العصري ، الذي إن تواجد بالمطلق على أرضية ما فإنه يشتغل تلقائياً على تكثيف التقدم الزمني ، وذلك عبر إحداث تغييرات تتعدى الوقت المفروض لحدوثها في الأحوال العادية – الغرب – أما في حال تواجد هذا الثالوث بشكل مجزء منقوص على الأرضية ؛ كأن يتواجد الإنسان والحرية ولا تتواجد المدنية; فهذا ينتج شكلاً بدائياً أقرب لحياة العرب القديمة وممارساتها  ، فيما إذا تواجد الإنسان والمدنية دون الحرية ، فهذا ينتج بقعة قبائلية مسورة بالعقائديات المتحجرة .

يتضح أن الإنسان هو الركيزة الأساس – المتحكمة بالعنصرين الآخرين اللذين بفقدان أحدهما يفقد الوجود العصري عاملاً مهماً في تسوية هيكليته شكلياً وزمانياً ، فتتراجع فيه المنظومة الفكرية والأخلاقية لتحل مكانها منظومة إنهيارية سوداء – الشرق

التركيبة الانسانية الأصل هي واحدة في المنطقتين ، لكن ماهي آلية استقبال الشرق الأوسط معنى الحرية وما هي آلية استقباله لدى الغرب ، وهل يتباين مفهوم المدنية بينهم ، وهل الثقافة الغربية متفوقة في استيعاب معنى الانسانية ( التي تخصها على الأقل ) عن الشرق ؟

وهل صحيح ما يقال أن الشعوب العظيمة فاسقة الأفكار متدينة الأفعال ، والشعوب المتخلفة فاسقة الأفعال متدينة الأفكار ؟

يقول أحمد فرحات ” كاتب وروائي مصري ” :

نحتاج إلى يد من أنفسنا تمتد إلى ظلام الغد وتضيء به درباً ما

أعتقد أن مفهوم الحرية هو من أكثر المفاهيم التباساً عند التحقيق رغم ما يبدو من تعارف لفظي أو معجمي على مدلولها وبالتالي فإن الحرية على إطلاقها بمعزل عن ظرفها التاريخي والاجتماعي قد تكون لفظا فضفاضاً خارج عن حدود التعريف إلا بالإيماء أو التهويم كل حسب ثقافته ، إذن كيف نعتبر الإنسان القديم الأول حراً وهو خاضع لظروف الطبيعة والصيد والموارد ، و كذلك إنسان اليوم ، ولكن وفقاً للتعريف الغربي للحرية وهي حرية ممارسة الفرد حقه في الحياة والاعتقاد والتعبير والتجمع السلمي وممارسة الأنشطة المجتمعية والتجارة الحرة إلخ ، فإنهم بالطبع يدركون “حرية” الممارسة والمبادرة بما لا يدركه الشرقيون ، أو يدركونه ولكن وفق الأيديلوجيا الدينية يحرفونه ، بما أنها المسيطرة على أسس التشريع القانوني والمجتمعي في الدول الشرقية ، أي التي تعتبر أن الشريعة مصدرا رئيسياً لها في التشريع ، وكذلك فإنها تتناقض مع مكون هوياتي ، يصعب على الشرقيين تبديله ، بين عشية وضحاها ، وبتالي فوفقاً لهذا المفهوم الفرد الشرقي غير حر بالنسبة للفرد الغربي ، والفرد الغربي عبد لشهواته إلخ ، بالنسبة للفرد الغربي ، ربما يري الصيني نفسه حراً وليس مقموعاً ، ولا يراه الغربي كذلك ، أما اذا خرجنا بالحرية إلى مفهوم أوسع وهو المفهوم الوجودي لها ، فقد طرحت الأديان رؤية القدر والقضاء ، والمسألة الخلافية المعروفة بين الفرق الكلامية المختلفة ، كالمعتزلة والأشاعرة والجهمية والمرجئة ، وإذا خرجنا إلى الفلسفات الغربية وجدنا الخلاف أيضاً يرتد إلى جذور بعيدة ، فدعنا نقول أن الشرق والغرب لازال يطور من رؤيته عن الحرية عبر العصور ، لنسبية مفهومها وظرفها ، فبالطبع إذن يختلف مفهوم المدنية بينهما وإن كان الفرق آخذ في التضاؤل بفضل معطيات التكنولوجيا التي طورت آفاق التواصل بين الشعوب والحضارات ووسعت من مجال التأثير والتأثر ، وبسؤالك عن استيعاب الغرب لمعنى الإنسانية فدعنا نتتبع مسيرة الإصلاحات الاجتماعية التي أحدثها الغربيون في حضاراتهم على مر عصورها ، ودعنا نتتبع حضارتنا ، ولكن سيكون علينا أيضاً قبل أن نفعل هذا أن نكرس وقتاً لإدراك ما نقصده تحديداً من كلمة الانسانية فمن حيث الظاهر هم أكثر استيعابا ولكن ربما يكون لدى البعض مثل الماركسيين تحفظ بالغ على مفهوم الإنسانية في ظل حضارة رأسمالية متوحشة ، او المفهوم التي تصدره هذه الحضارة كمعيار للإنسانية لديها ، فالماركسية ترى أن الحضارة الغربية هي آلة استعباد وقمع مهما تجملت لتتجاوز أزماتها المتتالية ببراعة ، وأنه لا إنسانية في استعباد الفرد لإخيه تحت مفهوم الربح ، ولكن يبدو أن تيار المفهوم الإنسانوي الغربي عاتٍ ، ويصور لنا أنه لا بديل واقعي إلا هو ، وبالتالي فهل حقاً يتفق الغرب نفسه على أنه المستوعب الواحد والمثالي لقضية الانسان ، لا أعتقد ، ولا أعتقد أن الشرقي اليوم يملك إجابة واضحة وبلاده يأكلها طاعون الإرهاب أما عن مقولة الشعوب العظيمة والمتخلفة فدعني أقول لك إن إنسان اليوم في محنة ربما يهديه العلم إلى وسائل ليطور من وجوده ويتجاوزها يوماً ما ، ولكن يظل السؤال الحقيقي هل يوجد شيء اسمه أفكار متدنية وأفعال متدينة ، لا أعتقد ، فالأمر يرجع الى القوة ، والقوة اليوم بمقياس الصراع مترنحة بين الشرق الأقصى والغرب ، ويبدو أن الفكر والنظرية يقفان مرتعدين أمام قوة التدمير والإيذاء والإبادة التي تحتوي عليها الحضارة برمتها ، ألا يمكننا القول أن الشعوب كلها وأفكارها كلها متدنية بالتساو رغم الاختلاف حتى الآن ، نحن ننتظر إصلاحاً عظيماً لتبديل ما يبدو لنا قاتماً ومقلقاً وكئيباً ، وهو عالمنا الحالي بمختلف مذاهبه وصراعاته الفكرية والسياسية

نحتاج إلى يد من أنفسنا تمتد إلى ظلام الغد وتضيء به درباً ما .

 

باسم سليمان  ” كاتب وروائي وشاعر سوري ” :

الآلهة في الشرق أحجاراً تحتاج إلى قرون حتى تتحول لرمل يلعب عليه الأطفال !

إن مقولة محافظة الكلمة على دلالة واحدة هو مفهوم دي سيوسيري الذي يرى أن اللغة بنية فوقية ويخالفه باختين والسبب أن اللغة بنت لحظة اجتماعية زمكانية واعتبار اللغة مفهوم فوقي أصبح مندثراً لا يعول عليه إلا في القواميس.

لا أظن الغرب أحدث بدعة في المفهوم الإنساني يختلف عن الشرق كل ما في الأمر أن المصنع هو الذي يصنع الآن الدلالات. المصنع يحوّل خام اللغة إلى دلالات جديدة في حين اللغة في الشرق مازالت خاماً. ومن هنا كانت المطبعة من ساهمت في ظهور الحداثة كما أن رأس المال بنزعته التداولية صنع الحاجة للترجمة التي كسرت ما يمكن تسميته بالوزن الأسكندري في القرن السابع عشر وعليه نجد الحرية في الغرب تخدم مفهوم القيمة المضافة في حين في الشرق لم تحدث هذه القيمة وهل يجب أن أقول إن موت ملايين الرجال في الحربين العالميتين كانت سبباً في تحرر المرأة أكثر بألف مرة من الأفكار التحررية!؟ ووضعت اللغة كمثال لأنها وعاء الأفكار المعبرة عن الوجود الإنساني، فالمدينة والحرية ككلمتين تحددهما عوامل جديدة دوما، فمدينة القرن العشرين ليست مدينة القرن الحالي وكمثال، ألم تصنع نكتة الفيس بوك تحررا اجتماعيا أكثر بآلاف المرات مما زمر له وطبل له المفكرون!؟ وعليه المدينة التي تتصل بالإنترنيت لا تشبه أبداً المدينة التي لا يوجد فيها إنترنت والحرية لا تخرج عن تداعيات ظهور المصنع بشكله الحديث أبداً.

كلمة شعب كلمة قديمة لم تعد تصلح لهذا الزمان الأفضل القول: المستهلكون ولا يختلف المستهلكون أبداً في الغرب أو الشرق ، لكن في الغرب حكومة المصنع صنعت آلهة من تمر عندما يجوع مستهلكيها تدفع بتلك الآلهة إليهم أما في الشرق فمازالت الآلهة من أحجار تحتاج إلى قرون حتى تتحول لرمل يلعب عليه الأطفال.

ضمن هذا الإطار لا يمكن اعتبار الوعي المدني موقف شخصاني غير متعلق بالتلقين المحيطي العام،حيث أنه يتطلب مجموعة من الأدوات والمواقف والأساليب،إضافة إلى الاطلاع الخصب لصياغة تفكير  حضاري يحدد شكله النهائي من خلال التجربة التي مرت أوربا خلالها بعصور الانحطاط وتسللت منها خارجة لبناء مجتمع حديث متنبه يحذر السقوط بإشكالية الماضي.

 أحمد علاء الدين