شرق-غرب

 (ديانت) التركية تستولي على عقول وقلوب السوريين في الشمال.

71
بقلم نبض شرقي

 

 – تلعب رئاسة الشؤون الدينية التركية “ديانت” دورا مثيرا للجدل في المناطق التي تمكّن الجيش التركي من السيطرة عليها في شمال سوريا، حيث تخصص أنقرة ميزانيات توحي بالتخطيط للبقاء بشكل طويل الأمد.

تأخذ ديانت على عاتقها جزءا كبيرا من هذه المسؤولية، خصوصا خطط نشر عقيدة دينية إسلامية مستنسخة من التديّن التركي، بالإضافة إلى معتقدات تنحدر من أدبيات تنظيم الإخوان المسلمين، التي تشكل أحد المكونات الرئيسية لفكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ومنذ صعوده إلى الحكم، يعتمد أردوغان على “ديانت” في أعمال السيطرة الخارجية على الجاليات المسلمة في أوروبا، إلى جانب خلق قوة دينية ناعمة جسرا لتمدد الثقافة التركية بين المسلمين. وتعمل “ديانت” لتنفيذ استراتيجيتها مع وكالة الاستخبارات التركية (إم آي تي).

وفي 13 سبتمبر الماضي، نشرت “ديانت” تقريرا لأنشطتها في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، وهما اسمان لعمليتين أطلقهما الجيش التركي في منطقة غرب الفرات، وحولتا المئات من البلدات والقرى، بحكم الأمر الواقع، إلى مناطق واقعة تحت الإدارة التركية المباشرة وغير المباشرة.

ويركز التقرير، الذي صدر في 104 صفحات، على عمليات إعادة تأهيل مساجد دمرتها الحرب، لكن خبراء يقولون إن عمل “ديانت” تخطى هذه المرحلة بكثير، سواء داخل الأراضي السورية أو بين اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا.

الاستخبارات الألمانية تدرس وضع “ديانت” على قوائم المراقبة، بعدما صعدت لهجة الأئمة التابعين لها في المساجد التركية دعما لعمليات الجيش التركي في حربه ضد الجماعات الكردية في شمال سوريا

وقال دبلوماسي غربي في أنقرة “ديانت أصبحت المؤسسة الرئيسية التي تعول عليها تركيا في عملية استعادة الاستقرار في المناطق التي شهدت معارك في سوريا”.

وعلى سبيل المثال، بحلول عام 2017 أصبحت كل المؤسسات التعليمية والدينية والصحية في ريف حلب الشمالي تحت سيطرة “ديانت”، وشبكة كبيرة من منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية التابعة لها.

وبات أئمة المساجد تابعين لـ”ديانت” بشكل مباشر. إلى جانب ذلك، أطلقت “ديانت” 30 شريطا مصورا باللغة العربية بهدف “محاربة الإرهاب والتطرف”.

لكنّ سكانا محلّيين معارضين للتوغل التركي في حياة السوريين اليومية، قالوا إن هذه الأشرطة المصورة تنشر تعاليم دينية هدفها تغيير الطابع الفكري والعقائدي التاريخي للسكان المسلمين السنة في المنطقة.

ويعمل لدى “ديانت” أكثر من 470 شخصا في منطقة شمال سوريا، كما خصّص مبلغ يقدر بـ5.5 مليون ليرة تركية (885 ألف دولار) لدفع رواتب رجال دين ووعاظ محللين تلقوا تدريبا من قبل شيوخ تابعين لـ”ديانت”.

وتقول رئاسة الشؤون الدينية التركية إنها تستبعد كل من يرتبط بالمنظمات الإرهابية أو المتطرفين من قوائمها خلال عملية اختيار موظفيها في شمال سوريا.

لكن تقارير محلية أكدت أن الكثير من المنضمين للعمل في صفوف الإدارة هم أعضاء حاليون أو سابقون أو متعاطفون مع تنظيم الإخوان المسلمين والجماعات المرتبطة به في سوريا.

شهد العقد الماضي صعود “ديانت” لكي تصبح المؤسسة المفضلة لأردوغان إلى جانب المخابرات.

وتمت مضاعفة ميزانية “ديانت” وعدد العاملين بها وقدرتها على التأثير ومداه. ومع الوقت باتت الروابط التي تجمع بين “ديانت” والاستخبارات التركية شبه علنية.

وفي مدن الباب وجرابلس وأعزاز الواقعة في شمال غرب سوريا، لا يتوقف العمل الأيديولوجي الذي تقوم به “ديانت” على نشر تعاليم دينية فقط، لكنها تحاول خلق المزيد من الدين والقومية التركية، يقود في النهاية إلى عقيدة “التمدد العثماني” القائم على المعتقدات الدينية التي يؤمن بها أردوغان. ويجعل ذلك من رسالة “ديانت” عقيدة هجينة لا تختفي فيها الفوارق الجوهرية بين الأمن القومي التركي وأسس العقيدة الإسلامية. ويعني هذا تسويق أن الإسلام هو تركيا، وتركيا هي الإسلام.

هذه المشاعر متوغلة منذ فترة طويلة بين عناصر تنظيم الإخوان المسلمين العرب. وتقول مصادر إن التداخل العقائدي والتزاوج الفكري قضا على أي فرق بين عناصر “ديانت” وعناصر الإخوان المسلمين، بعدما باتت رسالتهم واحدة.

وفي إدلب، أدت إقامة شبكة من القواعد العسكرية التركية في يناير 2018 إلى محاولة منسقة من الفصائل التي تدعمها أنقرة لطرد هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات الجهادية من البلدات الرئيسية.

ومع تكشف هذه المحاولة لتقليص نفوذ هيئة تحرير الشام، كثفت رئاسة الشؤون الدينية التركية جهودها للسيطرة على شؤون الرعاية الاجتماعية والحكم في أرجاء المحافظة.

ولذلك بدأت تظهر في شمال سوريا شراكة بين مسؤولي الإدارة الدينية التركية وضباط الجيش التركي الذين أصبحوا معتادين على شؤون حكم أعداد كبيرة من السكان في إطار مشروع شبه استعماري.

ونظرا لأن المعضلات الاستراتيجية التركية تجعل الانسحاب مستبعدا قريبا، فإن هذه الشبكة من المساعدين السوريين داخل الإدارة الدينية التركية إلى جانب الجيش يطوران مصلحة خاصة في الحفاظ في المدى الطويل على السيطرة على الإمبراطورية التركية المفاجئة في سوريا.

ظهور هذه الشبكة المدنية العسكرية ذات الصلات العميقة بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فضلا عن تجمعات اللاجئين السوريين في تركيا، سيكون له على الأرجح تأثير كبير على السياسة في تركيا نفسها. فمع مرور الوقت، سيكون على الحكومات التركية المتعاقبة التي تعتمد على مثل هؤلاء المساعدين السوريين في إدارة تلك الأراضي أن تضع مطالبهم في الحسبان.

وتقول تقارير إن هناك أكثر من 11 ألف طالب سوري في الشمال يتلقون تعليمهم تحت إشراف مباشر من “ديانت”، التي قامت بتعيين 5600 معلم سوري، أغلبهم ينتمون إلى فصائل المعارضة السورية.

تروج المناهج التعليمية التي وضعتها “ديانت” لنموذج الإسلام السني التركي، كما تحتوي على لهجة معادية للأكراد. وتظهر مناهج “ديانت” الأكراد باعتبارهم “ملحدين”، وتقول إن المقاتلين في صفوف وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني “كفار”.

ويقول تقرير “ديانت” إنه تم تعيين 519 امرأة و 291 رجلا لتحفيظ القرآن في شمال سوريا. ويقول صحافيون في المنطقة إن الإدارة تستهدف إصلاح المساجد وبناء المدارس الدينية في المناطق التي اعتاد فيها العثمانيون أن يكون لهم وجود ديني وحضاري كثيف.