شرق-غرب

البنتاغون زاد عدد قواته 20 ضعفاً خلال عامين فقط! لماذا بات الجيش الأميركي يتفاخر بوجوده في سوريا الآن بالتحديد!

2018-07-16T175829Z_1700685763_RC16B7F9DAA0_RTRMADP_3_USA-MILITARY-900x400
بقلم نبض شرقي

 

 

في ذلك الوقت من العام الماضي (2017)، كان الجيش الأميركي يرفض الاعتراف بأنَّ عدد قواته الموجودة في سوريا أكبر بـ4 أضعاف من العدد الذي كشف عنه سابقاً، وصمم على أنَّهم يعملون مستشارين عسكريين مؤقتين للقوات المحلية التي تقاتل تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). أما الآن، فإنَّ وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تعطي ملامح واسماً وخريطة بمواقع الوجود الأميركي في سوريا، وتشارك كل ذلك عبر تويتر وإنستغرام؛ إذ أكد فيديو، أُنتج ببراعة، ونُشر الشهر الماضي (أغسطس/آب 2018)، كيف عكست الولايات المتحدة، بصورةٍ صارخةٍ، جهودها السابقة لإخفاء تفاصيل تورطها في البلد. يُعتبر هذا الفيديو بمثابة اعتراف بأنَّ مهمة الولاية المتحدة في سوريا شبه دائمة وتوسَّعت إلى حد كبير، حتى مع أن الرئيس دونالد ترمب كان يفكر علناً في سحب القوات الأميركية من سوريا، بحسب تقرير لموقع BuzzFeed News الأميركي. ظهر في هذا الفيديو الحديث، الذي جاء مع خلفية موسيقية دراماتيكية ولقطات من طائرة من دون طيار، الرقيب ماثيو يانيك، وهو قائد فرقة المشاة في سَريَّة الهند، والكتيبة الثالثة، والفوج السابع من مشاة البحرية، ويُظهر الفيديو قوات أميركية تجري مناورات بالقرب من القاعدة العسكرية الأميركية الصغيرة في التنف، جنوب شرقي سوريا. وهذه القاعدة واحدة من سلسلة من القواعد الجديدة التي بناها البنتاغون بهدوء في البلاد، وذلك بحسب تقارير محلية.

لماذا تغيَّر التكتيك الأميركي؟

وقال يانيك: «نحن مسؤولون عن الحفاظ على سلامة الجميع وكل عملياتنا هنا؛ لأنك لا تعرف أبداً إمكانية وموعد وقوع هجوم ما. يوجد في العقل الباطن لكثير من الناس ذلك الاعتقاد بأننا لن نشارك أبداً في حربٍ حديثةٍ. لكن ها نحن ذا… في سوريا، ونحن نقوم بواجبنا، ونقوم به على أكمل وجه».   وقد روج حسابا قوات مشاة البحرية الأميركية على تويتر وإنستغرام، مقاطع من الفيديو، مرفقَين إياها برسالة تقول: «خوض الأسبوع الحالي بحماسة مع بعض التحفيز من القوات الخاصة (فرقة العمل البحرية الجوية الأرضية) في سوريا».  

منذ عدة سنوات مضت، كانت رؤية الترويج لوجود عسكري أميركي في سوريا، كما لو كانت أفغانستان، أمراً من شأنه إثارة الجدل. لكنَّ التصريحات المتداخلة والغامضة عن عمدٍ حول ما تفعله القوات الأميركية على وجه التحديد في سوريا وعددها، وكم الوقت الذي تخطط للبقاء فيه هناك- يبدو أنَّها قد أخمدت ثورة معظم البلد، ودفعته لقبول أنَّهم هناك فترة طويلة؛ بل حتى عدد وفيات المعارك الأميركية هناك لم تتسبب في الكثير من الجدل. وقالت ميليسا دالتون، الزميلة الأقدم بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والمسؤولة السابقة في البنتاغون، لموقع BuzzFeed News: «مستوى الإظهار العلني لوجود أميركي بشرق سوريا وفي التنف هو تناقض واضح لما كان عليه الحال قبل عام مضى». وقالت ميليسا إنَّ ذلك ربما يعود لسياسة داخلية أكثر اتساقاً داخل إدارة ترمب، تتضمن الآن تركيزاً حديثاً ينصبُّ على مواجهة إيران، مستدركةً: «لكنَّ الهدف من ذلك هو الأمر الأقل وضوحاً».

عدد القوات زاد 20 ضعفاً

وارتفع عدد القوات العسكرية الأميركية بسوريا من 50 جندياً أُرسلوا في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015، فيما كان يمثل سياسة معاكسة كبيرة للرئيس باراك أوباما، ليصل إلى أكثر من 2000 جندي اليوم. وفي الوقت ذاته، زادت قائمة الشروط المطلوبة لسحب أولئك الجنود. وكانت قيادة البنتاغون قد واظبت على القول بأنَّ الولايات المتحدة موجودة في سوريا لطرد تنظيم داعش، وتدريب القوات المحلية لمنع ما سماه وزير الدفاع، جيمس ماتيس، «النسخة الثانية من داعش». لكنَّ العام الماضي (2017) شهد تحولاً كبيراً في هذه المهمة، ويبدو أنَّ صفحة جديدة تماماً قد طُويت عندما أعلن مستشار الأمن القومي لترمب، جون بولتون، الأسبوع الماضي، أنَّ الولايات المتحدة سوف تبقى في البلاد ما دامت القوات الإيرانية ووكلاؤها موجودة هناك. ولسنوات، كانت مهمة الولايات المتحدة معرَّفةً بشكل غامض، على أنَّها «مهمةٌ قصيرة المدى، ولن نتكلم كثيراً عنها»، وذلك بحسب ما قاله نيكولاس هيراس، الخبير في الشأن السوري والزميل بمركز الأمن الأميركي الجديد، لموقع BuzzFeed News. وأضاف هيراس: «الآن ثمة رغبة في قول: نحن فخورون بذلك. ويمكننا أن نتوقع المزيد من الرسائل مثل هذه من البنتاغون، (التي) تفتخر بوجودها في الصراع السوري». وقال هيراس إنَّه كان من السهل على الأميركيين الاصطفاف وراء مهمة معرَّفة ببساطة؛ مثل هزيمة الجماعة الإرهابية ـ»فالجميع يكرهون داعش»- ونجاح المهمة العسكرية قد أبطل الكثير من التوتر السياسي. وتابع: «من المدهش للغاية التفكير في أننا انتقلنا من 50 جندياً إلى 2000 جندي، إلى تصريح علني بأنَّ الولايات المتحدة لن تذهب إلى أي مكان! هذه علامة على أنَّ ثمة قراراً سياسياً قد اتُّخذ في البيت الأبيض، بأنَّ بقاء القوات الأميركية في سوريا لن يعود سلاحاً يمكن استخدامه لتهديد الإدارة».

قوات أميركية تقاتل أيضاً 

ففي صيف عام 2016، ظهرت بنشرات الأخبار صور تُظهر قوات أميركية في شمال سوريا، فضلاً عن وصف لأنشطتهم بأنَّهم كانوا منخرطين في قتال يتجاوز دور «التدريب والمشورة». في ذلك الوقت، قال البنتاغون إنَّ القوات الأميركية، مع أنَّها كانت قادرة على الدفاع عن نفسها، لم تكن في الصفوف الأمامية، وذلك على الرغم من تقارير تفيد بانخراطها في عمليات قتالية. ومع أنَّه كان معروفاً أنَّ «المستشارين العسكريين» الأميركيين كانوا في البلاد، فقد كانت رؤية دليل فعلي أمراً مختلفاً. وجاء عنوان إحدى الصحف ليقول: «تبدو هذه الصورة كما لو كانت الأحذية العسكرية الأميركية على الأرض في سوريا». وعادةً ما كان الجيش الأميركي يقصر المعلومات، عند حديثه عن سوريا، لا سيما عندما كان الأمر يتعلق بما كان يروج له في البيانات الصحافية والشبكات الاجتماعية، على الضربات الجوية ضد تنظيم داعش، إلى جانب الهجمات الانتقامية على قاعدة جوية سورية في ربيع عامي 2017 و2018، رداً على هجوم بالأسلحة الكيماوية. أما الفيديو، الذي نُشر في شهر يوليو/تموز 2017، بعنوان «شاهِد قوات مشاة البحرية الأميركية وهي تنفذ ضربات مدفعية ضد داعش في سوريا»، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك. شمل هذا الفيديو، الذي كان مصحوباً بالموسيقى، لقطات من طائرة من دون طيار للمنطقة، وصوراً لدبابات تسير في المنطقة الترابية، وصوراً مضاءة من الخلف لجنود أميركيين وهم يطلقون مدفع M777A2 howitzer، ويبدو أنَّها المرة الأولى التي تُرصد فيها مثل هذه المعدات خارج أفغانستان. ومع ذلك، وبخلاف الفيديو المنشور الشهر الماضي (أغسطس/آب 2018)، فإنَّ تلك الوحدة لم يُذكر اسمها ولم تكشف الصور القريبة، المحركة ببطء، عن هوية الجنود الأميركيين.

ترمب وجمهوره منفصلون عن الأمر

وفي حين يتمسَّك البنتاغون بروايته عن المهمة بأنها لمكافحة تنظيم داعش، فالرئيس المشغول بالفعل بالقضايا والسياسة الداخلية، لا سيما انتخابات التجديد النصفي المقبلة، بدا منفصلاً عن الأمر مثله مثل الجمهور الأميركي، في الوقت الذي عزز فيه الجيش الأميركي ببطء من حضوره. وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، وبعد شهورٍ من رفضه إعطاء أرقام مُحدّثة عن عدد الجنود الأميركيين في سوريا، اعترف البنتاغون بوجود 2000 جندي أميركي على الأرض، وهو رقم أكبر بـ4 أضعاف من الرقم الذي كان الجيش الأميركي يُعلن عنه خلال السنة السابقة. ثم أعلن ترمب، فجأة، في شهر أبريل/نيسان 2018، أنَّ القوات الأميركية «سوف تخرج من سوريا، قريباً جداً». وقال ترمب: «أريد الخروج.. أريد إعادة قواتنا إلى الوطن. لقد حان الوقت، لقد كنا ناجحين للغاية ضد داعش». وحتى في الوقت الذي كان ترمب يقول فيه ذلك، كشفت تقارير من أرض الواقع، أنَّ القوات الأميركية كانت تنظم المواقع على الجبهة الأمامية خارج بلدة منبج الاستراتيجية الشمالية، غرب نهر الفرات، وهي منطقة تسيطر عليها القوات التي يقودها الأكراد المدعومون من الولايات المتحدة. والآن، أضافت الإدارة شرطاً جديداً، غير محدد على ما يبدو، للانسحاب. إذ قال بولتون، الأسبوع الماضي، قبل خطاب الرئيس الأميركي في الجمعية العمومية للأمم المتحدة: «لن نغادر ما دامت القوات الإيرانية خارج الحدود الإيرانية، ويشمل هذا وكلاء إيران وميليشياتها». وقد كان هذا التصريح مناقضاً بصورةٍ مباشرة، لما قاله قائد القيادة المركزية الذي يشرف على القوات الأميركية بالشرق الأوسط، الجنرال جوزيف فوتيل، للكونغرس، في أول شهر فبراير/شباط 2018.   إذ قال الجنرال فوتل، مكرِّراً كلام ماتيس وقادة عسكريين آخرين: «إن مواجهة إيران ليست واحدة من مهمات التحالف في سوريا».

لماذا تريد أميركا البقاء بسوريا؟

لكنَّ خطة البقاء في سوريا أكثر من إيران، قد دعمها آخرون، منذ خطاب بولتون. إذ قال جيمس جيفري، الممثل الخاص لوزارة الخارجية بسوريا، للصحافيين، الأسبوع الماضي: «يريد الرئيس أن نبقى نحن في سوريا حتى الاستجابة لهذا الشرط وشروط أخرى. لكنني أريد أن أكون واضحاً هنا: حين نقول نحن، فإنَّها لا تعني بالضرورة (وجود) قوات أميركية على الأرض». ويقول المنتقدون إنَّ هذا التمييز غير مهم، وإنَّ هناك جنوداً أميركيين يقاتلون ويموتون في هذه البلاد، بلا هدف محدد في الأفق. كان أول الجنود الأميركيين الذين قُتلوا في معارك هناك، قائد كبير بالبحرية الأميركية يُدعى سكوت دايتون، وقُتل بقنبلة بدائية الصنع في شمال سوريا في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016. وفي شهر مارس/آذار من العام ذاته، قُتل أميركي آخر، وهو الرقيب أول جوناثان جي دونبار، الذي لقي حتفه في انفجار قنبلة على جانب الطريق بالقرب من منبج، مع جندي بريطاني يُدعى الرقيب مات تونرو.

 

قتال بلا هدف

وقال ممثل ولاية ماساتشوستس بالكونغرس، سيث مولتون، وهو أكبر الديمقراطيين في لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ،وضابط سابق بالبحرية الأميركية، لاثنين من مسؤولي وزارة الدفاع كانا يقدمان شهادةً الأسبوع الماضي: «لقد التقيت قوات تقاتل على الأرض في سوريا وسألتهم حقاً عن سبب قتالهم هناك، ووجدت الكثير منهم بلا إجابة عن هذا السؤال!». وقد عاد مسؤولو البنتاغون، تحت ضغط المشرعين الذين رأوا في إعلان بولتون تمديداً غير قانوني لمهمة الولايات المتحدة في سوريا، إلى تحديد هدفهم العسكري.   وقال الجنرال سكوت بنديكت، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة للشؤون السياسية والعسكرية للشرق الأوسط، الذي كان ضابطاً بقوات مشاة البحرية، للجنة: «إنَّ هدفنا في سوريا هو هزيمة داعش. هذا هو هدفنا». وقال روبرت كارم، مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي في البنتاغون، للجنة، إنَّ مجابهة نفوذ إيران «فائدة ثانوية». لكنَّ جلسة الاستماع ذاتها عكست انفصال الجمهور الأميركي، فضلاً عن مشرعيه، فلم يحضر سوى عضوين فقط من اللجنة في بداية جلسة الاستماع؛ إذ كان الكونغرس مشغولاً بشهادة مرشح المحكمة العليا، بريت كافانو. وقال هيراس، الخبير في الشأن السوري لدى مركز الأمن الأميركي الجديد: «إنَّ ما يثير الدهشة أنَّ ثلث سوريا عملياً هو في الوقت الحالي قاعدة عمليات هجومية أميركية. هذا هو السر الصغير الموحل هنا. قد يكون هناك الآلاف من القوات الأميركية المقيمة بشمال وشرق سوريا عقوداً».