تاريخ

إميل أمين يكتب عن :هيباتيا.. قربان التنوير

43255862_1999983880040966_1395732906546036736_n
بقلم نبض شرقي

 

من يملك الحقيقة المطلقة؟ الجواب يترتب عليه معرفة من لهم الحق المطلق في محاكمة البشر، والتاريخ الإنساني زاخر بقصص بشرية توضح لنا مقدار المأساة التي صاحبت التسلط والفوقية الفكرية، وما أدت إليه من ضحايا ذهبوا قرابين في طريق الأحادية الذهنية، عل الإنسانية تستفيد من تقدماتهم البشرية، ودمائهم التي سفكت على مذابح الأصوليات المتطرفة، عند كل الملل والنحل، ومن القديم إلى الحديث. أحد الأمثلة التي يمكن لنا أن ندلل بها على إشكالية حرية الفكر، في مقابل الجمود الأرثوذكسي بالمعنى العام، وليس بالإشارة إلى طائفة دينية بعينها، يتمثل في مأساة «هيباتيا»، الفيلسوفة السكندريَّة التي اغتيلت بطريقة وحشية في عام 415م.

قبل الدخول في عمق القصة، ينبغي الإشارة إلى أن المعلومات والصراعات الذهنية التي دارت من حولها كثيرة ومتضاربة، ما بين مؤرخين، وكتاب، ونقاد، ولاهوتيين، ولهذا جرى تشويش واسع حول الأبعاد الحقيقية لمأساة «هيباتيا». ونحن هنا لا نناقش الخلافات التاريخية، أو الاتهامات المتبادلة ما بين أطراف متصارعة لأغراض ومآرب شتى، وإنما جل القصد الوقوف على مأساة الإنسانية التي تدعي امتلاك النور الساطع والحق الكامل، حتى وإن مضى ذلك الادعاء على جثث المختلفين في الدرب، والسائرين في طرق الاجتهاد والإبداع الذهني.

 

آراء متضاربة

لم يصل إلينا من سيرة «هيباتيا» الكثير، والقليل يفيد بأنها ولدت عام 370 ميلادية بالإسكندرية، ونشأت في تلك المدينة الكوزموبولتية، وتلقت القسط الوافر من علومها عن يد أبيها الفيلسوف وعالم الرياضيات «ثيون»، أحد أفضل الفلاسفة الذين عاشوا في منتصف القرن الرابع الميلادي.

الذين أحبوا «هيباتيا» عبر التاريخ، أشاروا في كتاباتهم إلى مثال نادر للفيلسوفة التي جمعت بين علوم وآداب الشرق والغرب، وتنوعت مداركها بين الفلسفة والرياضيات، وتتلمذ على أيديها مسيحيون ويهود ووثنيون، وينسب إليها صناعة أفضل أسطرلاب لقياس الفلك في زمانها.

أما الذين يمقتونها مثل الكاتب والمؤرخ المصري «يوحنا الينيقيوسي» في كتابه «Chromicle»، أو تاريخ مصر والعالم القديم الذي كتبه عام (690م)، فيسردون مشهدها كالتالي: «ظهرت في تلك الأيام في الإسكندرية فيلسوفة وثنية اسمها هيباتيا كرست نفسها في كل الأوقات للسحر، وأضلت أناس كثيرين بخدعها الشيطانية».

هل كان سبب مأساة «هيباتيا» الصراع بين السياسة والقداسة؟

كثير من الروايات التاريخية تقول بأن هناك صراعاً ما كان دائر في تلك الأيام ما بين حاكم الإسكندرية الوثني وبين كبير القبط أو البطريرك، والمختلف من حوله، وهل هو كيرلس أم أحد غيره. بيد أنه لا يهم هنا الشخص بقدر الفكرة، فما يذكره النيقيوسي هو أن «هيباتيا» «كان لها حضور طاغٍ عند حاكم المدينة، والذي درج على إكرامها إلى أبعد حد، لأنها قد أضلته بسحرها، وقد توقف عن حضور الكنيسة كما كان معتاداً… وهو لم يفعل ذلك فقط، بل جذب الكثيرين من المؤمنين إليها، وهو نفسه استقبل غير المؤمنين في منزله».

لكن البحث المعمق عن هيباتيا يشير إلى أن اتهامها بالسحر على هذا النحو أمر لا يقبله العقل الناقد، فعلى سبيل المثال تشير الموسوعة البريطانية إلى أن هيباتيا «شاغلت وشاغبت مئات المفكرين طوال ألف وستمائة عام، وكتب عنها مئات الكتب، وجميعها ذهبت إلى القول بأن هيباتيا، وإن كانت وثنية، إلا أنها كانت ذات منطق وسلوك محترم، وكان كل الذين يعرفونها يكنون لها الاحترام، بمن فيهم حاكم الإسكندرية، كما أن قاعة أكاديمية الإسكندرية الرومانية تمتلئ، عندما تحاضر هيباتيا، وحين تشرح فلسفة أرسطو وافلاطون بنوع خاص، بل إنها كانت تتجرأ على الخوض في مسائل عميقة يحسبها بعض من اللاهوتيين نزقاً فكرياً، أو ضرباً من ضروب الردة عن الإيمان، موضوعات من عينة… «من أنا؟ ومن نكون؟ وما هو الخير والشر؟».

 

صراع الوثنية والإيمان

فهل دفعت «هيباتيا» ثمن الصراع بين الوثنية أو عبادة الأوثان التي كانت قائمة في مصر في ذلك الوقت، وبين المسيحية التي دخلت البلاد عام 42 ميلادية على يد مرقس الرسول؟

الجواب يحتاج إلى قراءة طويلة، لكن في اختصار، نشير إلى أن المصريين عرفوا طوال عدة آلاف من السنين العشرات بل والمئات من الآلهة والأرباب، ولا تزال معابدهم في الكرنك جنوب مصر، وفي مدن أون وهيليوبوليس، وتل العمارنة، والأشمونين، شاهدة عليها.

هنا وفي هذا السياق لم يكن من اليسير أن يختفي تأثير مصر الفرعونية، حتى وأن أقبل جل المصريين على اعتناق المسيحية وبخاصة في المدن الكبرى مثل الإسكندرية، التي كانت حافلة باليونانيين وهؤلاء لهم آلهتهم ومعابدهم المقدسة، فيما كان الرومان هم حكام مصر الفعليون بأشكال مختلفة وبقايا كثيرة للأوثان التي كانوا يدينون لها بالولاء، وذلك قبل أن يصدر الإمبراطور «قسطنطين» ابن الملكة «هيلانة» ما عرف عام (313) بـ«مرسوم ميلانو»، والذي أعلن فيه حياد الإمبراطورية الرومانية بشؤون العبادة، ما أزال العقبات أمام الممارسات الدينية للمسيحية والديانات الأخرى، وفتح الطريق أمام المسيحية تحديداً للاعتراف بها كدين رسمي للدولة الإمبراطورية، وإن لم يكن ذلك بالضرورة يعني تغيير العقليات التي درجت على عبادة فينوس، والتشفع بـ«جيوبتر»، أو الاستنجاد بـ«مارس» إله الحروب، إلى آخر منظومة آلهتهم.

تكاد دراما «هيباتيا» والمحاكمة الجنائية الظالمة التي عقدت لها في عقول بعض من «رعاع المسيحيين» ـ والتعبير هنا وارد في بحث للأنبا بيشوى السكرتير السابق لمجمع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصر – تكاد تكون صراعاً بين المطلق والنسبي، بين المقدس والمسيس، وربما تكون شحنت صدور هؤلاء بضغائن تجاه الفيلسوفة الأفلاطونية الحديثة التي استطاعت أن تثبت نفسها بجدارة في أي محفل أكاديمي، وقد كان من الواضح أن الحاكم الروماني ارتد عن إيمانه المسيحي، وهو المدعو «أوريستوس» تحت انبهاره بها، لاسيما وأنهما كانا يظهران كثيراً بصحبة بعضهما بعضاً، ومن هنا نشأ في عقولهم، أنها هي السبب في تأجيج نيران الغضب وإشعال مواقد الكراهية تجاه البطريرك القبطي «كيرلس».

 

التطرف المسيحي

مأساة «هيباتيا» أنها ذهبت ضحية الصراع الذي لا يزال محتدماً في أيامنا بين المطلق والنسبي، فقد كانت الفيلسوفة مفكرة متميزة في شرح الفلسفة، تمضي في طريق الإبداع وتتجنب الاتباع، درجت في مجالها العلمية على طرح الأسئلة التي تدعو للتفكير العميق، والتطرق إلى كل ما هو ليس مألوف، ما يعني أنها كانت مجددة وخلاقة تنظر إلى الشؤون الدنيوية بعين النسبية، وتتقبل الرأي والرأي الآخر، ولا تضع سداً أو حداً أمام قدرة العقل البشري على التخليق ونسج الخيوط وبسط الخيوط الفكرية.ُ

في المقابل، يذهب البعض إلى أن المسيحيين الأوائل في مصر كانت تأخذهم الحمية لدينهم الجديد، ومن هنا ولدت جماعات ذات طبيعة راديكالية فعالة في إيمانها، ترى أن القديم لابد وأن ينزاح دفعة واحدة، بما في ذلك الآلهة الوثنية وعبادها، وإن أنكر البعض الآخر تلك الروايات.

غير أن حوادث تاريخية بعينها جرت بها المقادير في القرن الرابع الميلادي وتحديداً في مدينة الإسكندرية، تشي بأن «المطلق الديني» لم يكن له أن يقبل الشراكة مع «النسبي السياسي أو الفلسفي»، ولهذا تم اقتحام العديد من المعابد الإغريقية والرومانية، وهدم التماثيل وحرق الأبحاث العلمية والخرائط التي انتمت إلى العصر الوثني.

وفي رواية أخرى تنكر صلة المسيحيين بالعنف على هذا النحو الإجمالي، تقول بأن الأقباط الذين قبلوا الإيمان المسيحي استطاعوا تحويل الشعائر والطقوس الفرعونية إلى المسيحية، وتمثلوها في صلواتهم الجديدة، واحتفالاتهم الدينية، فعلى سبيل المثال فإن اللحن الأهم الذي يستقبل به كبير القبط في بدء الصلوات والمعروف باسم «أبؤرو» باللغة القبطية، أي «يا ملك السلام» باللغة العربية، لم يكن إلا اللحن الفرعوني عينه الذي كان يستقبل به الفرعون الأعظم «رمسيس الثاني» لدى دخوله معبد الكرنك في مدينة الأقصر جنوب مصر.

على أنه يمكن للمرء أن يتقبل فكرة وجود بعض المتزيّدين والمغالين في إيمانهم الجديد، الذين حاولوا إثبات أنهم ملكيون أكثر من الملك، وقد كان من الطبيعي أن تنتشر بينهم دعوات الفتك باليهود والوثنيين من الرومانيين على نحو خاص، وكذا الاعتداء على ممتلكاتهم وسلبها إذا قدر لهم إلى ذلك سبيلاً.

 

المطلق والنسبي

كانت «هيباتيا» على موعد مع القدر المتصادم ما بين المطلق والنسبي، والمطلق لا يقبل التعددية، فإما الإيمان وإما الموت، على خلاف النسبي القابل للقسمة ولهذا فصراعات النسبي، صراعات قابلة للتفاوض ومن ثم من الميسور حلها، وعلى الضد من ذلك، فإن المطلقات تنفي الآخر إلى أبعد من الحياة، حيث الموت كان يترصد فيلسوفة الإسكندرية.

ليس في إمكاننا التأكد من دقة المكان الزمان الذي توقفت فيه عجلة التاريخ بالنسبة لـ «هيباتيا»، إذ يقول البعض إن ذلك جرى في إحدى ليالي الصوم الكبير، أي في أوج المد الروحي للمؤمنين، وكأن الزخم الإيماني المطلق استوجب ردة فعل مطلقة، تقضي بإنهاء حياة «هيباتيا»، تلك التي امتدت إليها الأيادي في الظلام، لتطرحها أرضاً، وبمنتهى القسوة تجرها جراً إلى صحن «كنيسة قيصرون» في أحد أحياء الإسكندرية، ويبدو أن المصريين الذين عرفوا الذبائح البشرية، قد أعادوا الكرة مع «هيباتيا» التي تم ذبحها وتقطيعها إرباً إرباً كما يقال، وتالياً تم تجميع جسدها وحرقها، انتقاماً منها لإفساد الحاكم وجموع الشعب بأفكار ضالة مضللة.

تكاد قصة «هيباتيا» تلقي بظلالها على عالمنا المعاصر الذي عرف في السنوات القليلة المنصرمة ظاهرة «تنظيم الدولة الإسلامية» داعش، أولئك الذين اعتبروا أنفسهم «أصحاب الحق الإلهي»، يذبحون، ويحرقون ويغرقون، من يتجاوز رؤاهم وأفكارهم في محاكمات سوف يقف الزمان لها لاحقاً بالمرصاد ليدينها وفاعليها أيضاً.

 

إنصاف العلم

غلبت الهيمنة عند المتطرفين دينياً تجاه حياة «هيباتيا»، لكن فاتهم أن أفكارها وفلسفتها لم تمت بموتها، وإن كان الذي وصلنا عنها وعن مؤلفاتها القليل، إذ أحرق هؤلاء الغوغاء كافة كتبها ومخطوطاتها كي لا يبقى لها أثر.

قضى على «هيباتيا» على أمل أن تموت أفكارها، غير أن العلوم اللاحقة أكدت من جديد أن «هيباتيا» كانت على صواب في الكثير من تجاربها لاسيما علاقتها بعلم الفلك، الذي اعتبروه ضرباً من ضروب الكهانة الوثنية، بالضبط كما سيحدث مع جاليليو بعد نحو ألف عام تقريباً على موتها الملودرامي. قدمت «هيباتيا» بموتها المأساوي، مهراً للإنسانية الساعية في طريق التنوير، وقد سعى سعيها لاحقاً عدد من رواد التضحية البشرية، في مواجهة أصحاب الأفك، مثل: جان دارك، وراشيل كوري، شهيدات التطرف واللواتي فتحن الطريق واسعاً أمام المرأة ودورها بنوع خاص في مسيرة الحرية والإنسانية والتنوير.

قصة «هيباتيا» تخبرنا بأن تحت جلد كل أيديولوجي، مهما كانت هذه الأيديولوجيا، يقبع إرهابي، ينتظر لحظة التمكين التي تتحدث عنها الجماعات الأصولية للانطلاق في طريق الذهنية الأحادية، وإقصاء الآخر، بل أكثر من ذلك أنها تضعنا أمام حقيقة العنف المستخلص من الأديان والمعتقدات في حال «لي عنقها»، الأمر الذي يجعل القتل وسفك الدماء أمراً مرغوباً ومحبوباً. لعل النظر في قصة «هيباتيا» الجوهر، لا الحواشي ولا الروايات المختلفة والمختلقة، تدق ناقوس الخطر لحال العالم الواقع تحت زيف الاستعمار الأيديولوجي تارة، والديني تارة أخرى، ما ينذر بتكرار مأساة «هيباتيا» مرات عدة في قادم الأيام.