فضاءات ثقافية

أحمد علاء الدين يكتب :”قطعة جحيم لهذه الجنة” تسجيل دخول إلى السردية الروائية الحديثة.

43629425_2186966858205636_6932278490796392448_n
بقلم نبض شرقي

43636086_2332375110323839_6671814111845679104_n

تصبح الذكريات-مع تقدم العمر-مشاع فكري وأدبي  خصب،يستثمر من قبل الكاتب عبر طريقتين؛الأولى مباشرة(المذكرات الشخصية)،والثانية غير مباشرة(المؤلفات الأدبية)وذلك في إنتاج أعماله الأخيرة،أعمال ما قبل الرحيل.

الماضي يتفاعل،لقد كانت الخيبات كثيرة،فيما أن تذكرها يجرح الذاكرة ويشوه المخيلة،مثال ذلك؛ الشبه الشديد بين ما يعزى إلى “عادل محمود”في مذكراته الشخصية وبين((قطعة جحيم لهذه الجنة))الرواية الصادرة عن دار التكوين-دمشق.

  • شخصنة النص السردي عبر تضمينه لوحات مذكراتية بأسلوب روائي قصير،في منحى تتمفصل فيه المشاهد التتابعية لدى كل لوحة على تاليتها، فيما تتمحور جميع لوحات”قطعة الجحيم”حول ثلاث أفكار تقارب بين التجربة الشخصية للكاتب وبين منتجه الأدبي حيث يبرز تأثر هذا الأخير بتلك التجربة،وذلك في إطار عدد من النقاط الحكمية.
  • النقطة الحكمية الأولى”مهنة الكتابة بعين الكاتب المتمرس“:

((مهنة الكاتب تشبه معلم رقص جماعي،في متر مربع،وبلا موسيقى،وفي العتم..!)).

عادل محمود في عمر السبعين،لقد أمضى أكثر من خمسين عام يزاول هذه المهنة،دون أن يشتكي فعلياً من تأثيراتها الجانبية،لكنه اليوم يعترف ببؤسها وإلى أي حد هي مهنة قاسية وشاقة على ممتهنها؛((ليست مهنة جيدة مهنة الكتابة …))جملة فجة ألقاها محمود بوقت ليس في الأفق بديل ثان؛لأن هذه الخلاصة تكونت لديه في فترة متأخرة لا يمكن فيها فصل الكاتب الذي عاش فيه حتى هذا العمر،عن شخصه العادي.

ضمن هذا الإطار فإنه لا يمكن اعتبار “قطعة جحيم لهذه الجنة”موقف شخصاني غير متعلق بالمنتج الأدبي العام فقط،حيث أنه تطلب مجموعة من الأدوات والمواقف والأساليب،إضافة إلى الخيال الخصب لصياغة شكلانية روائية مبتكرة سيتحدد شكلها النهائي من خلال التجربة.

  • النقطة الحكمية الثانية؛الحرب السورية

بحث محمود عن أسلوب كلامي يلائم بين موضوع الحرب السورية والمنحى السياسي الخاص به، دون الوقوع بإشكالية التأثير على حيادية النص وتكوينه العمومي ((سوريا عنق وأيدي معانقيها مليئة بالسكاكين…سوريا كتاب تاريخ مؤلف من الآلام وقراؤه أميون.أيتها البلاد للأسف معظم عشاقك برابرة))

ضمن هذا المنحى قام محمود بطرح نصائح (حربسورية) لابتكار سردية مطابقة للواقع الراهن تكوّن من خلالها ذاكرة عن فترة سوداء في التاريخ السوري،منها:((تريدون تقديم هدية للأم في عيد الأم؟

لا تقتلوا ابنها))!.

  • النقطة الحكمية الثالثة؛الحب.

((الحب كائن مخصص للهزيمة))بهذه العبارة يفتح محمود قلبه،ليتحدث خلال حوار مع الذات؛ متّسم بطابع تراجيدي يغلق عليه الإدهاش؛((قضيت الآن سبعين سنة كنت أرحل فيها على متن نفسي. سبعون سنة تشبه المحاولات اليومية لتمرين العضلات،أحياناً أسميه التمرين الجنسي على إرضاء الشريك،ولقد جرى تدعيم هذا التمرين بقرار لا رجعة فيه بأن أبقى عازباً… عازباً محترفاً يهوى كل شيء ولكنه لا يهوى في اتجاه تلك الحياكة المخادعة للسعادة في قفص)).

لونا ،هذه الحالة الغرامية التي عاشت على كف عفريت في حياة محمود هي التي ترسخت في ذاكرته، والتي برع في نقلها إلى الإطار الروائي السردي، إذ ظهرت بعد ثلاث سنوات مع طفل لا تعرف من هو والده.

كانت لونا في اليوميات الأولى من الرواية (العازب بلا هواده ) تبدو صبية خصبة تعرف مصلحتها على الصعيد العملي وتستطيع التوفيق بينها وبين المصلحة العاطفية، لكن في اليوميات الأخيرة”زمن الانتظار” تبدو وقد أصبحت عرّابة المعاناة الجسدية والأخلاقية للنساء،تنزع إلى رغبة شديدة في التحرر من كل شيء فيما ذلك ذاكرتها وماضيها؛((كان تنفس لونا يؤشر إلى تلك الزلازل الصغيرة المتراكمة في صدرها،وهي تمد رأسها لتضعه على صدري،كنت أعرف مقدار المسافة التي تفصلنا ككائنين يعيان،بوضوح نوع العطب الذي انكسرت بسببه روح سابقة وحلم سابق))،

في منحى آخر  ينطلق محمود من أحداث متخيلة؛كمرور موكب نائب الرئيس عبدالحليم خدام، الذي كان يحدث باستمرار على طريق اللاذقية، لكن يتم استرجاعه اليوم بعد مرور نصف قرن عبر الذكريات.

هنا يقترب ذلك الموكب إلى الواقع ليتناول ردة فعل  المثقف أمام السلطة بنقد لاذع وساخر، لكنه يتناول أيضًا هذه السلطة  في تلميحات واضحة للحالة السورية((طريق دمشق-اللاذقية،خلال خمسين عاماً ،رأيت فيه حوادث قاتلة.ووقفنا فيه بسبب الازدحام العسكري،ومشينا وراء موكب نائب الرئيس عبد الحليم خدام،طوال خمس ساعات،لأنهم لا يسمحون لأحد بتجاوز موكبه…حتى سيارة الإسعاف))

الذاكرة هي الأداة الوحيدة التي تواجه عمليات النسيان الممنهجة، بغرض استخدام الماضي الشخصي الذي يتحقق من خلاله النقد الذاتي بغرض تصحيح مسار حركة العقل وتلافي الأخطاء.

لقد كانت القيمة التمييزية بالنسبة إلى” قطعة جحيم لهذه الجنة “متمثلة بالوقائع الذكرياتية التي استغلها  المؤلف وكانت بمثابة  أداة جذب السرد، إذ حولته إلى مروية متجانسة موحدة الرؤية  بعدما كانت متوفرة كحيز ذكرياتي نشط ولكن مسدود في عمقه. ومن ناحية أركيولوجية فإن أدب الذكريات هو عملية إسقاط العقل الماضوي التي أدت إلى إنشاء الأدب الروائي المقونن وفق ترابطات وطرائق متموضعة ومنظمة فيما بينها.

هكذا تتحرك “قطعة الجحيم” أدبياً وفق منهج الأرشفة التاريخية، حيث تتضمن شهادات و توثيقات فيما أنها تحارب بقدرتها الإسقاطاتية وعمق تحليلها جسد الحداثة  في معركته التي تستهدف “محو الذاكرة،وتبديل الحقائق”وهذا يجري عادة مع من واكب الأحداث، ويحدث، بالضرورة، مع الأجيال التالية.

الرقص مع الذاكرة، هذا ما أراده عادل محمود، على موسيقى الألفينية  التي اعتبرها مجرد مصرف للنفايات. بإدراكه، بدأ بإنشاء “ذاكرة” عبر الكتابة، من خلال سيرة ذاتية روائية أو نثر غير خيالي، وذلك عبر “قطعة الجحيم” لتمتعها بخاصية الأرشفة والتسجيل وقدرتها، كفن، على احتواء الماضي والواقع.

أحمد علاء الدين