كلمة رئيس التحرير

ذاكرة الخوف

C67A1748

 

ربما كانت صرختي الأولى لا تعلن الولادة ولا الفرح ولا التمرد

ربما كانت خوفاً مما سيرافقني فيما تلا من أيام …مشيتُ مع الخوف ومشي معي .. هاجمني و اختبأتُ منه .. باغتني واستسلمتُ له .. أحياناً يصبح القلب مرتجفاً كأنه يتألم .. كأنه يستنجد .. كأنه يكاد يتوقف ….

وأتساءل لماذا هذا الخوف ومِمَنّ ؟؟.

لا أجد جواباً يعيد للقلب حركته المعتادة .. لاءات كثيرة حاصرتني طفلاً .. البرد .. المطر .. الغرباء .. الظلام .. (احذر هناك ما يختبىء .. هناك ما يخيف )… فيضج عقلي بالتساؤلات :

يا أمي الليلة باردة وعاصفة ..

نعم إنها ليلة للخوف تُروىَ عنها حكايات الريح والعتمة والبرد ..

صمت ثقيل كان يخيم على مثل هذه الليالي .. ومن بين ثنايا هذا الصمت يتسلل صوت لوقع أقدام متواترة عند نافذتنا المطلة على الشارع … الستائر السميكة والغامقة الألوان لا تمنح الأمان .. نصمت أكثر .. يعلو صوت الأقدام أكثر .. نخاف أكثر

تقفز والدتي للنافذة تفتح الستائر والنافذة وتصخ ملء خوفها: “يا عيب الشوم عليك .. حارس ليلي يتلصص على شبابيك البيوت … حاميها حراميها“.

يختفي الصوت وتهدأ سريرتنا ونغفو بعيون خائفة

لطالما ارتبط الشتاء في ذاكرتنا بالخوف، ففي الشتاء ينبت الخوف بين مفاصل البرد، ويصبح الليل أكثر ريبة، والريح أشد وطأة، والمطر صديقاً خائناً، والمزاريب في الأساطيح الطينية تَنِزُ رعشة من فزع ،ونحن عند أقدام الجدات نجلس متلفحين بوهج لهب المدافىء، نصغي لخوفنا يكبر ويكبر ويتسع ليملأ الليل الشاسع ،والحكايات عن مجازر ارتكبت في عمقه لأهلنا وأجدادنا هناك خلف الأضواء الخافتة على الحدود، ويصبح الخوف نديم ليلنا الطويل الذي نترقب فيه الملثمين الذين ارتكبوا المجزرة يقفزون لحوش بيتنا، ويهمهمون بأصوات مخيفة كأنهم يشمّرون سواعدهم لوليمة دمٍ جديدة … يقتحمون بابنا الخشبي المتهالك ..أستيقظ فَزِعاً وأرتمي في حضن الليل من جديد

عندما كان الصباح ينبض حياة جديدة كنتُ أنسى الخوف أو أتناساه لانني كنتُ أدركُ بطفولتي أن الخوف يخشى النهار، ويختبىء خائفاً من ضوئهِ كي لا يصبح عارياً من سطوتهِ .

لطالما كرهتُ الليل في طفولتي لأن حكاياته التي تروى لنا تسرق الدفء والسكينة، كانوا يحدثوننا عن السنغاليين الذين جندهم الجيش الفرنسي وجلبهم معه من مستعمراته، وعن اختلاط لون بشرتهم الداكن بسواد الليل، ويرسمون لنا صورة خرافية عن ضخامتهم وقوتهم وقسوتهم، أو عن المغاوير الذين كانت أصواتهم في التدريب الصباحي، وهم يجولون شوارع المدينة تهز بيوتها الطينية، وعن شقيقتي التي حاول التحرش بها أحد المغاوير، وعن جارتنا التي رسمت حكاية حب صامتة مع رجل منهم يمر في دوريته اليومية في الشارع، ولكنها فُجِعت به عند رحيلهم، وعن المرأة التي حاول واحداً منهم الاعتداء عليها، بعد أن تسلل إلى سريرها الخشبي على السطح فقاومته، وتركت أظافرها ندوباً على وجهه كانت كافية لتتعرف عليه ويعاقب، رحل السنغاليون ورحل المغاوير ولكن بقي للخوف أزقته التي يتوارى فيها في عقولٍ تشكّلت خلاياها من حذرٍ خائف.

الآن وبعد عقود من تلك الطفولة الخائفة أقبع في منفاي واسألني بمرارة: هل تخلصت من بقايا الخوف المتوطن في ذاكرتي؟؟ .

لا.. هي ذاكرة الخوف لاتزال قائمة، هي التي رمتني هنا في منفى بلا خوف كما كنتُ أظن، كنتُ أبحث عن أرضٍ لا خوف فيها، أرض للطمأنينة والأمان، لكن ما بُنيَ على خوف يبقى الخوف يسرق راحته ويجعل من نومه عذاباً، ومن نهاره شراً مستطيراً

هو الخوف روضّني ولم أتأقلم معه .. وهذا أنا خائف منذ دهر .. وهاهي الأيام تهرول خائفة من مصائرنا المحتومة وأقدارنا الواجفة.

 ملكون ملكون